لم يكن ما جرى في فنزويلا مجرّد عملية عسكرية عابرة، ولا حلقة جديدة في سجلّ التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية؛ ما جرى كان لحظة كشف. لحظة انكشف فيها منطق ظلّ يعمل طويلًا خلف اللغة، واشتغل خلف القانون، وتخفّى خلف خطاب الحرية، ثم خرج دفعة واحدة إلى السطح، بلا أقنعة، وبلا مواربة. أن تُعلن قوة عظمى أسر رئيس دولة عضو في الأممالمتحدة من عاصمته، وأن تُقرن هذا الإعلان بخطة لإعادة تشغيل قطاعه النفطي وفتح حقوله أمام شركاتها، فهذا ليس حدثًا سياسيًا فقط، بل إعلان عن انتقال نوعي في منطق الحكم العالمي: من عالمٍ يُفترض أن تحكمه القواعد، إلى عالمٍ تحكمه القدرة؛ من زمن السيادة، إلى زمن التفويض بالقوة؛ من وستفاليا إلى ما يمكن تسميته -دون مبالغة- وستفاليا المعكوسة. في هذه اللحظة تحديدًا، لا تعود فنزويلا هي القضية، ولا مادورو هو العنوان، بل السؤال الأكبر: ماذا تبقّى من عالمٍ ادّعى أن العلاقات فيه تُحكم بالقانون لا بالقوة، وبالشرعية لا بالغلبة، وبالتعددية لا بالهيمنة؟ من الاستثناء إلى القاعدة: الإطار النظري لم يكن هذا التحوّل مفاجئًا لمن قرأ بنية النظام الدولي قراءةً عميقة. رأى كارل شميت أن "السيّد الحقيقي هو من يقرّر في لحظة الاستثناء"، أي أن جوهر السيادة لا يظهر في زمن القاعدة بل في لحظة تعليقها. وذهب هانز مورغنثاو إلى أن السياسة الدولية تُحكم بتوازن المصالح لا بالأخلاق المعلنة، فيما فرّقت حنّة أرندت بين القوة بوصفها فعلًا جماعيًا مشروعًا، والعنف بوصفه علامة على انهيار السياسة نفسها.
هذا المنطق يجد صداه عربيًا عند جمال حمدان، الذي ربط الجغرافيا بالقوة لا بوصفها مساحة بل شرطًا للنفوذ، وعند عبد الوهاب المسيري الذي فكّك فكرة المركز بوصفها جهازًا يعيد إنتاج هيمنته عبر الاقتصاد والثقافة والسياسة معًا. في هذا السياق، لا تبدو فنزويلا مجرد ساحة نزاع، بل نقطة تقاطع بين جغرافيا الثروة ومنطق الهيمنة. من هنا، لا يبدو ما جرى خروجًا على القاعدة، بل تعبيرًا متأخرًا عنها، القاعدة التي تقول: إن القانون يعمل ما دامت القوة ساكنة، ويتراجع كلما قررت القوة أن تتحرك. فنزويلا بلد غني محاصر فنزويلا ليست بلدًا فقيرًا؛ إنها من أغنى دول العالم بالموارد الطبيعية، وفي مقدمتها النفط. لكنها بلد أُنهك بالصراع على هذه الثروة. بلد قادر على أن يكون مزدهرًا، لكنه عالق بين سلطة مأزومة وضغط خارجي لا يرحم.
نيكولاس مادورو لم يأتِ من النخبة التقليدية، بل من النقابات والشارع، بوصفه امتدادًا لتجربة هوجو تشافيز التي رفعت شعارات السيادة والعدالة الاجتماعية. لكنه اصطدم بواقع حكم شديد القسوة: تضخّم خانق، عملة منهارة، خدمات شبه معدومة، وهجرة ملايين الفنزويليين.
غير أن اختزال المأساة في شخص مادورو وحده تبسيط مخلّ. الولاياتالمتحدة لعبت دورًا مركزيًا في خنق الاقتصاد عبر العقوبات والعزل المالي، ما حوّل الأزمة إلى حلقة مفرغة: انهيار اقتصادي، فتآكل اجتماعي، فضعف سياسي، فمزيد من التدخل الخارجي. حين يتآكل القانون ببطء من منظور القانون الدولي، تكمن خطورة ما جرى ليس فقط في الفعل، بل في كونه يخلق سابقة. ميثاق الأممالمتحدة يحظر استخدام القوة ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة، إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بتفويض صريح من مجلس الأمن. وما جرى لا يندرج بوضوح تحت أيٍّ من هذين الاستثناءين.
لكن القانون لا يعمل في الفراغ، ولا يُختبر في النصوص بل في الوقائع. والسؤال ليس فقط: هل ما جرى قانوني أم لا؟ بل: ماذا يحدث للنظام القانوني حين تتكرّر الوقائع التي تخرقه دون أن تُواجَه بكلفة؟ هنا ينتقل الخلل من مستوى الانتهاك إلى مستوى النمط. من مصدّق إلى ألليندي إلى العراق وليس ما جرى في فنزويلا معزولًا عن هذا المسار، بل يندرج ضمن نمط تاريخي تكرّر كلما تقاطعت السيادة مع مورد استراتيجي خارج السيطرة. في إيران عام 1953، أُطيح بمصدق بعدما أمّم النفط. في تشيلي عام 1973، أُطيح بألليندي لإعادة الاقتصاد إلى مدار السوق العالمي. وفي العراق عام 2003، لم يكن إسقاط النظام نهاية أزمة بل بداية هندسة دولة على مقاس الطاقة والعقود. في كل هذه الحالات لم تكن الذريعة هي العنوان الحقيقي، بل الغطاء؛ ولم يكن التغيير هو الهدف، بل إعادة الضبط. مبدأ مونرو: الجذر العميق لمنطق السيطرة هنا تكتسب الإشارة إلى مبدأ مونرو (1823) معناها الكامل. ذلك المبدأ الذي صيغ في ظاهره كتعهد أميركي بحماية أميركا اللاتينية من التدخل الأوروبي، تحوّل عبر القرنين التاليين إلى غطاء أيديولوجي لاحتكار النفوذ الأميركي في نصف الكرة الغربي. ليس ما جرى في فنزويلا خروجًا عن هذا التقليد، بل تحديث له: من "أميركا للأميركيين" إلى الموارد للأسواق، ومن الحماية إلى الإدارة، ومن الوصاية السياسية إلى الوصاية الاقتصادية. اقتصاد سياسي جديد للقوة ما يُخشى اليوم هو انتقال العالم من مرحلة التدخل إلى مرحلة الإدارة: إدارة الموارد، إدارة السياسات، إدارة الشرعيات. فنزويلا ليست الهدف النهائي، بل المختبر الأول لنموذج جديد تُدار فيه الدول الغنية بالموارد كملفات استثمار جيوسياسي. ماذا يعني هذا عربيًا؟ ما جرى في فنزويلا لا يخصّ أمريكا اللاتينية وحدها. إنه يمسّ مباشرة أمن الطاقة، وخرائط النفوذ، وحدود المغامرة العسكرية عالميًا. فكلما تعددت بدائل الإمداد، تضاءلت كلفة الحروب في مناطق أخرى، وعلى رأسها الشرق الأوسط. عبد الله أوجلان.. حين تُستعاد السياسة من أنياب القوة هرتلة في القاهرة.. مدينة تشبه ناسها وتُعاش كقدرٍ يومي في عالم كهذا، لا يصبح النفط مجرد سلعة، بل شرط قرار. ولا تصبح السيادة حقًا، بل امتيازًا. ولا يعود السؤال: من على حق؟ بل: من يملك القوة ليعرّف الحق.. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في سقوط دولة، بل في سقوط القاعدة التي كانت تحمي الجميع من السقوط. ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار ال 24 ساعة ل أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري ل أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية. تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هنا تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هنا