ألم يخطر فى بال أحد منا وهو يشعر بالسقيع فى منزله أن هناك إنسان مثله يشعر بالسقيع، ولكن فى الشارع بلا منزل أو مأوى؟ أخطر فى بالنا ونحن نجلس تحت البطانية أو الأغطية استيراد الدول الأوروبية أن هناك شخصا تحت الرصيف مغطى بالورق الخفيف؟ أخطر فى بالنا ونحن نشغل المدفأة أو التكييف المركزى أن هناك المئات بل الألوف من الفقراء سعداء وممتنين بالحصول على حقهم فى الكهرباء بنسبه 1% فى بيوتهم البيسطة لإشعال الموقد أو مصباح ليروا فى عتمة الليل؟ هل تخيل أحد منا ونحن نشاهد بكل ضيق المطر وهو ينهال خارج نوافذنا ويعطلنا عن مشاغلنا أن هناك عائلات سقوف منازلهم تنهال بالمطر فوق رؤوس أطفالهم، وأنهم عندما يسمعون صوت المطر بيتسابقوا فيما بينهم بالأوانى والأوعية البلاستيكية لحجب تلك الأمطار النازية التى تشتد فى عذابها على الفقراء والمشردين وتكون خفيفة الوطأ على الأغنياء والمرفهين؟! ففى الوقت الذى كانت الأغلبية مترفة لحد التخمة فى الكهرباء ووسائل التدفئة التكييفية كانت هناك طبقة فقيرة من المصريين فى العشوائيات ومنذ سنين طويلة يعانون بلا كهرباء، بلا وسائل تدفئة، بلا أغطية.. بالأحرى بلا مأوى أومسكن مجردين من حقوقهم الأنسانية يسكنون فى عشش عشوائية، ولم يتحرك أحد لقضيتهم فى الأجهزة المسموعة أو المرئية أو حتى فى الصفحات والجروبات "الفيس بوكية".. هل السبب فى عدم شعورنا بهم هو سلبيتنا تجاه الدولة وعدم مقدرتنا كمواطنين وهبنا المال والقدرة من الله على صنع تغيير فى حياة غيرنا ممن حرموا الاستطاعة المادية؟ أكنا كأفراد نشعر بالعجز قبل الثورة فخيلت لنا أنفسنا أن نعيش سلبيين ونرمى بأوزارنا على حاكم البلاد وحكومته فى ذلك الحين؟ وسبحان مغير الأحوال، قامت الثورة مرتين واستبدل الشعب الحاكم والحكومة ولكن ما الجديد؟ فالفقراء كما هم، والمظلومون كما هم، والبرد فى الشتاء كما هو، حيث قامت الثورة تبعا لمصالحهم وليس تبعا لمصالح الشعب المظلوم المقهور الذى قتل فى الثورة، وسحل، وضرب، وأهين لكى يغير واقعه الأليم، لينادى بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية لوطنه ظل بلا بطانية. فللأسف حتى بعد ثورة يناير التى استكملت يوم 30 يونيو ما زال الوضع كما هو عليه، هناك مساكن عشوائية ومساكين الوطن لا يجدون لقمة عيش كافية وحقوقهم تحت المطر منسية، فمنهم من يسكن الرصيف، وهناك من يفترش الرصيف ويصنع من الجرائد أغطية، فى نفس الوقت الوقت الذى يجلس فيه شباب الوطن على الصفحات الفيس بوكية يطلق النكات على الأمطار والبحيرات الصناعية متناسيا من هم أقل منه إنسانيا. فشباب الثورة لا يقوموا بالنداء والحشد إلا للمآسى الثورية، فلم يفكر أحدهم بالحشد لإصلاح مساكن الأقلية المنسية من مساكين مصريين، ولم يفكروا إلا بالنداء عبر الصفحات (وانت نازل لو قابلت حد سقعان اديله بطانية) السؤال هنا.. كم شخص منكم يمتلك من المال والسلطان والمنازل التى من فراغها أسكنتم فيها حيوانات أليفة من كلاب وهررة؟ كم شخصا منكم يستطيع مساعدة عدد كبير من المحتاجين بأموال الرفاهية التى تنفوقها على أشياء ليس لها أولوية عند رب البرية، وكأن الحياة لدى الشباب حفلة تنكرية ثورية ينسون فيها طبقاتها الاجتماعية وتكثر فى بلاطها النفايات الفكرية فى العقول والأفعال، لنشعر وكأننا فى مجتمع يعانى من الشيزوفرنيا التى تصب فى الأغلب فى الجانب الأخلاقى للمجتمع، رغم أن الأخلاق ليست مطلقة ولكن الإنسانية واحدة.