عقارب الساعة تشير إلى الثامنة مساء، الأحوال الجوية تنقلب رأسا على عقب، برق ورعد وأمطار غزيرة تغرق شوارع المحروسة، بالتزامن مع اقتراب بدء موعد مباراة محمد صلاح Mohamed salah نجم منتخبنا الوطني، وفريق ليفربول في بطولة دوري أبطال أوروبا. في حي مدينة نصر، استعدت المقاهي قبل الموعد بما يقرب من ساعتين، إلا أن تغير الأحوال الجوية هزم تلك الاستعدادات، وبات ضروريا اكتناز الجمهور داخل حدود المقهى المغطى من الأمطار، اصطف الشباب خارج المقهى لقدرتهم على تحمل التغييرات الجوية، فيما فضل كبار السن من جيلي الخمسينيات والستينيات المكوث بالداخل. حكم المباراة يطلق صافرة البداية، يضع الحاج «على» الشيشة في فمه ويشخص بعينيه إلى الشاشة التي تعرض لحظة دخول صلاح إلى الملعب، ترتسم بسمة على وجهه، ويتنهد ويدعو الله: «ربنا يحفظك يابني». الأمطار تزيد من سقوطها، البرق والرعد يصمان الآذان، ينكمش الحاج على في ملابسه، ينفث دخان الشيشة: «أنا زوج بنتي في البيت، نزلت وسبته لوحده عشان أتفرج على ماتش صلاح، زوج بنتي موجود على طول إنما محمد صلاح بنستناه مع كل ماتش يهل علينا، بقى حضوره على التليفزيون زي سماع آذان مدفع الإفطار». المباراة بدأت مع هجوم متصاعد من فريق روما، مرت 25 دقيقة دون أن يظهر صلاح، الكرة الآن بين أقدام اللاعب ساديو ماني زميل صلاح في ليفربول، ينطلق كالسهم إلى وسط الملعب يرافقه صلاح، الحضور في المقهى يطالبه بتمرير الكرة لصلاح «باصي لصلاح»، إلا أنه يفضل تسديدها على المرمى وتضيع الكرة، لترتفع الأصوات بالسب والذم في اللاعب الذي فضل عدم تمرير الكرة. يظهر محمد صلاح في النصف الآخر من الملعب، يتحرك بسرعة البرق داخل ملعب الإنفيلد، ليصل مداه إلى سماء القاهرة، يضرب صلاح الكرة بقدمه اليسرى ويسجل هدفا رائعا، وترتفع الأصوات والآهات: «الله أكبر، الله أكبر، مصر مصر». «محمد صلاح ده الحاجة الوحيدة اللي في حياتنا بتفرحنا من غير ما ندفع لها فلوس، الحياة بقت تُغم ورؤية صلاح في الملعب وسط الكبار واسمه واسم مصر بيتردد بيحسسني إني رجعت لأيام عبد الناصر تاني».. يقول الأستاذ عبد القادر محمد، موجه لغة عربية من سكان مدينة نصر. «أنا قريت في الجرنال إن الجو هيبقى وحش النهار ده، ومراتي قالتلي متنزلش على القهوة هتتعب، لكن أنا قلت مقدرش أفوت مباراة لمحمد صلاح، ده أنا رجعت عيل صغير، ولأول مرة أحط صورة لاعب كرة قدم بعد الخطيب في شقتي». دقائق مرت على هدف صلاح الأول، ليظهر في لقطة أخرى يسابق الجميع يلتقط كرة عالية ويمررها لزميله ويتحرك بعيدا ليتلقاها منه مرة أخرى ويتخطى منتنصف الملعب كاملا، ويواجه حارس مرمى فريق روما وبثبات انفعالي يسجل الهدف الثاني، الحضور وقفوا على أقدامهم وهتفوا بصوت عال: «مو مو صلاح، مو مو صلاح». حالة من السعادة الغامرة وجدت طريقها إلى وجوه وقلوب المصريين، أطلق الحضور تنهيدة راحة بعد تألق ابن موطنهم، «أنا كنت بعدت عن الكورة من زمان، ومبقتش أتابع غير مباريات الأهلي - المهمة منها كمان - بس محمد صلاح بقى يجبرني على النزول ومشاهدته، بيحسسنا بقيمتنا وإننا لسة لينا صوت في الحياة، ولينا مكان محفوظ في العالم كله».. هكذا يقول أستاذ عادل عوض موظف على المعاش. يصمت برهة ويبدأ حديثه مرة أخرى: «أنا خلاص بقول يالا حسن الختام، لما بشوف صلاح بيجري زي الرهوان في الملعب بحس إن الحياة رجعت لي مرة تاني، بحس بشبابي بيتجدد من تاني، كأني بحضر حفلة لأم كلثوم، وبشوف قدامي عبد الوهاب بيعزف». عم سعيد حارس عقار ترك موقعه وتحرك صوب المقهى واتخذ موقعا بين الحضور ليتابع المباراة: «أنا معرفش هي بطولة إيه اللي بيلعب فيها، ولا مين الفريق اللي بيلعب ضده، أنا كل اللي أعرفه إن محمد صلاح في فريق اسمه ليفربول وكفاية عليا أوي كده، ده أنا بعيد عن الأهلي والزمالك معرفش حاجة في الكرة». ببساطة رجل ستيني يتحدث عم سعيد، «كان نفسي ابني يبقى زيه، محبوب من الناس كلها، دول حتى الأجانب بيحبوه، صلاح رجعنا نضحك من قلوبنا تاني». في الدقيقة الرابعة والسبعين، انتهت المباراة فعليا بالنسبة لعدد كبير من متابعيها، بعد أن فضل مدرب فريق ليفربول يورجن كلوب تغيير اللاعب محمد صلاح بغرض الراحة، ليبدأ تململ الحضور وانصراف البعض الآخر، فيما خاض آخرون نقاشا حول صحة خروجه من عدمه، أحدهم فضل خروجه للحصول على قسط من الراحة، فيما أبدى آخر انزعاجه، الكل اجتمع على حب صلاح ولأجله تحملوا سوء الأحوال الجوية والأمطار الغزيرة.