وكيل تعليم بني سويف: المدرسة الدولية الجديدة تستهدف تقديم نموذج تعليمي دولي متميز بأسعار مناسبة    نبيل الكوكي يرحل عن المصري رسميًا بعد اعتذاره عن عدم استكمال مهمته الفنية    كشف ملابسات ضرب طفلة واستغلالها في التسول بالإسكندرية    اوبريت الليلة الكبيرة يواصل فعالياته لليوم الثانى فى أسيوط    وصول 9 أوناش رصيف عملاقة وساحة إلى المحطة متعددة الأغراض بميناء سفاجا    إغلاق مضيق هرمز يصعد أزمة نقص إمدادات الغاز الطبيعي المسال عالميا    الأوقاف الأردنية: إغلاق الأقصى لأكثر من 40 يوما جريمة تاريخية لم يشهدها المسجد منذ قرون    منذ بداية عدوانه الموسع في 2 مارس.. جيش الاحتلال يقصف جسرا سابعا فوق نهر الليطاني في لبنان    قبل انتهاء مهلة ترامب لإيران.. هل يشهد ثلاثاء الحسم اتفاق سلام أم دمار شامل؟    منطقة كفر الشيخ الأزهرية تعلن فتح باب التقدم لمد الخدمة للمعلمين "فوق السن" لعام 2026/ 2027    بعثة الزمالك تصل الجزائر استعدادا لمواجهة بلوزداد    "آي صاغة": الذهب أقل من قيمته العادلة في السوق المصري    فيديو.. الأرصاد تكشف أماكن سقوط الأمطار اليوم.. وتحذر: قد تصبح رعدية ببعض المناطق    ضبط القائم على إدارة صفحات تروج لبيع منتجات غذائية ومستحضرات تجميل مجهولة المصدر    ضبط 3 عناصر جنائية غسلوا 180 مليون جنيه متحصلة من تجارة الأسلحة بقنا    «التضامن» تطلق أول برنامج تدريبي لإعداد مدربي الرائدات الاجتماعيات ضمن مشروع تعزيز القدرات    أنشطة متنوعة بثقافة العريش والمساعيد لتعزيز القيم ودعم المواهب الفنية    الأوقاف: يوم الصحة العالمي دعوة للحفاظ على نعمة الجسد وترسيخ ثقافة الوعي    السياحة تنظم رحلات تعريفية لصحفيين ووكلاء سياحيين بالتعاون مع منظمي رحلات دوليين    محافظ الغربية: رفع أكثر من 300 طن قمامة بمركز ومدينة قطور    عاجل- وزير الدفاع الأمريكي يكشف تفاصيل عملية إنقاذ طيار إف-15 أسقطته إيران    القنصلية الفرنسية بالإسكندرية تحتفي بتولي المحافظ مهام منصبه وتبحث آفاق التعاون    اكتشاف حقل غاز جديد في مصر باحتياطيات تريليوني قدم مكعبة    رسميًا.. مانشستر يونايتد يعلن تجديد عقد هاري ماجواير حتى 2027    طلب إحاطة بشأن انخفاض بدلات العدوى والمخاطر للأطقم الطبية وهيئة الإسعاف    عبداللطيف يواجه مافيا الدولار، التعليم تُنهي فوضى اعتماد الدبلومة الأمريكية وتطرد السماسرة    الأكاديمية العربية تحصد المركز الأول على مستوى الجامعات المصرية في تصنيف سيماجو 2026    هدوء فى سوق الدواجن بالإسماعيلية وسط وفرة المعروض    للتأكد من النظافة وإزالة الإشغالات، محافظ الأقصر يقود جولة ميدانية صباحية بالشوارع    المشدد 6 سنوات وغرامة 100 ألف جنيه لعاطل بتهمة الاتجار فى المخدرات بسوهاج    تحقيقات لكشف ملابسات العثور على جثة شاب بمنشأة القناطر    شبورة ونشاط رياح وأمطار.. الأرصاد تكشف حالة الطقس من الأربعاء حتى الأحد    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تبحث مع سفير التشيك مجالات التعاون المشترك    «الري» توضح كيفية التعامل مع مياه الأمطار واستغلالها بشكل مفيد    سموحة يواجه إنبي في صدام متكافئ بالدوري المصري    فاروق حسني ينعي زينب السجيني: أثرت الحركة الفنية التشكيلية بإبداعاتها    65 فيلما من 33 دولة في الدورة العاشرة لمهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة    دعوات بالشفاء ل عبدالرحمن أبو زهرة بعد تدهور حالته الصحية    أيقونة العفة وسيدة نساء العالمين، ملتقى المرأة بالجامع الأزهر يستعرض سيرة السيدة "مريم"    دمياط تحتضن التصفيات الأولية للنسخة ال33 من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    وفاة والد المؤلف محمود حمدان    أليجري يرد على أنباء توليه تدريب ريال مدريد    إجراء أول جراحة مخ وأعصاب لرضيعة عمرها 4 أيام بمستشفى شربين بالدقهلية    تاج الدين: مصر تشهد طفرة كبيرة في منظومة الصحة    في اليوم العالمي للصحة.. كيف تؤثر التغيرات المناخية على صحة القلب؟    قائمة منتخب كرة اليد 2008 استعدادًا للبحر المتوسط..والبعثة تغادر 12أبريل    نقيب الإعلاميين ينعى والد محمد إبراهيم رئيس التلفزيون    انطلاق فعاليات المؤتمر الطلابي الأول لكلية الآداب بجامعة قنا    يوسف الشريف يكشف أسرار "شابوه" ويستعرض تفاصيل "فن الحرب"    درة: حزنت على وفاة والدي وتعرضت للإجهاض مرتين    وزير «الخارجية» يبحث جهود خفض التصعيد واحتواء الموقف العسكري بالمنطقة    نائب وزير الصحة تعقد الاجتماع التنسيقي الأول لتطوير الرعاية الصحية الأولية    إعلام إيراني: دوي انفجارات في يزد وسط إيران    مختار جمعة: المساواة أمام القانون في عهد السيسي واقع ملموس لا مجرد شعارات    صفقة القرن، ليفربول يقدم عرضا خياليا للتعاقد مع فينيسيوس جونيور    إبراهيم حسن: زيزو لاعب «مصنوع» وانتقاله إلى الأهلى لم يكن متوقعا    ما حكم من يوصي بمنع ابنه من حضور غسله وجنازته؟ أمين الفتوى يجيب    أين تقف المرأة خلف الرجل في الصلاة؟.. تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما حكم غسيل الأموال وعقوبته في الإسلام؟ الإفتاء تجيب
نشر في فيتو يوم 13 - 05 - 2022

ورد سؤال إلى دار الإفتاء يقول فيه صاحبه"ما حكم غسيل الأموال؟ وما هي عقوبته في الإسلام؟ وهل تداول الأموال في أوجه معتبرة شرعًا يرفع عن صاحبها إثم اكتسابها من محرم؟"، وجاء رد الدار على هذا السؤال كالتالي:
غسيل الأموال مصطلحٌ اقتصادي، يُقصَدُ به: كل عمل تتم فيه إعادة تدوير الأموال الناتجة عن الأعمال غير المشروعة في مجالات استثمارية شرعية لإخفاء حقيقتها ومصدرها الحقيقي؛ وذلك لمنحها الصفة القانونية؛ تهربًا من المسائلة عن مصدر المال.
تجرم غسيل الأموال
وغسيل الأموال جريمة اقتصادية حديثة تدخل ضمن الجرائم المنظمة؛ كجرائم الإرهاب، وتهريب الأسلحة والمخدرات، والآثار، والقمار، والسرقة، والخطف، والفساد السياسي، وغيرها.
وقد عرفته "اتفاقية الأمم المتحدة في فيينا"، و"اتفاقية باليرمو" بأنه: "الإخفاء أو التمويه للطبيعة الحقيقية للأموال، ومنشئها، وموقعها، ووجه التصرف بها، وحركتها، والحقوق فيها أو ملكيتها، مع العلم بأنها ناجمة عن جريمة أو عن مشاركة في ارتكاب جريمة"؛ كما في "الدليل الاسترشادي بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب" (ص: 2، ط. مركز معلومات قراء الشرق الأوسط).
وعرَّفه الُمشرِّع المصري بأنه: "كل سلوك ينطوي على اكتساب أموالٍ، أو حيازتها، أو التصرف فيها، أو إدارتها، أو حفظها، أو استبدالها، أو إيداعها، أو ضمانها، أو استثمارها، أو نقلها، أو تحويلها، أو التلاعب في قيمتها، إذا كانت متحصلة من جريمة من جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمواد المخدرة، وجلبها وتصديرها والاتجار فيها، وجرائم اختطاف وسائل النقل واحتجاز الأشخاص، وجرائم استيراد الأسلحة والذخائر والمفرقعات والاتجار فيها وصنعها بغير ترخيص، والجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات، وجرائم سرقة الأموال أو اغتصابها، وجرائم الفجور والدعارة، والجرائم الواقعة على الآثار، والجرائم البيئية المتعلقة بالمواد والنفايات الخطيرة
والجرائم المنظمة التي يُشار إليها في الاتفاقات الدولية التي تكون مصر طرفًا فيها -سواء وقعت جريمة غسل الأموال في الداخل أو الخارج بشرط أن يكون معاقبًا عليها في كلا القانونين المصري والأجنبي- متى كان القصد من هذا السلوك إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه، أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك، أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها المال؛ كما هو منصوص عليه في القانون رقم80/ 2002م ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 951 لسنة 2003م، بشأن مكافحة غسل الأموال في مصر طبقًا لما نصت عليها المادة الأولى فقرة (ب).
أخطار غسيل الأموال
وجريمة غسيل الأموال من أكبر الجرائم تأثيرًا على المجتمع: اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا؛ حيث تسبب ضررًا على الدخل القومي، وتدهورًا للاقتصاد الوطني، وتشويهًا للعمليات التجارية، وارتفاعًا لُمعدّل السيولة المحليّة بما لا يتوافق مع كميّات الإنتاج، وإضعافًا لروح المنافسة بين التجار، إلى غير ذلك من الآثار السيئة والعواقب الوخيمة.
وهذه الجريمة تمر بأكثر من مرحلة للتهرب من المساءلة القانونية وتضليل الجهات الأمنية والأجهزة الرقابية:
فهناك مرحلة الإيداع؛ وهي الطريقة التي يتمّ بها التخلّص من الأموال غير الشرعية من خلال توظيفها بأساليب شرعية مختلفة، مثل: إيداعها في البنك، أو أحد المؤسسات المالية، أو تحويلها إلى عملة أجنبية.
وهناك مرحلة التمويه وإخفاء الجريمة؛ وهي القيام بعدة عمليّات مصرفيّة من أجل التصرّف في الأموال وإخفاء مصدرها؛ كتحويلها إلكترونيًّا، أو تحويلها من بنكٍ إلى آخر.
وهناك مرحلة دمج الأموال وإدخالها في العمليات الاقتصاديّة والمصرفيّة؛ وتعدُّ آخر مرحلة في عمليّة غسيل الأموال، بحيث يتمّ إضافة الطابع الشرعي والقانوني عليها؛ كتأسيس الشركات الوهميّة، أو القروض المزيفة، ونحو ذلك.
أسباب حرمة غسيل الأموال
وعلى ذلك فغسيل الأموال يشتمل على محظورين شرعيين:
الأول: تعمد اكتساب المال بطريقة محرمة شرعًا، مُجَرَّمة قانونًا، وذلك مما شدد الشرع الشريف على حرمته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 188]، وعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، بَيْنَكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّ الشَّاهِدَ عَسَى أَنْ يُبَلِّغَ مَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ مِنْهُ» متفق عليه.
الثاني: تعمد إدخال المال المكتسب من الحرام في مشاريع استثمارية، أو أعمال لها صفة قانونية، بهدف التهرب من المساءلة القانونية عن مصدر اكتسابه، وهذا حرام أيضًا؛ لأنه لم يصبح ملكًا حقيقًّا لمن يحوزه، حتى يحق له التصرف فيه بالبيع، أو بالشراء أو الاستثمار، أو بأي صورة من صور المعاملات المالية الجائزة، وقد نص الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلم التصرف فيما لا يملكه، وأن ما لا يصح ملكه لا يصح بيعه أو التصرف فيه، بل يجب رده إلى صاحبه.
قال العلامة المرغيناني الحنفي في "الهداية" (4/ 301، ط. دار إحياء التراث العربي): [قال: ومن غصب أرضًا فغرس فيها، أو بنى، قيل له: اقلع البناء والغرس وردها؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «وَلَيْسَ لِعِرْقِ ظَالِمٍ حَقٌّ»] اه.
وقال العلامة ابن رشد المالكي في "المقدمات الممهدات" (2/ 62، ط. دار الغرب الإسلامي): [والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين (أحدهما) ما لا يصح ملكه. (والثاني) ما يصح ملكه؛ فأما ما لا يصح ملكه، فلا يجوز بيعه بإجماع] اه.
وجاء في "البيان في مذهب الإمام الشافعي" (7/ 22، ط. دار المنهاج): [وإن غصب شيئًا فغيره عن صفته، بأن كان حنطة فطحنها، أو دقيقًا فخبزه، أو شاة فذبحها.. فإن ملك المغصوب منه لا يزول عنه، ويلزم الغاصب أن يرده ناقصًا وما نقص من قيمته] اه.
كما أنه قد تقرر في قواعد الشرع أن ما بني على حرام فهو حرام، وما بني على باطل فهو باطل، وكل ما بطل سببه فهو باطل، فإذا كان المال محرمًا، حرم كل ما استخدم فيه من أعمال.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (30/ 250، ط. دار المعرفة): [لو كان الاكتساب حرامًا لكان المال الحاصل به حرام التناول؛ لأن ما يتطرق إليه بارتكاب الحرام يكون حرامًا] اه.
وقال الإمام ابن حزم في "الإحكام في أصول الأحكام" (3/ 62، ط. دار الآفاق الجديدة): [كل ما لا يتوصل إليه إلا بعمل حرام فهو حرام أبدًا، وكل شيء بطل سببه الذي لا يكون إلا به فهو باطل أبدا] اه.
وعلى ذلك: فإن التحايل على الشرع والقانون باستخدام الأموال المكتسبة من محرم في أوجه مشروعة يزيد صاحبها إثمًا وجرمًا، ولا يرفع عنه المساءلة الشرعية ولا القانونية.
كما أن في هذه التسمية ذاتها تدليسًا وتلبيسًا؛ إذ هي تسميةٌ للأشياء بغير أسمائها التي تدل عليها؛ فالغسل كلمة عربية تدل على التطهير والنظافة، وتطهير المال إنَّما يكون بإخراج الحقوق فيه؛ من زكاةٍ، وصدقةٍ، ونفقةٍ، وغيرها مما يزيده نماءً وبركة؛ قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 102].
حكم تبييض الأموال
أما ما يطلق عليه غسيل الأموال أو تبييضها فلا علاقة له بتطهير المال، وتغيير الاسم لا يغير حقيقة المسمى ولا يزيل حكمه؛ لأن العبرة في الأحكام بالمسميات لا بالأسماء.
قال العلامة الطاهر بن عاشور في "مقاصد الشريعة الإسلامية" (3/ 309، ط. أوقاف قطر): [الأسماء الشرعية إنما تعتبر باعتبار مطابقتها للمعاني الملحوظة شرعًا في مسميّاتها عند وضع المصطلحات الشرعية، فإذا تغير المسمَّى: لم يكن لوجود الاسم اعتبار] اه.
وقد سبق التشريع الإسلامي جميع القوانين الوضعية في تحريم الحيل التي يحاول أصحابها إبداء الشيء المحرم في صورة المباح المشروع؛ تهربًا من العقوبة.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» أخرجه ابن بطة في "إبطال الحِيل"، وقال الحافظ ابن كثير: "إسناده جيد".
قال الإمام ابن قدامة في "المغني" (4/ 43، ط. مكتبة القاهرة): [والحيل كلها محرمة، غير جائزة في شيء من الدين، وهو أن يظهر عقدًا مباحًا يريد به محرمًا، مخادعة وتوسلًا إلى فعل ما حرم الله، واستباحة محظوراته، أو إسقاط واجب، أو دفع حق] اه.
وبين الإمام الشاطبي حقيقة الحيل المحرمة في "الموافقات" (5/ 187، ط. دار ابن عفان): فقال: [هي تقديم عمل ظاهر الجواز لإبطال حكم شرعي، وتحويله في الظاهر إلى حكمٍ آخر] اه.
ومن الأمثلة على تحريم الحيل لتجاوز حدود الله تعالى من السنة النبوية: نصه صلى الله عليه وآله وسلم على حرمة التحايل على تحريم الميتة، بإذابة زيوتها أو شحومها لاستخدامها أو بيعها، وكذلك تغيير اسم الخمر إلى أسماء أخرى لاستحلالها.
فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها تطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شُحُومَهَا جَمَلُوهَا، ثُمَّ بَاعُوهُ وَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» متفق عليه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بلغ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّ فلانًا باع خمرًا، فقال: قاتل الله فلانًا، ألم يعلم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا» متفق عليه. أي: أذابُوهَا بالنار ليزول عنها اسم الشحم.
قال الإمام الخطابي في "معالم السنن" (3/ 133، ط. المطبعة العلمية): [وفي هذا بيان بطلان كل حيلة يحتال بها توصل إلى مُحَرَّم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه] اه.
وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يَكْفَأُ النَّاسُ الدِّينَ كَمَا يُكْفَأُ الْإِنَاءُ: فِي الْخَمْرِ؛ يَشْرَبُونَهَا وَيُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا» رواه الدارمي في "السنن"، وابن بشران في "الأمالي" واللفظ له، ولفظ الدارمي: «يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا».
قال العلامة الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح" (8/ 3375، ط. دار الفكر): [قال الطيبي: "والمعنى: أن أول ما يشرب من المحرمات ويجترأ على شربه في الإسلام كما يشرب الماء ويجترأ عليه الخمر، ويؤولون في تحليلها بأن يسمونها بغير اسمها: كالنبيذ والمثلث" انتهى. فيفيد أن النبيذ والمثلَّث حلالان، وأنَّ حقيقة الشيء لا يتغير بتغير اسم شيء عليه، كما يسمى الزنجي بالكافور] اه.
وتقنين الأموال المحرمة بإدخالها في مشاريع جائزة تهربًا من العقوبة، هو أشبه بفعل اليهود الذين نهاهم الله عن الصيد يوم السبت، فنصبوا شباكهم يوم الجمعة، حتى يلحق بها الصيد يوم السبت، ثم أخرجوها من الماء يوم الأحد؛ مخادعة -في زعمهم- لله تعالى وتحايلًا في استباحة الصيد، فلم يمنعهم ذلك من العقوبة، ولم يرفع عنهم الجزاء، فكذلك تكسب المال من أوجه غير مشروعة ثم تقنين ذلك بالأوجه المشروعة لا يرفع الإثم عن فاعله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65].
قال الراغب الاصفهاني في "تفسيره" (1/ 219، ط. جامعة طنطا): [قال الحسن: كان اعتداؤهم في السبت أخذهم الحيتان على جهة الاستحلال، وقيل: حبسهم إياها في الشباك يوم السبت ليأخذوها يوم الأحد] اه.
فعملية غسل الأموال حرام بشِقَّيْها: شق الاكتساب، وشق التحايل للتهرب من المساءلة.
كما أنها حرام لما يترتب عليها من أضرار اقتصادية بالغة تتعارض مع المقاصد الشرعية؛ إذ إن حفظ الأوطان مقصد شرعي مرعي، يأثم من يخل به، قال تعالى: ﴿ِوَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56].
وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ» رواه الدارقطني في "سننه"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والحاكم في "المستدرك" وصححه، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
خطورة الاقتصاد الموازي
وقد اتفقت الدول على تجريم هذه الظاهرة الخطيرة التي تعمل على ما يُسمَّى "الاقتصاد الموازي" الذي يُدار بعيدًا عن أعين الحكومات؛ فصدرت اتفاقية فيينا عام 1988م، في شأن مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية والأموال الناتجة عنهما واستخدامهما في جريمة غسل الأموال، وتُعَد هذه الاتفاقية من أهم اتفاقيات الأمم المتحدة، لأنها فتحت الأنظار على مخاطر نشاطات غسل الأموال المتحصلة من المخدرات، وأثرها المدمر في النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول.
ونص القانون المصري على عقوبة مرتكبي جرائم غسيل الأموال؛ ففي المادة (14): [يعاقب بالسجن مدة لا تجاوز سبع سنوات، وبغرامة مالية تعادل مثلي الأموال محل الجريمة كل من ارتكب، أو شرع في ارتكاب جريمة غسل الأموال المنصوص عليها في المادة (2) من هذا القانون، ويحكم في جميع الأحوال بمصادرة الأموال المضبوطة، أو بغرامة إضافية تعادل قيمتها في حالة تعذر ضبطها، أو حالة التصرف فيها إلى الغير حسن النية] اه.
دار الإفتاء تحذر من التشهير بذنوب الناس وإفشاء أسرارهم
ما حكم الصلاة والسلام على النبي بعد الأذان؟.. دار الإفتاء تحسم الجدل
عقوبة غسيل الأموال في الإسلام
وبناء على ذلك: فإن ما يُطلق عليه غسيل الأموال بدأ بمحظور شرعي، وهو التكسب من الجرائم والمحرمات، وانتهى إلى محظور شرعي، وهو تصرف من لا يملك فيما لا يملك، وما لزم عن ذلك من حرمة المعاملة التي بنيت على محرم؛ لأن ما بني على حرام فهو حرام، وآل إلى محظور شرعي وهو الإضرار بالأوطان؛ لما في استباحة غسل الأموال من تهديد الاقتصاد الوطني، فضلًا عن أن ذلك قد يستخدم في تمويل الحركات الإرهابية؛ مما يعود بالضرر الكبير على أمن الوطن وسلامته، كما أنه تحايل وتدليس وكذب حرَّمه الشرع، وعليه فإن غسيل الأموال بكل صوره محرم شرعًا ومجرم قانونًا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.