بدايةً، هذا المقال لا يعبر عن الواقع بأى حال من الأحوال، وأى تشابه بينه وبين الحقيقة يدل على أن الواقع تعدى الخيال بكثير، سوف تقرأ فى السطور القادمة ما تراه كل يوم وفى كل مكان وإن كنت أعتقد أنه لن يضيف شيئا جديدا إليك، لأنك بالفعل.. "نوتوبيا". اليوم: 21 من ديسمبر 2013.. طبقا للأرصاد الجوية هو بداية الشتاء الرسمية، يعود "عادل" من الجامعة.. ينهى وجبة الغداء ويلتقط كتابا وجده بجانب السرير فى غرفته التى تعتبر عالم سحريا بكل ما فيها من انعدام للروتين، فى الغرفة تحتوى فقط على سرير ورف بجانب السرير ومصباح يضفى بعض الضوء الأصفر الذى يشبه ضوء الشمس ساعة الغروب، وإذا كان هناك ما يثير الغرابة هو أنه لا يوجد مكتب خاص له فى هذه الغرفة بالرغم من كونه طالبا. لم يطلب "عادل" مكتبا ولم يرد واحدا يوما.. خياله المندفع لا يستطيع الانطلاق فى وسط الضيق الذى يصنعه هذا المكتب. فتح "عادل" الكتاب وبدأ فى القراءة.. كان كتاب بُنى اللون مكتوب على غلافه بخط رفيع "نوتوبيا". "نوتوبيا" باختصار هو الجانب النقيض من المدينة الفاضلة المعروفة ب"يوتوبيا". يشرح الكتاب أحوال الناس فى هذه المدينة.. ومن أكثر مميزاتهم إبهاراً هى أنهم لا يشعرون بشىء.. يعيشون بأجسام ضد الرصاص، ضد الجوع، ضد البرد، ضد الألم النفسى، ضد الشهوة، ضد الحب، ضد الحزن، ضد الفرحة.. وضد كل شىء يمكن أن يشعر به إنسان. يحكى الكتاب أحوال البشر فى هذه المدينة.. وكيف قد حلت كثير من الأزمات على يد التغيرات الفسيولوجية التى حدثت لهم، إنه حقا شىء جديد أن لا تشعر بشىء، خاصة أنك كنت تعيش فى مكان المشاعر المؤلمة فيه تسيطر أغلب الوقت. لا يجوع الفقراء، لا يشعرون بالبرد، لا يشعر الأغنياء بوخزة الشفقة تجاه الفقراء، لا يشعر العاشقون بألم الفراق، لا يوجد عاشقون من الأساس لأنه لا يوجد حب، يوجد من يعيشون دور العاشقين من أجل كسر الحاجز النفسى للتعامل مع الناس، وأيضاً لا يوجد شهوة، لا يوجد تحرش -على اعتبار أن التحرش يحدث بسبب الشهوة مثلا- لا يوجد إحساس بالذنب تجاه المجنى عليها، وهذا أعتقد أنه أكثر أهمية للكثيرين، وكأن ما يؤلمهم شعورهم بالأسف تجاه الموقف، ولا يفكرون بمن حدث لهم الموقف نفسه، ومع ذلك يمكننا أن نقول إن الحياة فى "نوتوبيا" أصبحت أكثر إشراقاً من كثير من بلاد العرب، لا يشعر الفقراء بالوجع، فقط يموتون بصمت وهدوء دون إصدار أصوات مزعجة، وأيضاً لا يشعر الطبقات العليا بتأنيب الضمير-هذا إذا كانوا يشعرون قبل ذلك أصلاً!- فالرجل الذى مات بردا لم يشعر بالعذاب، والطفل الذى مات جوعا كان يلعب لآخر لحظة، والمرأة التى ماتت مرضاً شاهدت مسرحيتها المفضلة فى آخر ساعة لها ثم اختتمت حياتها بنشوة كلمات أُم كُلثومْ التى تقول: "دى ليلة حب حلوة بألف ليلة وليلة" وتذكرت أنه كان هناك ما يدعى "الحب" وما يسمى ب"الحلو".. صوت أُم كُلثومْ بعث لقلبها بعض الدفء، وعلى غير العادة أحسّت المرأة.. فى مدينة انعدام الإحساس، وشعرت.. فى مدينة اللاشعور، شعرت بالمرض يقبلها قبلة الوداع، ليتها لم تشعر، ولم يكن آخر من يقبلها هو المرض وليس ولداها اللذين هجراها، اللذين تركاها منذ سنين، لم يشعرا بالذنب، ولم تشعر هى بالاشتياق، أعتقد الآن أن الوضع يوجد به بعض العدل والمساواة. فارقت هى الحياة، أم أن الحياة هى التى فقدتها!، فقدت الحياة آخر مَن يمكن أن يكون لديهم دفئ يكسر جليد قلوب البشر، بالفعل فقدت الحياة هذه المرأة. يقولون إن الإحساس نعمة، لم يعرفوا أن "نعمة" اغتصبها الجشع وماتت من شدة البرد. أنهى "عادل" الكتاب ووضعه على المكتب! المكتب الذى يقضى على آمال وأحلام وخيالات كثير من الشباب، تمنى "عادل" لو لم يُصنع هذا المكتب، تخيل لو أن الدراسة فى وطنه تساعد إبداعاته ولا تساهم فى وأدها حية، ولا تضيق كل مساحة ممكنة من عالم الخيال، المكتب فى غرفة "عادل" هو نفس المكتب فى غرفة جميع الطلاب، المكتب رمز منظومة فاشلة تحاول بقدر الإمكان إفشال الجميع. لكنه استيقظ من عالمه السحرى وهو يعلم أن حال الوطن أسوأ بكثير من سكان مدينة "نوتوبيا".. فهناك فى نوتوبيا لديهم مساواة وعدل فى انعدام الإحساس، ونحن فقط لا نعلم عن العدل غير أنه يمكن أن يكون صيغة مبالغة لنجعله اسما لأولادنا، تمنى "عادل" لو انعدم الإحساس فعلا- وهل لم يكن منعدما من قبل؟"، ولكنه تمنى أن ينعدم الإحساس مِن مَن يشعرون بالألم الحقيقى ليس مِن مَن يشعرون بالذنب، انعدام إحساس من مات جوعا وبردا ومرضا، ليس مِن مَن يصورهم وينشر صورهم على مواقع التواصل الاجتماعى ويظهر بعض الشفقة. وقف "عادل" فى الشرفة وهو ينظر إلى ازدحام شديد حول رجل يظن الناس أنه مات من شدة البرد، أو من شدة الجوع، مات بلا مأوى، بلا أحد، مات بلا وطن. أصبح "عادل" الآن يعلم أن نوتوبيا قد يكون مكانا أفضل للفقراء فى وطننا. هناك فى "نوتوبيا" انعدم الإحساس فسيولوجيا، ولدى الجميع، بمساواة وعدل فى التوزيع، يعلم "عادل" أن رجلا قد مات، وبقى من يتمنى أن يلحق به سريعا، وفى الحقيقة، مَن تمنى الموت أحق بالحزن وإظهار الشفقة تجاهه مِن مَن مات بالفعل.. تمنى "عادل" لو أن نوتوبيا حقيقية. عند فقدان الأمل، يصبح أسهل الطرق للتخلص من "ألم الأقدام" هو بترها، عادة يتمنى الناس أن يعيشوا فى "يوتوبيا" ونحن هنا نأمل أن نصل إلى "نوتوبيا" بطريقة ما.. ولا نستطيع حتى.