طالعت باهتمام بالغ دراسة قانونية قيمة كتبها المستشار الدكتور وليد العزبي عن أهم أحداث الساعة حول مضيق هرمز في حدود السيادة وحرية الملاحة الدولية، وهل من حق إيران فرض رسوم مرور على هذا المضيق المتنازع عليه، والذي أصبح مركزا للصراع والتوتر وتهديدات ترامب؟ ومن أجمل ما تطرق إليه المستشار الدكتور وليد العزبي تلك المقارنة التاريخية الرائعة بين سيادة إيران على مضيق هرمز والتي وصفها "بالمنقوصة"، وبين قناة السويس بوصفها مصدرا للحق والسيادة، ولمصر كامل شرعيتها في إدارتها وتنظيمها بلا منازع.. في عالمٍ تُرسم خرائطه بالجغرافيا، وتُضبط موازينه بالقانون، تظل الممرات البحرية من أبرز نقاط التماس بين السيادة الوطنية ومتطلبات النظام الدولي. فهي ليست مجرد مسارات للملاحة، بل مفاتيح للقوة والنفوذ، وأحيانًا بؤرًا للتوتر ومن هذا المنطلق، يثور تساؤل يتردد كثيرًا في الخطاب السياسي: هل يجوز لإيران، بوصفها دولة مشاطئة لمضيق هرمز، أن تفرض رسومًا على مرور السفن، على غرار ما تفرضه مصر في قناة السويس؟ الإجابة، في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها ترتبط ببنية قانونية معقدة تميز بين نوعين من الممرات البحرية، لكلٍ منهما نظامه الخاص. أولًا: قناة السويس، السيادة بوصفها مصدرًا للحق.. تعد قناة السويس ممرًا مائيًا صناعيًا يقع بالكامل داخل الإقليم المصري، ومن ثم يخضع لسيادة الدولة الكاملة، وهي سيادة تخولها وفقًا للقواعد العامة في القانون الدولي تنظيم الانتفاع بالمرافق العامة وفرض رسوم مقابل استخدامها. وقد كرّست اتفاقية القسطنطينية هذا الوضع، حيث ضمنت حرية الملاحة في القناة، دون أن تنفي حق الدولة في إدارتها وتنظيمها وفرض رسوم عبور في إطار سيادتها.. ومن ثم، فإن الرسوم المفروضة على السفن العابرة لا تمثل انتقاصًا من حرية الملاحة، بل تعبيرًا مشروعًا عن سلطة الدولة على مرفق يقع داخل إقليمها. ثانيًا: مضيق هرمز سيادة مقيدة بوظيفة دولية على خلاف ذلك، حيث يُعد مضيق هرمز مضيقًا دوليًا طبيعيًا يربط بين الخليج العربي وبحر عمان، ويخضع لنظام قانوني خاص نظمته اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار. فوفقًا للمواد (37) و(38)، يتمتع هذا النوع من المضايق بنظام المرور العابر، الذي يضمن لجميع السفن حق المرور المستمر والسريع دون عرقلة. كما تُلزم المادة (44) الدول المشاطئة بعدم تعطيل هذا المرور أو تعليقه وهنا يتجلى التكييف القانوني الدقيق: السيادة في المضايق الدولية لا تنتفي، لكنها تُقيد بقيود وظيفية تفرضها ضرورة ضمان حرية الملاحة الدولية. ثالثًا: القضاء الدولي وتكريس حرية الملاحة، لم تظل هذه القواعد حبيسة النصوص، بل أكدها القضاء الدولي في سوابق راسخة ففي قضية مضيق كورفو، أقرت محكمة العدل الدولية أن المرور في المضايق المستخدمة للملاحة الدولية يُعد حقًا للمجتمع الدولي، وليس امتيازًا تمنحه الدولة الساحلية كما عززت المحكمة هذا الاتجاه في قضية نيكاراغوا ضد الولاياتالمتحدة، حين أكدت أن حرية الملاحة تُعد من المبادئ العرفية المستقرة في القانون الدولي. رابعًا: حدود فرض الرسوم بين المشروع والمحظور.. ففي ضوء ما سبق، يتضح التمييز الحاسم في القنوات الصناعية: يجوز فرض رسوم على المرور، تأسيسًا على السيادة إقليمية في المضايق الدولية.. ولا يجوز فرض رسوم على حق المرور ذاته، باعتباره حقًا دوليًا مكفولًاومع ذلك، يجوز للدولة المشاطئة تقاضي مقابل خدمات فعلية كالإرشاد الملاحي بشرط ألا تكون هذه الخدمات إلزامية، أو معرقلة للمرور، أو وسيلة غير مباشرة لفرض قيود مالية. خامسًا: التكييف القانوني لأي محاولة إيرانية إنطلاقًا من هذا الإطار، فإن أي محاولة لفرض رسوم إلزامية على المرور في مضيق هرمز تُعد مخالفة لأحكام اتفاقية الأممالمتحدة لقانون البحار وانتهاكًا لقاعدة عرفية مستقرة وقد تُرتب مسؤولية دولية، وقد تُفضي بحسب الظروف إلى توترات تمس السلم والأمن الدوليين. خواطر المستشار محمد الديب خطبة العيد الجدلية.. والشيخ أحمد تركي يرد! ليست كل الممرات البحرية سواء، ولا كل المواقع الاستراتيجية تمنح ذات الامتيازات القانونية فقناة السويس تمثل سيادة كاملة على مرفق صناعي، بينما يمثل مضيق هرمز نموذجًا لسيادة مقيدة بقواعد دولية صارمة، وعليه فإن إيران لا تملك في ضوء قواعد القانون الدولي فرض رسوم على المرور في المضيق، وأي محاولة في هذا الاتجاه لن تكون مجرد سياسة اقتصادية، بل خروجًا على الإطار القانوني الدولي المنظم لحرية الملاحة.