الداخلية تستحدث منصة وطنية موحدة للتحقق البيومتري والمصادقة اللحظية    مدبولي يشهد احتفالية وصول أول طائرة إيرباص A350-900 إلى أسطول مصر للطيران    بتكلفة 100 مليون جنيه.. محافظ كفر الشيخ يفتتح محطة مياه شرب قرية متبول    الخارجية تنشر الصورة الجماعية لرؤساء الدول والحكومات المشاركين في أعمال قمة الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا    تعرف على مباريات الجولة الثالثة بالدور قبل النهائي لدوري السوبر الممتاز للكرة الطائرة    مدافع مانشستر سيتي السابق: صلاح أفضل من سواريز    سحب 647 رخصة لعدم تركيب الملصق الإلكتروني    محافظا القاهرة والقليوبية يشنان حملات لتنظيم المواقف العشوائية    صندوق مكافحة الإدمان يجري انتخابات لاختيار رؤساء وحدات التطوع ونوابهم بالمحافظات    ارتفاع عدد ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة ل72051 شهيدا و171706 مصابين    لجنة إدارة غزة: تسلّم المؤسسات محطة مفصلية.. ونشترط صلاحيات مدنية وأمنية كاملة    روبيو: الولايات المتحدة وأوروبا «قدرهما أن تكونا معا»    «التنمية المحلية» تطلق برنامجًا لتأهيل كوادر اليونسكو بمركز سقارة    افتتاح معرض أهلا رمضان لتوفير سلع ومنتجات مخفضة لأهالى القرنة بالأقصر.. صور    بالحنطور، الحساب الرسمي لليفربول قبل مواجهة برايتون: مغامرة مُمتعة رفقة الريدز الليلة    14 لعبة فى أولمبياد سيتي كلوب الرمضانية لتوسيع قاعدة اكتشاف المواهب    محافظ أسيوط يهنئ نادي منفلوط الرياضي بصعوده رسميًا لدوري القسم الثالث    تشكيل ليفربول المتوقع أمام برايتون في كأس الاتحاد الإنجليزي    باسل رحمى: نهدف لإتاحة تمويلات ميسرة للمشروعات الزراعية لضمان استمراريتها    وزيرا التخطيط والمالية: خطة 2026/2027 تترجم التكليف الرئاسى المواطن أولوية قصوى    برلماني: استكمال انتخابات المجالس المحلية يعزز كفاءة التخطيط ويعيد التوازن للمنظومة    القاهرة 30 درجة.. الأرصاد تكشف تغيرات مفاجئة بالحرارة خلال ال48 ساعة المقبلة    موعد استطلاع هلال شهر رمضان 2026 وإعلان أول أيامه رسميا    مدير مدرسة إعدادي.. تفاصيل جديدة في واقعة ضحية خصومة ثأرية منذ 25 عامًا بقنا: أفرغ فيه 60 طلقة    أيمن بهجت قمر ينعي ابنة عمه    برنامج الصحافة على إكسترا نيوز يستعرض عدد اليوم السابع عن دراما المتحدة    درة تعود للدراما الشعبية بشخصية ميادة الديناري في علي كلاي    «الموف أون» المؤجل.. لماذا نبقى عالقين عاطفيا بعد الخروج من قصة حب؟    صحة الشرقية: تنفيذ 95 ألف زيارة منزلية خلال 72 أسبوعًا    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    زيارة كنسية ألمانية لأسقف الكنيسة اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة    انتظام عملية التصويت في انتخابات الإعادة للنقابات الفرعية للمحامين    كيف تستفيد السياحة من الرياضة؟.. محمد سمير يوضح    طقس الشرقية اليوم السبت: حار نهارا مائل للبرودة ليلًا.. والمحافظ يرفع درجة الاستعداد القصوى    الكمامة وبخار الماء.. خطوات بسيطة لتفادي مضاعفات العواصف الترابية    «العمل»: 300 وظيفة للشباب بإحدى شركات تأمينات الحياة.. تعرف على الشروط    نجم الزمالك السابق: الأبيض قادر على تحقيق الفوز أمام كايزر تشيفز    لازاريني يحذر من تقويض حل الدولتين بسبب تصعيد الاحتلال بالضفة الغربية    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    نيوزيلندا.. فيضانات عارمة تتسبب في انقطاع الكهرباء وانهيار الطرق    وزير الخارجية ينقل تحيات رئيس الجمهورية للقادة الأفارقة والمسئولين الدوليين    وزير الخارجية: مصر أول دولة أفريقية تحقق مستوى النضج الثالث في تنظيم اللقاحات والأدوية    دارين حمزة: أدوار الشر سر نجاحي بمصر.. وانتظروا «سارة» في «الكينج»| حوار    جامعة القاهرة تتصدر المشهد العالمي.. فصل خاص في إصدار "Springer Nature" يوثق استراتيجيتها المتكاملة للتنمية المستدامة    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأرصاد تُحذر من طقس اليوم.. وقرار من النيابة في واقعة «بدلة الرقص»    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    زكي رستم: أرفض الأسئلة عن الزواج والعمر| حوار نادر    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    الزواج ليس مجرد علاقة جنسية| استشاري أسري يوضح أساسيات العلاقة الصحيحة    ميشيل يوه تتوج بالدب الذهبي: السينما فوق كل شيء    تحت شعار "الحرب أو السلام".. ترامب يدعم أوربان قبل انتخابات مصيرية فى المجر    كسر بالأنف واشتباه كسر بالفك.. تفاصيل التقرير الطبي لشاب واقعة «بدلة الرقص»    ديمبيلي ينتقد أداء باريس سان جيرمان بعد الخسارة أمام رين    "نيويورك تايمز": البنتاجون يستغل الوقت لاستكمال تجهيز الأسطول المتجه نحو إيران    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    بعد وجبة رئيسية.. أفضل توقيت للحلوى دون ارتفاع السكر    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



هل كانت دولة الإسلام الأولى دينية أم مدنية؟
علماء وفقهاء يجيبون عن السؤال الشائك
نشر في اليوم السابع يوم 07 - 08 - 2009

هل كانت دولة الإسلام فى عصوره الأولى، دولة دينية، أم أنها دولة مدنية عصرية بمقاييس الوقت الذى بدأ منذ دعوة الإسلام الأولى؟ المتأمل لهذا السؤال الذى مازالت المعارك تدور بشأنه يقفز بنا إلى معرفة أننا عشنا دولة إسلامية بدأت مع الرسول عليه الصلاة والسلام تعد العدة لمواجهة الأعداء، وتختار من هم أهل الكفاءة فى قيادة الجيوش، وليس شرطا أن يكونوا من أهل الفقه فى الدين، وتختار من يفهم فى تسيير أمور الناس الاجتماعية والاقتصادية وفقا لهذه القاعدة، لم يكن الإسلام وقتئذ بتعاليمه السمحة يقوم على حتمية أن يتبحر عموم المسلمين فى فقه دينهم، وإنما أقام دولة مكتملة الأركان وفقا لقواعد الهيكلة التى نراها فى الدولة الحديثة، كإنشاء الدواوين التى يماثلها حاليا الوزارات، ولأن الدولة الإسلامية كانت على هذا النحو استطاعت أن تكون الدولة العظمى فى زمانها، وتم ذلك لأنها كانت دولة مدنية وليست دولة دينية.
«اليوم السابع» فتحت القضية فى مقال سابق لرئيس التحرير، وتعرض فى عددها الحالى آراء خص بها الجريدة علماء فى الفقه والشريعة والفلسفة الإسلامية.
الشيخ فرحات المنجى: عمر بن الخطاب استعان بغير المسلمين لإنشاء الدواوين
إن دولة الإسلام الأولى التى نشأت فى المدينة المنورة ووطدت أركانها، كان النبى صلى الله عليه وسلم يسعى ليعلم الخلق كيف تكون القيادة الصالحة، لأن الإسلام لا يمكن أن ينمو فى ظل ملكية أو جمهورية أو دولة رئاسية فى ذلك الوقت، إنما كان الخيار الوحيد هو أما أن يؤول الحكم للنبى محمد أو لرؤوس القبائل فى ذلك الوقت، لذا كان الحكم شاملا وقتها للنظام الدينى والمدنى معا، وقد أوتى النبى من الحكمة والتصريف للأمور ما لم يؤت أحد من الناس، فكان مبلغا للرسالة ناشرا للدين قائما على أمور المسلمين حاكما فيما بينهم، وكانت هذه هى طبيعة الدولة الأولى فى الإسلام.
أما بعد ذلك فكانت الأمور قد بدأت فى إدخال عناصر أخرى حتى لو كانت غير مسلمة، وعلى سبيل المثال فقد استقدم الخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه أناسا من غير المسلمين لينشئوا الدواوين (وهى الوزارات حاليا)، ويعلموا المسلمين كيف تكون الإدارة، ثم بعد ذلك زاد الأمر شيئا فشيئا إلى أن تحولت الدولة إلى «مدنية» لا تخالف شرع الله لاعتبارها «مسلمة»، وليس معنى أنها لا تخالف شرع الله أنها دولة إسلامية، وإلا كان الخروج عن أى قانون يصدر عن رئيس الدولة «كفرا»، لأنه يكون حاكما للبلد بأمر الله.
والمثال القريب على ذلك ما حدث مؤخرا فى إيران من تكفير لبعض الناس لمجرد أنهم لم يلتزموا بأوامر الملالى وآيات الله والولى الفقيه، كما أن السبب الآخر الذى يقوض فكرة الدولة الدينية أن كثيرا من رجال الدين من الممكن ألا تكون فيهم الصلاحية ليكونوا ساسة ووزراء، لأنهم غير متخصصين فى هذا الأمر فلا يمكن أن نأتى بأئمة المساجد ليتولوا وزارات مثل الصناعة أو التجارة أو الصناعة مثلا، وإلا سيكون رئيس الدولة حينها دارسا وفقيها وعالما لجميع المذاهب الإسلامية ومرجعية دينية كبرى وهو أمر عسير جدا.
إذا رأينا مثالا آخر فى إسرائيل التى قامت على أساس الدين بدعوة مؤسسيها إلى الدولة اليهودية، كان هذا سببا منطقيا للهجوم عليها، ووصف من يتبنوا هذه النظرية بالتشدد والإرهاب، فمعنى أن تكون دولة يهودية، يعنى أنك لا تقيم حقوقا داخلها لغير اليهود، وقس على ذلك، فنحن لو قلنا «دولة إسلامية»، فمعنى ذلك أنه لا حق لغير المسلم فى هذه الدولة بل يجب أن يعامل معاملة مواطن من الدرجة الثانية، وهذا ما لا يرضاه الشرع، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهل الكتاب «لهم ما لنا وعليهم ما علينا»، فبالمعنى الضيق لا توجد دولة إسلامية أو يهودية أو مسيحية على الإطلاق.
النقطة الأخيرة هنا أننا حينما نقول إن هناك 56 دولة مسلمة فليس معنى ذلك أنه لا يوجد مسلمون فى غير هذه البلاد، أو أن كل المقيمين فى هذه البلدان مسلمون، والواقع الآن يحتم أن تكون الدولة مدنية لا علمانية ولا دينية، ولكن المهم هى ألا تخالف شرع الله، فقد زرت إيران أكثر من مرة وجلست مع علية القوم وأقلهم شأنا وتحدثت مع الاثنين، فوجدت الشطط عند الفئة الأولى والكره والبغض والحقد عند الفئة الثانية، لأن علية القوم أباحوا لأنفسهم ما لم يبيحوه لغيرهم، وعلمت من بعض الناس هناك أن ما يصرف من أموال على الحوزات العلمية إنما يصرف على القائمين عليها، وأقول بصدق إن أغنى طائفة فى هذه البلاد هم الملالى والآيات العظمى بينما باقى الشعب يعيش فى تعاسة.
د.أحمد الفنجرى: الإسلام لا يعرف مصطلح «رجال دين»
لا يوجد فى الإسلام ما يسمى دولة دينية، فأن تنشئ دولة بهذا الاسم فأنت تريد أن تؤسس لولاية الفقيه وهو أمر غير مقبول فى مصر، كما أن الدين الإسلامى لا يعرف مصطلح «رجال الدين».
الإسلام فقط يعرف رجال العلم، وهو ما يؤكد بكل وضوح أن الدولة فى الإسلام «مدنية» لا دينية ولا علمانية، فالذين ينادون بما يسمى «دولة الخلافة الإسلامية» ويطالبون بعودتها، لا يعلمون أن الخلافة ليست أصلا إنما هى تطبيق إسلامى للحكم قد يصلح لعصر دون الآخر.
ولعل التأكيد على مدنية الدولة جاء من ترسيخ النبى صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء الراشدين لمبدأ الشورى فى الإسلام بوصفه تطبيقا متقدما للديمقراطية، وأكدها أبوبكر الصديق رضى الله عنه حين تولى بقوله «وليت عليكم ولست بخيركم» مطالبا المسلمين بأن يقوموه، كل هذا والبعض الآن يستشهد فى دعوته لما يسمى بالدولة الدينية، بالعودة إلى القرون الأولى من الإسلام حيث عهد الخلفاء الراشدين.
نفس الأمر أيضا لمن ينادون بتطبيق الشريعة الإسلامية بوصفها أساسا لإصلاح الحكم، وهم بذلك يتجاهلون أن الرجوع للشريعة يكون فى الأصول والمسائل القطعية فقط، أما باقى الأمور الدنيوية فهى تحتاج إلى الاجتهاد ومن دونه لن تفيد أى نصوص دينية، حتى المتحدثين عن علمانية الدولة مستخدمين حجة «السمو بالإسلام» عن السياسة والحكم والإدارة بوصفها أمورا دنيوية نحن نقول لهم لا تنسوا أيضا أن الإسلام دين ودنيا، ولا يجب فصل أحدهما فى تطبيقه عن الآخر.
أخيرا فإن وجود تطبيق الدولة المدنية التى نادى بها الإسلام يمنح الشعوب حريتها فى اختيار حاكمها وخلعهم حين تشاء (الديمقراطية بمعناها الشامل)، كما أنها تمنع توريث الحكم كما فى الدولة الدينية المزعومة، وتمنع الكثير من الظلم الذى يقع على الشعوب بذريعة «الحكم باسم الله».
د.آمنة نصير: لا نريد دولة إسلامية معلقة بكهوف التاريخ
الإسلام ليس عدوا للدولة المدنية ولا لما تحمله من قيم العدالة والحقوق والواجبات لجميع المواطنين، والبعض الذى يروج لمفهوم الدولة المدنية على استحياء، غرضه غير المعلن فى ذلك أن لا يكون للدين الإسلامى دولة، ويريدون بذلك الخلط بين أهل الفكر المتطرف ومفهوم المدنية المتزن الذى يأخذ من حضارة الحاضر دون أن ينقطع عن جذور الماضى، وبالتالى القضاء على كل ما يتصل بالإسلام حتى لو كان فيه إفادة لهم.
نحن لا نريد دولة إسلامية معلقة بكهوف التاريخ، بل ما نريده دولة تأخذ بكل ماهو فى المدنية المعاصرة ما لا يتصادم مع صحيح الشريعة.وفى ذات الوقت لا نريد رجال دين فى سدة الحكم، لأنه لا يعقل أن نتحول إلى دولة حاخامات مثل إسرائيل، بل نريد دولة تقوم على العدل ويحكمها أهل التخصص والخبرة والقدرات الذاتية، حتى لا نفاجأ بشيخ على ناصية كل وزارة. ولا حرج من أن يتواجد قبطى على رأس أعلى مؤسسات الدولة، ولا أجد غضاضة أن يتولى قيادة الدولة من أى دين مادام كان هو اختيار الشعب.
لكنى أحذر ممن يروجون للدولة المدنية كدعوة مبطنة يريدون بها الذهاب بمصر إلى ما ذهبت إليه أوروبا من الاضطهاد الكنسى فى فصل الدين عن الدولة، ليصبح الشعار «أعط ما لقيصر لقيصر.. واعط ما لله لله». متناسين نماذج فى الحكم والخلافة الإسلامية مثل عمر بن الخطاب الذى كان يطبق العدل على نفسه أولا قبل الرعية، وعمر بن عبدالعزيز الذى استطاع فى وقت قصير بث العدل ورعاية الرعية حتى إنه لم يجد فى عهده من يستحق الزكاة.
مفهوم «المواطنة» فى الدولة المدنية كان موجودا من قبل فى الدولة الإسلامية التى أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم، ففى صحيفة «المدينة» تم الإعلان عن قيم العدالة الكاملة والحقوق والواجبات على قدم المساواة فى نصوص الوثيقة. ومن يقرأ بنود صحيفة المدينة يجد فيها المفهوم الحقيقى للمواطنة «لهم ما لنا وعليهم ما علينا». وبناء عليه فالدولة الإسلامية ليست عدوا يتربص بمفهوم المواطنة. والدولة المدنية هى تلك التى تحترم حقوق الإنسان حتى فى الحروب، وأثبت ذلك فى الوثيقة الدولية الخاصة بحقوق الإنسان فى الحروب عام 1948، فلم تأت بجديد عن ممارسات الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه من بعده فى الحروب، وهو ما يؤكد وجود الدولة المدنية تماما فى الممارسات الإسلامية سواء فى الحرب أو السلم أو الإدارة.
وفى هذا السياق أقول إن المواطن البهائى من حقه أن يتعايش وأن تتم مناقشة أفكاره، ووضعها فى حجمها الطبيعى دون تعذيب أو حجر على الرأى، ومن حقه أن يعيش دون أن يحارب العقائد السماوية، هو حر فى الإيمان بأى نظرية دون ادعاء للنبوة أو التشكيك فى أى عقيدة من العقائد.
د. حامد طاهر: نظام الخلافة أبرز حكاما رائعين.. لكنه أوقف الاختيار بين متنافسين متكافئين
يجمع المؤرخون على أن نظام الدولة لدى المسلمين إنما بدأ فى عهد الرسول «ص»، فقد كان بالإضافة إلى مهمته النبوية الشريفة هو الحاكم الفعلى للدولة الناشئة: يشرف على شئونها، ويوحد عناصرها، ويقود حروبها، وعندما استقرت قام بتعيين الحكام على بعض الأقاليم البعيدة عنها، كما أرسل السفراء إلى الدول الكبرى المجاورة.
وعندما توفى الرسول «ص» لم يحدد أحدا يخلفه، ولا نظام حكم معين يسير عليه المسلمون.. ولذلك كانت المبادرة منهم بإنشاء «نظام الخلافة»، الذى يبدأ ب«أخذ البيعة» من سائر المسلمين، على أن يحكم خليفة رسول الله بما يرضى الله ورسوله.
وعلى هذا النظام استمر المسلمون فى مبايعة الخلفاء الأربعة «أبوبكر، عمر، عثمان، على»، وكان الحاكم صاحب سلطات مدنية، ومكانة دينية فى نفس الوقت. فهو الذى يحكم ويؤمّ المسلمين فى الصلاة. أى أنه كان قائدا مدنيا وإماما دينيا، وكما نعلم حاول كل منهم أن يترسم خطى الرسول «ص» فى كل أحكامه، وأن يحقق العدل والمساواة بين المسلمين، ولهذا استحق كل منهم، وهم مجتمعون لقب الخلفاء الراشدين.
ثم تحولت الأمور بعد ذلك، فنشأت الدولة الأموية عقب انتصار معاوية بن أبى سفيان على علىّ بن أبى طالب فى حرب أهلية مؤسفة، قتل فيها العديد من المسلمين، واتبعها نظام حكم يراعى الإسلام من حيث الظاهر، لكنه يحكم فى الواقع بأسلوب مدنى، استمد بعض مناهجه، ومظاهره أيضا من الحكم فى دولة الروم، الأقرب إلى العاصمة دمشق فى الشام، ومن ذلك مثلا أن المسلم كان يأتى من بلده البعيد فيقابل الخليفة وهو جالس فى المسجد مباشرة، فأصبح لا يستطيع لقاءه إلا بعد مروره على الحجّاب، وسؤاله عن طلبه، والاستيثاق من مخبره!
لكن مما يذكر لصالح الدولة الأموية أن الفتوحات الإسلامية امتدت فى عهدها «40 - 132 هجرية» من حدود الصين إلى شواطئ الأطلسى فى المغرب العربى، وهنا يمكن القول بأن الذى يريد أن يكشف عن كثير من عناصر الحكم المدنى عليه أن يفتش جيدا فى نظام الأمويين، فقد كانوا يتخذون قراراتهم فى الغالب على أساس من المنفعة العملية، ويقيمون علاقاتهم الدولية على أساس المصالح، ولم يكن الدافع الدينى هو المسيطر عليهم تماما فى ذلك.
ولعل هذه النقطة ذاتها هى التى استغلها خصومهم العباسيون لنقد دولتهم، فقد اتهموهم بالبعد عن الدين، وعدم التمسك الدقيق بتعاليمه واستغلوا بالطبع بعض الأخطاء لدى حكامهم المتأخرين فأثاروا عليهم الجماهير، التى تعاطفت معهم، لأنهم رفعوا شعار عودة الحكم لأهل بيت النبوة، والمقصود من ذلك أحفاد على بن أبى طالب، لكنهم بعد انتصارهم نكّلوا بهؤلاء الأحفاد، وتتبعوا شيعتهم بالقتل فى كل مكان!
قامت الدولة العباسية «سنة 132 ه» وهى ترفع شعار العودة إلى الدين، وهذا أمر يجذب الجماهير، ومع ذلك فقد استمروا فى نظام الحكم بنفس أسلوب الأمويين، وبتأثير أكبر من دولة الفرس الأقرب إلى عاصمتهم الجديدة فى بغداد، التى استمر فيها الحكم من «132 - 656» وهو تاريخ غزو التتار، وتدمير العاصمة، والزحف حتى حدود مصر، حيث أوقفهم المماليك بقيادة قطز وبيبرس فى معركة عين جالوت «658 ه».
كيف كانت طبيعة حكم العباسيين؟ احترام ظاهرى لتعاليم الدين، فالخليفة له جانبان: سياسى ودينى، وفى نفس الوقت عندما تفرض الظروف تغليب الجانب الدنيوى فإن الخليفة نظرا لمصلحته ينحاز إليه. وفى هذا العهد، تم إبعاد العنصر العربى عن الحكم، وكذلك الفرس، وحل محل الاثنين الجنود والقواد الأتراك الذين ما لبثوا أن سيطروا على مقاليد الدولة، وصاروا يعزلون ويعينون الخليفة الذى يحقق مصالحهم.
لم تتقدم الفتوحات الإسلامية شبرا واحدا فى عهد العباسيين، رغم طوله، بل كان عليهم أن يحافظوا على الحدود التى بلغها أسلافهم من الأمويين، والأدهى من ذلك أن بعض المناطق البعيدة انتزعت منهم! كما أن اللغة العربية اختفت فى عهدهم من بلاد فارس نفسها، التى كانت قد تقبلت اللغة العربية، وألّف علماؤها بها.
ماذا كان حال المعارضة السياسية؟ كان أسلوب الضرب بيد من حديد هو الأسلوب المتبع فى كل من الدولتين الأموية، والعباسية. الأولون حاربوا الخوارج حتى قضوا عليهم، وكذلك الشيعة. أما العباسيون فقد كان الشيعة هم ألد أعدائهم. ولهذا السبب استشعر العلماء المسلمون الكثير من الخوف على حياتهم، فلم يخوضوا فى السياسة، على الرغم من غزارة إنتاجهم فى مختلف مجالات الحياة، وأكاد أزعم أن المؤلفات السياسية لا تبلغ عشرة كتب معتبرة، يأتى على رأسها بالطبع «مقدمة ابن خلدون».
أما نظام القضاء، الذى كان يتصل مباشرة بمشكلات الناس، فقد كان الخليفة هو الذى يعين «قاضى القضاة» وهذا بدوره يعين القضاة الذين يتفقون مع مذهبه الفقهى، وبالطبع كان بيد الخليفة أن يعزل قاضى القضاة متى شاء!
مشكلة المسلمين أنهم لم يدركوا جيدا المساحة المفتوحة فى السياسة التى أباحها لهم القرآن الكريم، والرسول «ص» فى سنته الشريفة، وبالتالى كان عليهم أن ينشئوا النظام السياسى الذى يتمشى مع طبيعة كل عصر، وكانت أكبر الأخطاء هو استغلال شعارات الدين دون العمل الحقيقى على تنزيل أحكامه على أرض الواقع، وفى حياة الناس.
ولاشك أن نظام الخلافة الذى أنشأه المسلمون قد أبرز عددا من الحكام الجيدين، بل الرائعين، لكنه فى عمومه أوقف عملية الاختيار الأفضل من بين متنافسين متكافئين، كما حدث يوم السقيفة حين جرى اختيار أبى بكر، وكما حدث عند اختيار عثمان بن عفان.
وهنا ينبغى أن يطرح سؤال: هل كانت البيعة تؤخذ برضا جميع المسلمين، وباختيارهم الحر؟ إن الواقع التاريخى يؤكد أنها لم تكن دائما كذلك، وفى أحيان كثيرة كانت تفرض على المسلمين فرضا، والذى يعترض لا مكان له إلا فى السجن أو فى القبر.
وأخيرا فإن التاريخ الحقيقى للنظام السياسى فى الدولة الإسلامية مازال يستحق المزيد من الفحص، والبحث المجرد من الهوى، وعدم التعصب، من أجل تحرير الأحكام الصادرة عليه، والتى من الممكن أن تمثل ثروة حقيقية للمسلمين فى العصر الحاضر، لكى يبتعدوا عما وقع فيها من أخطاء، ويستعينوا بما ظهر فيها من إيجابيات.
لمعلوماتك..
◄394 مليوناً عدد الشيعة فى العالم حسب إحصائية أجراها أحد المراكز البحثية الشيعية فى إيران عام 2000
موضوعات متعلقة..
◄ الإسلام فى مصر وسطى لا وهابى ولا شيعى
◄ "الاجتهاد العقلى" الفريضة الغائبة فى أدبيات السلفيين ورجال الأزهر..والوسيلة الأقرب لاتهام المجددين بالكفر
◄ الشيعة هتفوا فى لندن ضد مبارك وطالبوا بالإفراج عن العلامة والمرجع الشيعى حسن شحاتة
الإعلام ساحة الصراع المذهبى بين السنة والشيعة فى مصر
◄ حرب الشيعة والسلفيين للسيطرة على فكر الأزهر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.