القاهرة الإخبارية: مئات الصواريخ تضرب إسرائيل وتربك الدفاعات    الداخلية البحرينية: إطلاق صفارات الإنذار وتطالب المواطنين بالتوجه إلى مكان آمن    دار الإفتاء: ترشيد استهلاك الكهرباء واجب وطني وديني    اليوم، انطلاق ملتقى توظيفي لتوفير 1100 فرصة عمل بفنادق وقرى مطروح السياحية    الحقيقة خلف ارتفاع أسعار النفط.. مكاسب روسيا من حرب إيران    قائد مركز التدريب المشترك للمدفعية: نصنع المقاتل بالعلم والانضباط وروح المسئولية    الشروط والمميزات، تفاصيل التقدم لمنح دراسية مجانية لطلاب الشهادة الإعدادية 2026    مصر تتحرك بثبات.. البرلمان يدين اعتداءات إيران ويؤكد التضامن مع الأشقاء    تنس الطاولة، هنا جودة تتحدث عن إنجازها التاريخي في كأس العالم    ضربة استباقية للإخوان.. يقظة الداخلية تحبط مخطط «حسم» الإرهابية    تغير المناخ يوجه تحذير: تأجيل الري والرش لحماية المحاصيل    لايف كوتش: التربية الحديثة تهدف لتمكين الأبناء واتخاذ قرارات واعية    نادية جمال: الخوف من الأهل يفرض ضغطًا نفسيًا على الأبناء    خبير علاقات أسرية: الخوف من الأب جزء من التربية الناجحة    تريند مرعب| محمد موسى يفجر مفاجأة عن واقعة خطف طفلة بالدقهلية    الأرصاد الجوية تعلن تفاصيل طقس السبت 4 أبريل    سقوط المتهمين بممارسة البلطجة بكلب شرس في البحيرة    التلفزيون السوري: انفجارات في دمشق ناتجة عن اعتراض دفاعات جوية إسرائيلية لصواريخ إيرانية    محافظ سوهاج يوجه بحملة مكبرة لتجميل المنطقة الأثرية بأخميم    فريد من نوعه ولا يمكن إيجاد بديل له، سلوت يتحسر على رحيل محمد صلاح    طارق العريان يعلن «السلم والثعبان 3» للمراهقين    12 صورة ترصد عرض "قصة الحي الغربي" بمعهد الفنون المسرحية    متحدث النواب السابق: دعم أمريكا لإسرائيل يشبه «زواج المسيار»    جيش الاحتلال يدمر جسرين في شرق لبنان    كونسيساو بعد الفوز على الحزم: انتصار صعب وطموحنا التتويج بدوري أبطال آسيا    قائد قوات شرق القناة: استصلاح 790 ألف فدان وتنفيذ 155 مشروعا تعليميا لخدمة أهالي سيناء    خبر في الجول - الأهلي يستعيد ياسين مرعي بعد تعافيه من الإصابة    إنريكي: راموس يقاتل طوال الوقت ويظهر أنني أخطئ في حقه    مابولولو وأفشة يقودان قائمة الاتحاد لمواجهة الجونة في الدوري    ضبط سائق توك توك تعدى على طالبة وحطم هاتفها المحمول بسبب "الأجرة" في سوهاج    بمشاركة حمدي فتحي.. الوكرة يقسو على قطر برباعية    "القاهرة الإخبارية": اتصال بوتين وأردوغان يدعو لتحرك دبلوماسي لاحتواء الأزمة وحماية أمن الطاقة    مسؤول سابق في الناتو: خلافات متصاعدة بين ترامب وأوروبا.. والحلف يبحث عن دور "ما بعد الحرب"    ماذا تقول اللائحة حال تعادل ليفربول والسيتي في كأس الاتحاد؟    استشاري جراحة: وجدنا شاي ناشف داخل رئة طفل بسبب وصفة منزلية    أسعار السلع التموينية في أبريل 2026 ومواعيد عمل المنافذ    فرح الموجي تفاجئ أحمد جمال بعيد ميلاده الأول بعد الزواج بحضور نجوم الغناء    التعليم العالي: دعم الابتكار الطلابي وتحويل الأفكار إلى حلول مجتمعية    وزارة التعليم تكشف حقيقة قرار تحديد الوحدات الأخيرة من المناهج للقراءة فقط    إصابة سيدة ونجلها بطلق ناري في ظروف غامضة بقنا    الأوقاف: يوم اليتيم مسئولية إنسانية ودينية تؤكد قيم التكافل وبناء المجتمع    تحديد مصدر تسرب بقعة السولار بترعة الإسماعيلية بالقليوبية وغلق الخط    مقهى يتخفى داخل محطة بنزين بالقليوبية هربا من قرارات الغلق    طلاب "من أجل مصر" بعين شمس يشاركون في ورشة "مواجهة مخططات إسقاط الدولة"    عاجل.. إصابة 10 أشخاص فى حادث انقلاب أتوبيس أثناء ذهابهم إلى حفل زفاف فى الغربية    محافظ الوادي الجديد تتابع توفر السلع الأساسية والجاهزية لموسم حصاد القمح    رئيس الطائفة الإنجيلية يشهد رسامة وتنصيب القس مينا غطاس بمُنشية ناصر بديروط    أحمد مالك أفضل ممثل، وهذه أبرز الأفلام الفائزة في ختام مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية    محافظ الإسكندرية يشهد احتفالية «أطفال بلا سرطان»    نقابة المهندسين بالإسماعيلية تبدأ أولى لقاءاتها المباشرة لتطوير منظومة مزاولة المهنة    يا منتهى كل رجاء    أوقاف كفر الشيخ تواصل عقد «مقارئ الجمهور»    بسام راضي يستقبل وفد الكنيسة المصرية بروما    الصحة: افتتاح وحدة تطعيمات بمركز الخدمات الطبية للجهات القضائية في منطقة التوفيقية بالقاهرة    الرعاية الصحية: مستشفى طيبة التخصصي قدمت 3.5 مليون خدمة طبية بالأقصر    الصحة تطلق عددا من الفعاليات احتفالا باليوم العالمي للتوعية باضطراب طيف التوحد    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    أوقاف جنوب سيناء تطلق حملة شاملة لنظافة المساجد وإزالة مياه الأمطار من الأسطح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما حكم التهادي بين المسلمين وغيرهم؟ مفتي الجمهورية يجيب
نشر في فيتو يوم 29 - 12 - 2022

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه "ما حكم التهادي بين المسلمين وغيرهم والمجاملة بينهم؟"، ومن جانبه أجاب الدكتور شوقي علام مفتي الجمهورية على هذا السؤال كالتالي:
الإسلام دينٌ كلُّه سلامٌ ورحمةٌ وبرٌّ وصلة؛ ولذلك أمر الله تعالى بالعدل والإحسان على الإطلاق، وجعل ذلك قيمة عُليا من قيم الإسلام؛ فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وأمرنا أن نقول القول الحسن للناس كلهم؛ فقال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، ولم ينهَنا عن بر غير المسلمين، ووصلهم، وإهدائهم، وقبول الهدية منهم، وغير ذلك من أشكال البر بهم؛ فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8]، فالوصل، والإهداء، والعيادة، والتهنئة لغير المسلم، كلُّ ذلك يدخل في باب الإحسان.
حكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم
ولمّا كان الأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو التعايش، كان هذا شاملًا لكافة مظاهر الأخلاق الحسنة، ومختلف أنواع العلاقات الإنسانية؛ من التكافل والتعاون، والبر والتراحم، والتهادي والمجاملة؛ أخذًا وإعطاءً، على مستوى الفرد والجماعة.
والتهادي والمُهاداة: تبادل الهدايا، والهدية في ذاتها من أعظم مظاهر البر؛ فإنها من أكثر ما يورث التآلف والصفاء، ويقطع العداوة والبغضاء، ويقع الموقع الحسن في نفوس الناس؛ حتى ذُكِر في اشتقاق لفظ "الهدية" أنها إنما سُمِّيَت بذلك لما تورثه من الهداية إلى الخير والتآلف بين الناس.
قال الإمام الماوردي في "الحاوي الكبير" (7/ 534، ط. دار الكتب العلمية): [قيل: إن الهدية مشتقة من الهداية؛ لأنه اهتُدِيَ بها إلى الخير والتآلف] اه.
وقد حكى الله تعالى عن ملكة سبأ أنها أرسلت هدية إلى سيدنا سليمان عليه السلام؛ لعلمها بحسن موقعها، فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35].
قال قتادة: "رحمها الله؛ إن كانت لعاقلة في إسلامها وشركها؛ قد علمت أن الهدية تقع موقعًا من الناس" أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره".
تبادل الهدايا بين المسلمين وغير المسلمين
وإذا كان هذا شأنَ الهدية في نفسها، فإن تبادلها بين الناس أبلغ في إظهار البر، وأدوم لأسباب الصلة، وأوثق لعرى التآلف، فإذا كان التهادي بين المسلمين أنفسِهم مستحبًّا مع اتفاق الدين واجتماع الكلمة، فإنه بينهم وبين غيرهم أشدُّ استحبابًا وآكد مشروعية؛ لِمَا فيه من إظهار سماحة الإسلام، وعظمة تعاليمه، ورقي أخلاقه ومبادئه، وحرصه على تأليف القلوب.
وقد حث النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على التهادي بين جميع الناس، من غير تفرقة بين المسلم وغيره:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَهَادَوْا؛ فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغَرَ الصَّدْرِ» أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي في "المسند"، والترمذي في "السنن".
وعنه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «تَهادَوْا تَحابُّوا» أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو يعلى في "المسند"، والطبراني في "الأوسط" والبيهقي في "السنن".
وقال العلامة الأمير الصنعاني في "التنوير شرح الجامع الصغير" (1/ 381، ط. مكتبة دار السلام): [وذلك لأنه يحصل بها ما يريده الله تعالى من ألفة القلوب وميل بعضها إلى بعض] اه، وقال (5/ 101): [وذلك لأن الهدية خلق كريم وسنة حثت عليها الرسل واستحسنتها العقول تتألف بها القلوب وتذهب شحائن الصدور] اه.
كما تواردت النصوص من القرآن والسنة النبوية على استحباب التهادي بين المسلمين وغير المسلمين:
فأما من القرآن الكريم: فقد أمر الله بالبر بغير المسلمين ممن لم يعتدوا، والهدية من البر بهم؛ فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].
قال العلامة الكوراني في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (5/ 241، ط. دار إحياء التراث العربي): [وموضع الدلالة قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾؛ فإن البر يشمل الهدية وغيرها] اه.
أدلة جواز تبادل الهدايا بين المسلمين وغيرهم
وأما من السنة النبوية الشريفة
فقد تواردت النصوص على قبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدايا من غير المسلمين، وأمره بقبولها، ومجازاتهم عليها، وعلى إهدائه لهم صلى الله عليه وآله وسلم.
فأما قبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهديةَ من غير المسلمين: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه: "أَنَّ أُكَيْدِرَ دُومَةَ -من نصارى العرب- أَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم جُبَّةَ سُنْدُسٍ" متفق عليه.
وعنه أيضًا رضي الله عنه: "أَنَّ مَلِكَ ذِي يَزَنَ أَهْدَى إِلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم حُلَّةً أَخَذَهَا بِثَلاثَةٍ وَثَلاثِينَ بَعِيرًا أَوْ ثَلاثٍ وَثَلاثِينَ نَاقَةً فَقَبِلَه" رواه أبو داود في "السنن".
وعن علي رضي الله عنه قال: "أَهْدَى كِسْرَى لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فَقَبِلَ مِنْهُ، وَأَهْدَى لَهُ قَيْصَرُ فَقَبِلَ مِنْهُ، وَأَهْدَتْ لَهُ الْمُلُوكُ فَقَبِلَ مِنْهُمْ" رواه أحمد والترمذي وحسَّنه.
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «أهدى صاحب الإسكندرية المقوقس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مُكْحُلةَ عيدان شامية، ومرآة، ومشطًا» أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط".
وعن حنظلة بن الربيع الكاتب، قال: "أهدى المقوقس ملك القبط إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم هدية، وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ، فقبلها صلى الله عليه وآله وسلم" أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف"، وابن زنجويه في "الأموال"، والطبراني في "المعجم الكبير".
وأما أمْرُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقبول الهدية من غير المسلمين: فعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: "قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ أَسْعَدَ مِنْ بَنِى مَالِكِ بْنِ حَسَلٍ عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ ابْنَةِ أَبِي بَكْرٍ بِهَدَايَا؛ ضِبَابٍ وأَقِطٍ وَسَمْنٍ وهي مُشْرِكَةٌ فَأَبَتْ أَسْمَاءُ أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَتُدْخِلَهَا بَيْتَهَا، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَهَا وَأَنْ تُدْخِلَهَا بَيْتَهَا" رواه الإمام أحمد في "مسنده".
تهادي النبي مع غير المسلمين
وأما تهادي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع غير المسلمين: فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها" أخرجه البخاري في "الصحيح".
وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، قال: "جاء رسولُ ابنِ العَلْمَاءِ، صاحبِ أَيْلَةَ، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكتابٍ، وأهدى له بغلة بيضاء، فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأهدى له بُردًا" رواه البخاري ومسلم واللفظ له في "الصحيح".
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: مرَّ عمر بن الخطاب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على يهودي، وعلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصان، فقال اليهودي: يا أبا القاسم اكسُني، فخلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم أفضلَ القميصين فكساه، فقلت: يا رسول الله، لو كسوته الذي هو دون!، فقال: «لَيْسَ تَدْرِي يَا عُمَرُ أَنَّ دِينَنَا الْحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ لَا شُحَّ فِيهَا! وَكَسَوْتُهُ أَفْضَلَ الْقَمِيصَيْنِ لِيَكُونَ أَرْغَبَ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ» أخرجه الحافظ أبو نعيم في "حلية الأولياء".
إهداء الصحابة الهدايا لغير المسلمين
كما تواترت النصوص في إهداء الصحابة رضي الله عنهم الهدايا لغير المسلمين:
فروى الإمام البخاري في "صحيحه"، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أهدى حُلَّةً لأخٍ له مشركٍ، كان قد أهداها له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقال العلامة بدر الدين العيني في "عمدة القاري" (13/ 173، ط. دار إحياء التراث العربي): [فدل ذلك على جواز الإهداء للرحم من المشركين] اه.
وعن مجاهد: أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، ذبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: أهديتم لجارنا اليهودي؟ أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو داود الترمذي في "السنن" وحسنه. وأخرجه الخرائطي في "مكارم الأخلاق" بلفظ: "يا غلامُ! إذا سلختَ فابدأ بجارنا اليهوديِّ" حتى قال ذلك مرارًا.
وأخرج الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (15/ 444، ط. دار الغرب الإسلامي، بيروت) بسنده أن النعمان بن المرزبان، أَبُو ثابت أهدى لعلي بن أبي طالب عليه السلام الفالوذج في يوم النيروز، فقال: "نَوْرِزُونَا كُلَّ يَوْمٍ"، وقيل: كان ذلك في المهرجان، فقال: "مَهْرِجُونَا كل يوم".
وذكر هذا الأثرَ جمعٌ من الأئمة والعلماء في كتبهم، محتجِّين به؛ كالعلامة أبي زكريا السلماسي في "منازل الأئمة الأربعة" (ص: 164، ط. مكتبة الملك فهد الوطنية)، والشيخ جار الله الزمخشري في "ربيع الأبرار ونصوص الأخيار" (1/ 40، ط. مؤسسة الأعلمي، بيروت)، والإمام أبي الفرج ابن الجوزي في "صيد الخاطر" (ص 41، ط. دار القلم، دمشق)، والعلامة المؤرخ ابن خلكان الإربلي في "وفيات الأعيان" (5/ 405، ط. دار صادر، بيروت)، والحافظ المزي في "تهذيب الكمال" (29/ 423، ط. مؤسسة الرسالة، بيروت)، والحافظ الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (6/ 395، ط. مؤسسة الرسالة)، والإمام بدر الدين العيني في "مغاني الأخيار" (3/ 121، ط. دار الكتب العلمية، بيروت)، والشيخ تقي الدين الغزي في "الطبقات السنية في تراجم الحنفية"، والإمام أبي العون السفاريني الحنبلي في "غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب" (2/ 134، ط. مؤسسة قرطبة، مصر)، والشيخ محمد عبد الحي الكتاني في "الترتيب الإدارية" (2/ 104، ط. دار الأرقم، بيروت).
هل يجوز التهادي بين المسلمين وغير المسلمين
وقد فهم علماء الإسلام من هذه الأحاديث والآثار وغيرها أن التهادي بين المسلمين وغير المسلمين مستحبٌّ من جهتين: فهي من باب الإحسان، وهي من سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
قال الإمام السرخسي في "شرح السير الكبير" (1/ 96-97، ط. الشرقية): [صلة الرحم محمود عند كل عاقل وفي كل دين، والإهداء إلى الغير من مكارم الأخلاق، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاق»، فعرفنا أن ذلك حسنٌ في حق المسلمين والمشركين جميعًا] اه.
ومن أوضح الأدلة وآكدها على مشروعية التهادي واستحباب تبادل الهدايا: أن الشرع الشريف قد أمر برد التحية بأحسن منها إن لم يكن بمثلها، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]، فلما أجاز الشرع للمسلم قَبولَ هدية غير المسلم، كان ذلك مستلزمًا في المقابل مشروعيةَ رد المسلم له ما يكافئ هديتَه؛ على سبيل المجازاة والعدل، أو استحباب إهدائه هديةً أحسن من هديته؛ على سبيل الإحسان والفضل.
قال الإمام السمرقندي في تفسيره "بحر العلوم" (1/ 373، ط. دار الكتب العلمية): [يعني: إذا أُهدِيَ إليكم بهدية، فكافئوا بأفضلَ منها أو مثلها، وهذا التأويل ذُكِر عن أبي حنيفة] اه.
ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].
وإذا كان غير المسلم متدينًا بدين يأمره برد الإحسان بالإحسان، ومقابلة البر بالبر، وتلقي العطاء بالعطاء، فإن الإسلام لا يزيد ذلك إلا خلقًا وسماحةً وكرمًا؛ فإذا كان للمسلم حقٌّ في أن تُردَّ تحيتُه، وتُجازَى هديتُه، فإن حقَّ غير المسلم أوجب، ومقابلة إحسانه آكد، ورد هديته أدعى. كما سبق عن ابن عمر رضي الله عنهما في تقديم حق جواره على غيره، والبدء به قبل الجار المسلم، وكما ذكره الفقهاء في مشروعية رد السلام عليه إذا سَلَّم على المسلم، وفي زيادة إثم من ظلمه على إثم من ظلم مسلمًا؛ لمكان ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وذمة دين الإسلام.
حكم تهنئة الأقباط بأعياد الميلاد، الإفتاء تحسم جدل تريند مواقع التواصل
برسالة خاصة، شيخ الأزهر يهنئ المسيحيين في العالم بأعياد الميلاد
وبناءً على ذلك: فالأصل في العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو التعايش والتكامل والتعارف والتعاون، والإسلام هو دين السلام والرحمة والبر والصلة، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الخلق كافة، والتهادي بين الناس هو من أعظم مظاهر الإحسان والبر، ومن أكثر ما يورث التآلف والصفاء، فهو مستحب على وجه العموم؛ لا فرق في ذلك بين مسلم وغير مسلم، بل هو في حق غير المسلم آكد استحبابًا وأشد مشروعية؛ من جهة أنه إحسان للإنسان، وأنه من السنة، وقد ثبت ذلك بالنصوص الشرعية من القرآن الكريم في التعامل بالبر والصلة.
ورد التحية بالتحية، ومقابلة الهدية بالهدية، ومجازاة الإحسان بالإحسان، وفي السنة النبوية الشريفة من الأمر بمكافأة صاحب الهدية، وقبول النبي صلى الله عليه وآله وسلم الهدايا من غير المسلمين، وأمره بذلك، وإثابتهم عليها، واشتهر ذلك من فعل الصحابة رضي الله عنهم؛ حتى كانوا يقدمون حق غير المسلم في الجوار ويبدأون به، ونص الفقهاء على عظم حق غير المسلم، وأنه ظلمه أشد جرمًا، ونص جماعة منهم على مشروعية رد السلام عليهم، فيُستَحبُّ التهادي وتُشرَع المجاملات الحسنة في الأعياد والأفراح والمناسبات بين المسلمين وغيرهم؛ لما في ذلك من إرساء روابط التَّآخي والتَّآلف، وبث روح الوطنية والتَّكاتف.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.