«إنني ما قبلت هذا الاجتماع مع الوفد الإيطالي لأستمع إلى هذه المهازل، ولا أحارب الطليان من أجل الوصول إلى هذه الترّهات، إن موقف المجاهدين لا يقبل الجدل أو المساومات، إنه فوق ذلك، إنها مسألة حقوق أمة كاملةٍ، إنني أعيذ نفسي من أن أكون في يومٍ من الأيام مطيَّة للعدو وأذنابه فادعو الأهالي بعدم الحرب ضدَّ الطليان، وإذا لا سمح الله قدَّر عليّ بأن أكون موتورًا فإن أهل برقة لا يطيعون لي أمرًا يتعلّق بإلقاء السلاح».. بهذه الكلمات وصف المناضل الليبى الراحل أهداف اجتماعه مع الطليان أثناء احتلالهم بلاده، ونرصد في ذكرى ميلاده، لمحات من حياته. أسد الصحراء عمر المختار شيخ المجاهدين وأسد الصحراء، كما أطلق عليه العرب، هو مُقاوم ليبي حارب قوات الغزو الإيطالية منذ دخولها أرض ليبيا إلى عام 1911، حارب الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عامًا لأكثر من عشرين عامًا في عدد كبير من المعارك، إلى أن قُبض عليه من قِبل الجنود الطليان. الصبي اليتيم وكان عمر المختار يتيمًا، فقد توفي والده وهو ما زال صغيرًا أثناء قيامه برحلة الحج وعهد بولديه محمد وعمر إلى رفيقه السيد أحمد الغرياني، وتولى الشيخ حسين الغرياني رعايتهما محققًا رغبة والدهما، فأدخلهما مدرسة القرآن الكريم بالزاوية السنوسية في صحراء «جغبوب» بمدينة برقة الليبية. دراسته الدينية ألحق الصبي اليتيم بالمعهد الجغبوبي، ومكث فيه ثمانية أعوام ينهل من العلوم الشرعية المتنوعة كالفقه والحديث والتفسير في الزوايا السنوسية، وانضم كعادة أهل ليبيا إلى الحركة السنوسية - حركة صوفية حركية شديدة الشبه بالدعوى السلفية للشيخ محمد بن عبد الوهاب-، ولمح فيه زعيم الحركة محمد المهدي الإدريسي نبوغًا وتقدمًا، إذ اشتهر بالجدية والحزم والاستقامة والصبر، ولفتت شمائله أنظار أساتذته وزملائه وهو لم يزل يافعًا، فجعله شيخًا على زاوية القصور بالجبل الأخضر قرب المرج، واصطحبه معه في رحلته إلى السودان وهناك سلّمه مشيخة زاوية «كلك» حتى عاد إلى برقة مرة أخرى. الرجل الموسوعي وأصبح «المجاهد العربي» على إلمام واسع بشئون البيئة التي تحيط به وعلى جانب كبير في الإدراك بأحوال الوسط الذي يعيش فيه، وعلى معرفة واسعة بالأحداث القبلية وتاريخ وقائعها وتوسع في معرفة الأنساب والارتباطات التي تصل هذه القبائل بعضها ببعض، وبتقاليدها، وعاداتها، ومواقعها، وتعلم من بيئته التي نشأ فيها وسائل فض الخصومات البدوية وما يتطلبه الموقف من آراء ونظريات، كما أنه أصبح خبير بمسالك الصحراء وبالطرق التي كان يجتازها من برقة إلى مصر والسودان في الخارج وإلى الجغبوب والكفرة من الداخل. السفر إلى مصر كان عمر المختار شديد الولاء للسنوسية وشيوخها ومخلصًا لهم، ويظهر ذلك في عددٍ من المواقف، حدث في شهر مارس عام 1923 أن سافر إدريس السنوسي إلى مصر، وبعده بفترةٍ جاء عمر المختار، فدعاه بعض أفراد قبيلته - قبيلة المنفة - لمقابلته هناك، لكن قبل أن يقبل الدعوة سأل عمَّا إذا كانوا قد دعوا معلّمه وشيخه إدريس عندما جاء إلى مصر المرة الماضية، ولمَّا علم أنهم لم يفعلوا رفض الدعوة، قائلًا: «وكيف تظهرون لي العناية وتحضرون لمقابلتي وأنتم الذين تركتم شيخي الذي هو وليُّ نعمتي وسبب خيري، أما وقد فعلتم ذلك فإني لا أسمح لكم بمقابلتي ولا علاقة من الآن بيني وبينكم»، إلا أنَّ إدريس عندما علم بالأمر أرسل له يأمره بعدم الوقوف عند ذلك ومقابلتهم، فأطاعه عمر المختار. إعلان الحرب في عام 1911، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية، وبدأت في إنزال قواتها بمدينة بنغازي الساحلية شمال برقة، وفي تلك الأثناء كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصحراء في زيارة إلى السنوسيين، وعندما كان عائدًا من هناك مرَّ بطريقه بواحة جالو وعلم وهو فيها بخبر نزول الإيطاليين. بداية النضال عاد «المختار» إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليّين، ونجح بجمع ألف مقاتل معه، في بداية الأمر أسَّس عمر المختار معسكرًا خاصًا له في منطقة الخروبة، ثم انتقل منها إلى الرجمة، حيث التحق بالجيش العثماني، وأخيرًا إلى بنينة جنوب مدينة بنغازي بنحو وهناك انضمُّوا إلىه الكثير من المقاتلين الآخرين، وأصبح المعسكر قاعدةً رئيسية لهم يخرجون منها ويغيرون باستمرارٍ على القوات الإيطالية. حرب العصابات شهدت صحراء ليبيا المعارك التي خاضها عمر المختار وسطر عليها بدماء الشهداء أروع آيات العزة والجهاد، وكبد المجاهدون المحتلين خسائر لا تحصى في الأرواح والعتاد، وثبتوا أمام عدوهم مع أنهم لا يمتلكون سلاحًا كما يملك عدوهم من السلاح، لم يتسنى لأسد الصحراء أن يتخرج من كلية حربية أوعسكرية ولم يتلق مهارته الحربية من جيش، إنما تربى عمر المختار في ساحات المعارك والجهاد، فحارب عمر المختار الطائرة بسيفه حتى امتلك الخوف قلوبهم بمجرد سماع اسم عمر المختار. نظارة المختار وجواده في شهر أكتوبر سنة 1930، تمكن الإيطاليون من الاشتباك مع المجاهدين في معركة كبيرة عثر عقب انتهائها على نظّارات عمر المختار، كما عثروا على جواده المعروف مجندلًا في ميدان المعركة، فثبت لهم أن المختار ما زال على قيد الحياة، وأصدر قائد الجيش الإيطالي ووزير المستعمرات في أفريقيا، رودولفو جراتسيانى، منشورًا ضمنه هذا الحادث حاول فيه أن يقضي على "أسطورة المختار الذي لايقهر أبدًا" وقال متوعدًا: «لقد أخذنا اليوم نظارات المختار وغدًا نأتي برأسه» . القبض على المختار في عام 1931، تمكنت القوات الإيطالية من خلال وحداتها الاستطلاعية، من القبض على عمر المختار، أثناء توجَّهه بصحبة عدد صغير من رفاقه، لزيارة ضريح الصحابي رويفع بن ثابت بمدينة البيضاء، ولم يصدق جراتسياني الذي كان متوجهًا إلى باريس الخبر في البداية، وقرر أن ينزل من قطاره ليعود مسرعًا إلى بنغازي. ثبات البطل في المحاكمة أصر الإيطاليون على محاكمة المجاهد الليبي محاكمة فوريَّة، بإعدامه بصورة صاخبة ومُثيرة كما جاء في برقيَّة دى بونو وزير المستعمرات إلى بادوليو حاكم ليبيا، لكن ما فاجأهم كان هدوء الأسير وصراحته المُذهلة في الرد على أسئلة المُحققين، بثباتٍ تام ودون مراوغة، إذ قال لهم: «نعم قاتلت ضد الحكومة الإيطاليَّة، لم أستسلم قط، لم تخطر ببالي قط فكرة الهرب عبر الحدود، منذ عشر سنوات تقريبًا وأنا رئيس المحافظية». إعدام أسد الصحراء وأجريت له محاكمة صوريّة انتهت بإصدار حكم بإعدامه شنقًا، فنُفذت فيه العقوبة على الرغم من أنه كان كبيرًا عليلًا، بلغ في حينها 73 عامًا يعانى من الحمّى، كان الهدف من إعدامه إضعاف الروح المعنويَّة للمقاومين الليبيين، والقضاء على الحركات المناهضة للحكم الإيطالي، لكن النتيجة جاءت عكسيَّة، فقد ارتفعت حدَّة الثورات، وانتهى الأمر بأن طُرد الطليان من البلاد.