لم يكن الزمن القديم أجمل لأن أدواته كانت أفضل، بل لأن الإنسان فيه كان أوضحَ رؤيةً لنفسه ولغايته. طبليةٌ صغيرة، ولمبةُ جاز، وتعليمٌ حكومي محدود الإمكانات، وشنطةٌ من قماشٍ بسيط، ومع ذلك خرجت أجيالٌ صنعت الفكر والأدب والعلم، ورفعت اسم مصر عاليًا. واليوم تضخّمت الوسائل حتى كادت تبتلع الغايات؛ مدارس خاصة، وأجهزة ذكية، ودروس بلا عدد، لكن الحصاد في كثير من الأحيان إنسانٌ مرتبك الهوية، ضعيف اللغة، مضطرب القيم. السؤال الحقيقي إذن ليس: لماذا تغيّر الأبناء؟ بل: ماذا تغيّر في البيئة التي صنعت الإنسان؟ لقد كان التعليم قديمًا مشروعَ بناء إنسان، لا مجرد سباق درجات. المدرسة لم تكن مؤسسة خدمية تُشترى، بل كانت سلطةً تربوية تُحترم. المعلم كان قدوةً قبل أن يكون موظفًا، والأسرة شريكًا في التربية لا متفرجًا عليها.
كان الطفل يتعلم الصبر قبل المعلومة، والاحترام قبل المهارة، والانضباط قبل التفوق. أما اليوم فقد تحوّل التعليم تدريجيًا إلى سوقٍ مفتوحة؛ المعرفة فيها سلعة، والنجاح رقم، والشهادة غاية مستقلة عن الثقافة والفهم.
ثم جاء التحول الأخطر: انتقال المجتمع من ثقافة القيمة إلى ثقافة المظهر. لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل ماذا تملك؟ الهاتف صار علامة مكانة، والمدرسة عنوان طبقة، والنجاح صورة تُنشر لا جهد يُبذل. وهنا نشأ جيلٌ محاط بكل وسائل الراحة، لكنه محروم من فضيلة الكفاح التي تصنع العمق النفسي والصلابة الأخلاقية.
ولم يكن الفقر يومًا سرّ التفوق، كما يظن البعض، وإنما كانت الندرة تصنع التركيز. حين كانت مصادر المعرفة قليلة، كان العقل يتشبث بها ويغوص فيها. أما اليوم، فقد أغرقت الوفرةُ الإنسان في سطحيةٍ دائمة؛ آلاف المعلومات تمر يوميًا دون أن تستقر فكرة واحدة في الوجدان. القراءة حلّ محلها التصفح، والتأمل استبدلته السرعة، واللغة نفسها تراجعت أمام خليطٍ هجينٍ أفقد التعبير جماله وهيبته.
من هنا نفهم لماذا استطاعت مصر أن تُنجب عقولًا بحجم عباس محمود العقاد ونجيب محفوظ ومحمد حسين هيكل، وصحافةً صنعتها أقلام مثل محمد التابعي ومصطفى أمين؛ فهؤلاء لم تخلقهم المدارس وحدها، بل مناخٌ ثقافي كامل كان يحترم المعرفة ويحتفي بالمفكر لا بالمشهور. إذن لم ينضب معين الإبداع، ولم تفقد مصر مخزونها الحضاري، لكنها تمر -كما تمر الأمم الكبرى- بمرحلة كُمُون حضاري؛ لحظة يعلو فيها الضجيج على الصوت العميق، وتسبق السرعة الحكمة. الحضارات لا تموت فجأة، بل تتعب حين يختل ميزان الروح والمادة.
أما العودة إلى الزمن الجميل فلا تكون بالحنين إليه، فالزمن لا يعود، وإنما تعود قيمه إذا أردنا، يعود البيت مدرسة أخلاق قبل أن يكون فندق إقامة، وأن يستعيد المعلم مكانته الاجتماعية، وأن تصبح القراءة عادة يومية لا ترفًا نخبويًا، وأن نربّي أبناءنا على المسؤولية لا الاستهلاك، وعلى الإتقان لا الإنجاز السريع.
نحن لا نحتاج عقادًا جديدًا بقدر ما نحتاج بيئةً تسمح بولادة عقاد آخر. ولا نفتقد نجيب محفوظ، بل نفتقد الشارع الثقافي الذي كان يصنع قارئًا يفهمه. فالإبداع ابن المجتمع، فإذا صلح المناخ أزهرت العقول تلقائيًا. كيف تعود الأمة "وسطًا"؟! لهذا تقدموا! التقدم المادي ليس خطيئة، لكن الخلل يبدأ حين يكبر الخارج ويصغر الداخل. وحين تستعيد الروح مكانها إلى جوار التكنولوجيا، وحين يصبح الإنسان أهم من الأدوات التي يحملها، عندها فقط قد نكتشف أن الزمن الجميل لم يكن وراءنا.. بل ينتظر قرارنا بالعودة إلى جوهر الإنسان. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا