أيام قليلة وينقضي عام من حكم الرئيس مرسي، هذا العام أصاب القانون والدستور بالمرض العضال، لإحياء دولة اللا دولة، أو بمعنى أدق دولة الفرعون، الذي هدم صرح العدالة، ليقيم صرحا من الديكتاتورية، لقد عانى القضاة والمواطنون أشد المعاناة من تعنت مرسي، الذي لم يفكر سوى في مصلحة جماعته، وهو يستخدم ميليشياتها كسوط يجلد به معارضيه، ولعلنا نتذكر حصار المحكمة الدستورية العليا الذي دام 18 يوما لمنع القضاة من نظر الطعن المقدم من مواطنين ضد تشكيل الجمعية التأسيسية، وكذلك الطعن المقدم لذات المحكمة ضد إصدار المحكمة حكما يقضي بحل مجلس الشورى، أسوة بحكم حل مجلس الشعب. الرئيس مرسي سن عددا من القوانين من شأنها تقييد الحريات، فقد شهد العام الأول من حكم مرسي اعتداء على الحريات وتكميم الأفواه بعد أن وافق مجلس الشعب المنحل على قانون منع التظاهر، مخالفا بذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي تنص المادة 19 منه على أن «لكل شخص الحق في حرية الرأى والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية». كما نصت المادة 20 منه على أن " لكل شخص الحق في حرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية، ولا يجوز إرغام أحد على الانضمام إلى جمعية ما". أما الطامة الكبرى فكانت في الإعلان الدستوري، الذي أصدره مرسي -مساء الخميس 22 نوفمبر 2012- الذي مثل إهانة كبيرة للدستور، لما مثله هذا الإعلان من تعد واضح وصريح على سيادة القانون ودولة المؤسسات والجور على السلطة القضائية، فضلا عن كونه خلق فرعونا جديدا لمصر بعد ثورة 25 يناير، التي قامت في الأساس للقضاء على الحكم الاستبدادي، الذي سيطر على البلاد لأكثر من 30عاما. هذا الإعلان كان بمثابة ناقوس خطر دق رأس المجتمع المصري بكل فئاته، وأعاد هذا الإعلان غير الدستوري مصر إلى أسوأ عهود القمع وتكميم الأفواه، وضمنت المادة الأولى إعادة التحقيقات والمحاكمات في جرائم القتل والشروع في قتل وإصابة المتظاهرين وجرائم الإرهاب، التي ارتكبت ضد الثوار بواسطة كل من تولى منصب سياسي أو تنفيذي في ظل النظام السابق، وذلك وفقا لقانون حماية الثورة وغيره من القوانين، والمادة الثانية كانت لتحصين الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد، لتكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأي طريق وأمام أية جهة، كما لا يجوز التعرض بقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية، وفى ذلك تحصين لم يحدث من قبل لأي رئيس دولة في العالم. أما المادة الثالثة، فقد تم تفصيلها خصيصا للإطاحة بالنائب العام، المستشار عبد المجيد محمود، فقد نصت على أن يعين النائب العام من بين أعضاء السلطة القضائية بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات تبدأ من تاريخ شغل المنصب، ويشترط فيه الشروط العامة لتولي القضاء، وألا يقل سنه عن 40 سنة ميلادية، ويسري هذا النص على من يشغل المنصب الحالي بأثر فوري، وتم تفصيل هذه المادة لتعيين المستشار طلعت عبد الله نائبا عاما، خلفا للنائب العام المقال المستشار عبد المجيد محمود. والمادة الخامسة كانت لتحصين مجلس الشورى والجمعية التأسيسية، وقد نصت على: لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور. وقضت المحكمة الدستورية العليا بجلستها المنعقدة في2/ 6/ 2013 بعدم دستورية القانون رقم 79 لسنة 2012 بمعايير انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد للبلاد، استنادا إلى أن نص المادة الأولى من القانون المطعون عليه (79) يكون مخالفًا لحكم المادة (48) من الإعلان الدستوري الصادر في الثلاثين من مارس سنة 2011، وقضت -أيضا- ببطلان انتخابات مجلس الشورى، ومن ثم يستوجب حل المجلس. كما انتهك مرسي القانون عندما عين عبد الهادي القصبي- شيخ مشايخ الطرق الصوفية - بمجلس الشورى من ضمن 90 عضوًا، وأصدر مرسي قرارا بتعيينهم، وهو ما يعد مخالفا لنص المادة 232 من الدستور الجديد التي تمنع عددا من أعضاء الحزب الوطني من ممارسة حقوقهم السياسية لمدة عشر سنوات، والمفارقة أن عبد الهادي كان عضوا في الوطني المنحل. ونتيجة لخلافات الإخوان والرئيس مع بعض قضاة المحكمة الدستورية العليا تم استبعاد سبعة قضاة من بينهم المستشارة تهاني الجبالي، وهو مشهد تاريخي غير مسبوق، بسبب مواقف شخصية، وتم استبعادهم ضمن سيناريو الانتقام الشخصي، وهى عادة أصيلة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين. وفى ديسمبر 2012 قام آلاف من جماعة الإخوان وأتباعهم بحصار المحكمة الدستورية العليا، لمنع المحكمة من الانعقاد كي لا تقضي ببطلان انتخابات مجلس الشورى وبطلان تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، واستمر حصار الدستورية 18 يوما، وقبلها حصار مجلس الدولة في نفس الدعاوى لمدة عدة أيام. المستشار عبد الله فتحي - نائب رئيس محكمة النقض، وكيل نادي القضاة- قال: إن القضاء يتم التعدي عليه منذ وصول الرئيس مرسي لسدة الحكم، والقضاء يمر بأسوأ عصوره في التاريخ، ومن أبرز صور الاعتداء على القضاء هو إهانة السلطة القضائية واتهام القضاة بالفساد ورفض الرئيس تنفيذ أحكام القضاء والالتفاف عليها، وأيضا قيام الرئيس بإقالة النائب العام الشرعي المستشار عبد المجيد محمود بالمخالفة لقانون السلطة القضائية، الذي ينص على عدم إمكانية عزل القاضي من عمله، وأيضا صدور ما سمي بالإعلان الدستوري، وهو إعلان باطل.