لم يكن سؤالًا عابرًا ذلك الذي طُرح يومًا على المفكر الكبير الدكتور محمد عمارة: لماذا تقول أمة العرب ومن ورائها الأمة الإسلامية ما لا تفعل، رغم امتلاكها مقومات القوة؟ ولماذا تعيش حالة من التفرقة والضعف وهي أمة قامت على عقيدة التوحيد ووحدة المقصد والمصير؟ كان السؤال في جوهره مرآة تعكس مأزقًا حضاريًا ممتدًا، فجاء جواب عمارة مكثفًا وصادمًا في آنٍ واحد، حين استحضر قول الله تعالى: «ولا تؤتوا السفهاء أموالكم»، ليؤكد أن أزمة الأمة لم تكن يومًا في نقص الموارد، بل في سوء إدارة الثروة والإخفاق في توظيف الإمكانات الهائلة. فإذا نظرنا إلى الخريطة الاقتصادية للعالم الإسلامي، سنجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية لافتة؛ إذ تملك هذه الأمة واحدًا من أكبر مخازن الثروة الطبيعية على سطح الأرض. ففي باطن أراضيها تكمن احتياطيات ضخمة من النفط والغاز والمعادن الاستراتيجية كالذهب والحديد والمنجنيز واليورانيوم، وعلى سطحها تمتد أنهار من أطول أنهار العالم، وأراضٍ زراعية شاسعة، تكفي لو أُحسن استغلالها لتحقيق الأمن الغذائي لمئات الملايين من البشر.
ويكفي أن نشير إلى أن دولة واحدة مثل السودان تمتلك مقومات تجعلها سلة غذاء قادرة على إطعام جزء كبير من العالم العربي والإسلامي، فضلًا عن امتداد الشواطئ البحرية التي تتيح ثروات سمكية هائلة لم تُستثمر بعد بالشكل الذي يليق بحجمها. غير أن هذه الصورة الثرية تصطدم بواقع اقتصادي مأزوم، حيث تحولت عوائد هذه الثروات إلى جزء من منظومة مالية عالمية تُعاد فيها تدوير الأموال داخل المؤسسات الغربية، لتعود إلى الدول المنتجة في صورة قروض مثقلة بالفوائد المركبة.
وهكذا تغيّر شكل الاستعمار من احتلال عسكري مباشر إلى هيمنة اقتصادية ومالية أكثر تعقيدًا، حيث أصبحت بعض الدول تموّل بصورة غير مباشرة أدوات الهيمنة عليها، في نموذج وصفه كثير من المفكرين بأنه استعمار بلا جيوش. وتتجلى خطورة هذا التحول في أن الاقتصادات المثقلة بالديون لا تنتج من أجل التنمية، بل من أجل خدمة الدين وسداد فوائده، وهو ما يؤدي إلى استنزاف الموارد وتعطيل مشروعات النهضة الحقيقية. وهنا يطرح الدكتور محمد عمارة رؤية تستلهم أحد النماذج الاقتصادية في التشريع الإسلامي، وهو نظام زكاة الركاز، الذي يقوم على تخصيص نسبة من عوائد الموارد الطبيعية لصالح المجتمع. ويستند هذا التصور إلى الحديث النبوي الشريف: «وفي الركاز الخُمس»، باعتباره قاعدة مالية يمكن أن تشكل أساسًا لصندوق تنموي ضخم يموّل مشروعات التنمية في العالم الإسلامي بعيدًا عن القروض الربوية، ويؤسس لنمو اقتصادي قائم على الموارد الذاتية.
ولا تقتصر رؤية عمارة على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البعد الحضاري الشامل؛ إذ يرى أن الأمة الإسلامية تمتلك طاقات روحية وثقافية هائلة، في وقت يشهد فيه العالم تراجعًا لعدد من الأيديولوجيات التي هيمنت على الفكر الإنساني خلال القرنين الماضيين.
وفي المقابل، تستمر القيم الحضارية الإسلامية في الانتشار والتأثير، حتى داخل المجتمعات الغربية التي تبحث عن نماذج أخلاقية تعيد التوازن بين المادة والروح. لكن المفارقة أن هذه الأمة، التي تمتلك مشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا تزال تعتمد في إدارة اقتصادها ومجتمعاتها على نماذج مستوردة لم تنشأ في سياقها الثقافي والتاريخي. إن أزمة العالم العربي والإسلامي ليست في ندرة الموارد، بل في غياب المشروع التنموي المتكامل القادر على تحويل الثروة إلى قوة، والإمكانات إلى إنجازات. كما أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك الحلول النظرية، بل في القدرة على تحويل هذه الحلول إلى سياسات واقعية ومؤسسات فعّالة، تُدار بكفاءة وشفافية، وتضع مصلحة الشعوب فوق الحسابات الضيقة. لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا تنهض بمجرد امتلاكها الثروات، بل بقدرتها على إدارة هذه الثروات ضمن رؤية حضارية واضحة. وبينما استطاعت دول قليلة الموارد أن تصنع لنفسها مكانة متقدمة عبر الاستثمار في الإنسان والمعرفة، لا تزال دول غنية بالموارد تعاني من فجوة بين ما تملكه وما تحققه. صحفي شجاع بألف برلماني وألف حزب معارض! قنطار ذهب أم قنطار مسئولية؟! ويبقى السؤال الذي طرحه الدكتور محمد عمارة حاضرًا بقوة: هل تعيد الأمة ترتيب أولوياتها، فتسترد زمام ثرواتها وتبني نموذجها التنموي المستقل؟ أم تستمر في الدوران داخل دوائر التبعية الاقتصادية التي تجعلها تمتلك مفاتيح القوة، لكنها تعيش على هامش العالم؟ هذا السؤال ليس ترفًا فكريًا، بل هو جوهر معركة المستقبل، التي ستحدد ما إذا كانت الأمة قادرة على استعادة موقعها الحضاري، أم ستظل أسيرة إمكانات معطلة تنتظر من يحسن توظيفها. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا