يعتبر كتاب "مصر المدنية" للمؤرخ الراحل الدكتور "يونان لبيب رزق"، أيقونة تنطبق على الوقت الراهن رغم صدوره فى عام 1992 ، عندما كان يسعى البعض لطمس ذاكرة الأمة والإصرار على الابتعاد عن رموز الجيل العظيم المجدد أمثال "رفاعة الطهطاوى" و"محمد عبده"، ومحاولة الارتداد للعصور الوسطى فلن يدفع ثمن ذلك سوى هذا الجيل والأجيال القادمة كما يرى الدكتور "يونان"، وفى الوقت الذى يعتلى فيه أحد كوادر جماعة الإخوان المسلمين الدكتور "محمد مرسى" قيادة الحكم فيرى مؤرخنا أن الرئيس "السادات" ارتكب خطيئته الكبرى حين حاول ضرب خصومه بالتعاون مع التيار الدينى حين وارب لهم الباب. ومن يدرس التاريخ يدرك أن فكرة الطائفية بمفاهيمها المتعددة اختفت تماماً فى عهد "محمد على" ولم يتبق لنا سوى الطائفية الدينية والتى تم تصديرها كفكرة وهى فكرة مغلوطة فى الأساس نذكر أنها بدأت تظهر فى مطلع الثمانينات فى أحداث الزاوية الحمراء، ورغم أن فكرة مفهوم الطائفية الدينية كان ظاهرا فى العصر العثمانى من خلال حارة النصارى واليهود، إلا أنه اختفى فى مطلع القرن العشرين فى مصر حيث انصهر المجتمع كلّ فى إطاره، والطريف أن "السادات" الذى صك مصطلح الفتنة الطائفية لخدمة أغراضه السياسية سقط ضحية تلك الجماعات الإسلامية المتطرفة والتى فتح لها أبواب السجون. وتبنى الإعلام دورا مشبوها فى الترويج لتلك الفكرة منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، ونجد أن الإرهاب الدينى مارسه هؤلاء لفرض فكرتهم عن طريق تكفير العلمانيين، وهو الهدف الحقيقى وفحواه القضاء على الدولة الدينية كما أكد الدكتور "يونان". ورغم أن فكرة السيطرة الدينية ليست وليدة عصرنا إلا أنها تجلت فى العصور الوسطى حيث قامت إمبراطوريات تأسست على المعتقدات الدينية سواء الإمبراطورية الرومانية أو النموذج الإسلامى ونجد أنها دوما ما تتلوها فترات ظلامية والمثال الأبرز على ذلك العصر العثمانى والتدهور المهول الذى دفع بعض العلماء لتدريس العلوم العقلية "خلسة"، ونستطيع أن نلخص آفة المجتمع المصرى فى أنه دوما يتم إخراجه إلى المدنية وليس خروجه لها على حد تعبير مؤرخنا الكبير والفرق واضح كما يشير الكاتب، فالإخراج يصيبه انتكاسات كونه غير مؤسس على أسس بعكس الخروج المترتب على تفاعلات تاريخية. وللأسف نحن نشهد حقبة هزلية تحتاج لتأريخ دقيق يقدمه لنا الدكتور "يونان لبيب رزق" مفصّلاً برؤيته المتزنة، وقد تكون ثورة يناير غير طامحة فى بداية اشتعال ذروتها إلى مطلب الدولة المدنية بقدر ما كانت تبحث عن العدالة إلا أن الأمور تسلسلت حتى أصبح المطلب الرئيسى الذى لا يختلف عليه أحد هو ما دعى كثر لتحمل علقم الإخوان المسلمين ممثلاً فى مرشحهم الدكتور "محمد مرسى" على أن يتحمل الجميع كارثة إعادة النظام العسكرى ممثلاً فى الفريق "أحمد شفيق". ورغم أن الشواهد تؤكد أننا لم نحقق من مدنية الدولة غير القشور إلا أن البعض يحلو له أن يقتنع بأننا مدنية فعلية، لكن التاريخ يعيد نفسه وكأنه لا يملّ والكتاب الذى يقرؤنا فيه الدكتور "يونان" شاهد على ذلك فلم تعد الأمور تسرى على وتيرة واحدة، فحين تعتقد بعض نماذج النخبة أن فترة التراجع وسيطرة المتأسلمين ستخفت لا ندرى فربما تتقلب الدهور وتصبح جُلّ أمنية المصرى فى المستقبل "خلع عباءة الشيخ .. ليصبح "أفندى"!