أنا اليوم فى حضرة شخصية مدهشة، وقامة فكرية، لا تتكرر كثيرا، هو كاتب ومفكر قدير، اتسمت كتاباته دائما بالعمق والإقناع والموقف، كان كاتبا عاشقا للحرية، ورغم تنقله بين أكثر من فكر من أقصي اليسار إلي أقصي التدين إلا أنه كان موضوعيا مترفعا في كل قناعاته، عاش بسيطا كما أحب، ولم يبحث عن مال أو مجد أوسلطة، واختار دائما أن يقف بعيدا لكي يشاهد تفاصيل الأشياء ودورة الكون والحياة، كتب كثيرا عن الحرية، لإيمانه بأن الحرية هي أولي خطوات الإصلاح وأول طريق البناء..إنه الأستاذ «خالد محمد خالد»، الذى رحّب بلقائى فى عالمه الآخر، الذى انتقل إليه فى العام 1996، بعد مسيرة فكرية وثقافية حافلة. أحسن الرجل استقبالى، ودار بيننا كلام كثير، قبل التسجيل، عن ذكرياته ومؤلفاته وأعماله، وأعترف لكم أننى تعمدتُ استدراجه بخبث للحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، التى عاصر نشأتها، وكان شاهدا على باكورة جرائمها التى «شوهت بها وجه الإسلام الصبيح»، على حد تعبيره، وعندما بدأ فى الحديث بشيء من التفصيل عن الجماعة، استأذنته فى «تشغيل المسجل»، حتى لا أنسى كلمة واحدة من حديثه الشيق والممتع، فوافق.. كان محدثى الكريم وصل فى حديثه عن «الإخوان» إلى محطة «التنظيم السرى»، فاستطرد:»سأبدأ حديثى عن التنظيم السرى، من حيث بدأت أسمع به وأعرف أنباءه، ولعل ذلك كان عام 1942 أو 1943، ويومها عرفتُ طريقة تشكيله، وأهدافه وغايته، كما عرفت اسم قائده، والمشرف عليه وهو:«عبد الرحمن السندى» شاب متدين تقى، مريض بالقلب، مُرشح للموت المباغت .. كذلك عرفتُ أن الأستاذ المرشد لم يفاجأ بهذا التنظيم يقتحم عربته، بل هو الذى فكر فيه وأنشأه، واختار له قائده الأول «محمود عبد الحليم»، ولما غادر القاهرة، سعيا وراء عمله ورزقه، اختار قائده الثانى «عبد الرحمن السندى»، الذى لم يتم تعليمه الجامعى، ووقف عند الثانوية العامة، حيث التحق بإحدى وظائف وزارة الزراعة». قلتُ: وما الحيثيات التى أعلنها «حسن البنا» يومئذ لإنشاء تنظيمه السرى؟ فأجابنى «خالد محمد خالد»، بعد لحظات سرح خلالها بخياله: «الأستاذ البنا برر انشاءه ب3 أسباب، هى: شنّ الحرب على الاستعمار البريطانى، قتال الذين يخاصمون الدعوة ويحاولون إعاقة سَيرها، وإحياء فريضة الجهاد» .. قلت: وهل راق لك السبب الثانى تحديدا، والذى ينص على قتال الذين يُخاصمون الدعوة ويحاولون تعويق سَيرها؟ هنا..التفت «خالد» إلىّ منزعجا، ثم أردف:« بالطبع لا، فلقد أسرف التنظيم فى هذا السبيل إسرافاً كان السبب الأوحد فى تدمير الإخوان من الداخل والخارج، وكان السبب الأوحد فى فقد الإخوان أثمن ما يملكون، حياة الأستاذ المرشد الذى ذهب فى معركة ثأر شرسة وضارية.» سألته: هل ما زلت تذكر بعضا من جرائم التنظيم الخاص أو السرى للإخوان؟ فأجاب:«طبعا، فقد كانت أولى جرائم النظام الخاص، اغتيال»أحمد ماهر باشا» رئيس الوزراء، فى ذلك الوقت». قاطعتُه: هل تذكر تفاصيل الواقعة؟ فأجاب:»فى أكتوبر 1944، أقال الملك فاروق وزارة النحاس باشا، وعهد بتأليف الوزارة الجديدة إلى أحمد ماهر باشا، الذى قام بحل مجلس النواب، وإجراء انتخابات جديدة فى يناير 1945، وكان الأستاذ المرشد قد رشح نفسه لانتخابات 1942، ثم انسحب نتيجة لتفاهمه مع النحاس باشا، وفى وزارة أحمد ماهر هذه، رشح نفسه لمجلس النواب، وحصل على نصيب كبير من الأصوات بيَد أنه أعيدت الانتخابات بينه وبين مُنافسه، فنجح مُنافسه بطريقة لم يشك الإخوان معها فى تزوير الانتخابات لصالح المُنافس، وأسَرّها النظام الخاص فى نفسه، وأسَرَّ معها ما كان يجهر به الدكتور ماهر من عداوة للإخوان وتَوعُّد لهم بسوء، انتظر التنظيم السرى الفرصة المواتية التى سُرعان ما جاءت تخطِر فى زينتها..؟ قلت: كيف وما الذى حدث؟ وجاءت إجابة محدثى على النحو التالى: «فى أوائل عام 1945، عندما كانت الحرب العالمية الثانية تلفظ آخر أنفاسها، تلقَّى «احمد ماهر باشا» من الحكومة الأمريكية نبأ بأن»الدول الخمس الكبار» أمريكا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، والصين الوطنية، ستعقد مؤتمرا بسان فرانسيسكو للبحث فى إنشاء منظمة دولية تقوم مقام»عصبة الأمم» وأن هذا المؤتمر سيكون وقفا على الدول التى تعلن الحرب على المحوَر».. فى هذه اللحظة تلقى «خالد محمد خالد» اتصالا هاتفيا مطولا، ارتفع خلاله صوته، وتخلى عن هدوئه، وساد الجو حالة من الغضب والارتباك، حتى إننى لم أشأ أن أسأله عن فحوى المكالمة، وتركته حتى هدأ، ثم قال:» تخيل، واحد من الإخوان بيكلمنى، ويطلب منى مكملش الحوار معاك، ولو كملته، مجبش سيرة التنظيم السرى، وبيهددونى بأن الميليشيات الإلكترونية سوف تفضحنى، لو لم أسمع الكلام، والأغرب من ده كله، إن اللى كان بيكلمنى قال لى: لو مسمعتش كلامنا، الباشمهندس خيرت الشاطر، اللى بيصرف على هذه الميليشيات، مستجاب الدعوة، وهيدعو عليك بدخول النار، وبئس المصير»، فقاطعته: لا عليك سيدى، هون على نفسك، ثم سألته ماكرا: هل سوف تكمل الحوار أم نكتفى بهذا القدر؟ فأطلق ضحكة غير معتادة، ثم أجاب: «بالطبع سوف نكمل الحوار، ثم استكمل حكاية واقعة قتل التنظيم السرى لأحمد ماهر، فقال:»..كان إعلان الحرب شكليَّا بحتاً، لن يكلف المُعلنين إطلاق رصاصة واحدة، لأن الحرب قد انتهت بانتصار الحلفاء، وإعلان الحرب على دول المحور، وعلى اليابان بصفة خاصة، لن يُكلِّف مصر أي تضحية، واتفق الرأى على إعلان مصر الحرب على اليابان، كى يتسنى لها الاشتراك فى مؤتمر»سان فرانسيسكو» بالولايات المتحدةالأمريكية ومن اللجنة السياسية التى عَهِدَ إليها ببحث الأمر، واتخذت قراراً بالموافقة، انتقل الموضوع إلى مجلس الوزراء الذى وافق بدوره، ثم انتقل إلى مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وألقى ماهر بيانه فى مجلس النواب، وبينما هو آخذ طريقه إلى مجلس الشيوخ فاجأه فى البهو الفرعونى شاب، يدعى «محمود العيسوى»، أطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلا». وعندما هممتُ بطرح السؤال التالى، أكمل «خالد» كلامه قائلا: «كان التنظيم السرى بَارِعاً فى التنكُّر، فهو بعد تدريب أعضائه على كل أفانين الإرهاب، يأمر بعضهم أن يلتحق ببعض الأحزاب أو الجماعات، حتى إذا اختير يوما لعمل من أعمال الاغتيال أو الإرهاب، لم يَبْدُ أمام القانون ولا الرأى العام من أعضاء الإخوان.. ناهيك عن أعضاء التنظيم السرى ذاته». قلتُ: وماذا كان موقف المرشد من هذا الاغتيال، وهل باركه أم رفضه؟ فأجابنى: «هذا ما لا أعرفه حتى يومنا هذا، عكس اغتيال النقراشى باشا، فمبلغى من العلم أنه وافق عليه، وبَاركه.. لأنه اعتبر حل جماعة الإخوان، ومُصَادَرة دُورها ومُمتلكاتها حرباً لله، ولرسوله، ولدينه». قلت: ماهر والنقراشى، وماذا بعد؟ فأجاب «خالد»: « التنظيم السرى للإخوان قتل أيضا القاضى»الخازندار»، أمام منزله، لأنه حكم بالسجن ثلاث سنوات على اثنين من الإخوان ارتكبا عملا إرهابيا، ثم توالت عمليات النسف والترويع، فى دور السينما، وأقسام البوليس والشركات والبيوت، وعلى رأسها شركة الإعلانات الشرقية، وفيما بعد محاولة نسف دار المحكمة بباب الخلق التى كانت ستودى بحياة العشرات من الأبرياء لولا لطف الله، والعثورعلى المواد الناسفة قبل انفجارها، وألقيت قنبلة من فوق سطح مبنى كلية طب قصر العينى، فقتلت اللواء سليم زكى حكمدار العاصمة». قلتُ: أريد أن تفصل لى القول فى واقعة مقتل النقراشى باشا، فقال «خالد»: «فى ظل هذه الحوادث التى ارتكبها التنظيم السرى، رأى «النقراشى باشا» أن مسئوليته كرئيس للوزراء ووزير للداخلية، تدعوه إلى مُجابهة الإخوان، فأصدر فى ديسمبر 1948 قرارا بحل الجماعة ومُصادرة أملاكها وأموالها، وعبثاً حاول أصدقاؤه صَرْفَه عن هذا القرار فرفض، حتى أن أحدهم قال له: هل تعلم أنك بهذا القرار، إنما توقع نبأ نَعْيِك ؟ فأجابه: أجل أعلم، ولكنى لا أستطيع التخلّى عن مسئوليتى فأكون خَائِناً لها، ولا أستطيع التخلّى عن الحكم، فأكون جبانا». توقف «خالد» لحظات قليلة عن الكلام، احتسى خلالها قليلا من الماء، ثم أكمل: « قبل حل جماعة الإخوان بأيام، أوقع القدر بالتنظيم السرى كارثة أليمة، إذ ضبطت الشرطة صدفة سيارة «جيب» بها أسماء أفراد التنظيم، وكَثْرة كَاثِرة من القنابل والمسدسات والمواد الناسفة، فزاد هذا الكشف رئيس الحكومة اقتناعا بقراره وحل الجماعة، وكانت حياته هى الثمن «.. قلت: ومن القاتل الذى أنهى حياة النقراشى باشا؟ فعقّب: «فى أواخر ديسمبر 1948، ألبس المُشرفون على جرائم التنظيم السرى طالبا بالطب البيطرى، زى ضابط وقاموا بتدريبه بضعة أيام على إنجاز جريمته، وفى اليوم المُحدَّد لها، وبينما النقراشى باشا فى طريقه إلى المصعد بوزارة الداخلية، أطلق عليه القاتل بضع رصاصات هوى على إثرها صَريعاً، والعجيب أن النقراشى كان قد أصدر قرارا فى وقت سابق بتعليم قاتله بالمجان بعد وفاة والده ..كذلك حاول التنظيم السرى اغتيال»إبراهيم باشا عبد الهادى» رئيس الوزراء الذى خلف النقراشى بُعَيْد اغتياله، لكن قنابلهم ورشاشاتهم أخطأته إلى»حامد جُوده» رئيس مجلس النواب». قلتُ: فلنكتف بهذا القدر من الحديث عن جماعة القتل والغدر باسم الإسلام، لتحدثنى عن «خالد محمد خالد» نفسه، أنا أعلم أنك كنت محبا للخير، فلتحدثنى عن مفهومك للخير؟ فتهللت أسارير الرجل، لأول مرة منذ المكالمة التليفونية، ثم قال:» الخير..هو ذلك الذي يجعل الإنسان إنساناً حي القلب، ريان الضمير، وذلك الذي يجعل منك ملاذاً للآخرين, يأوون إليك كما يأوي المحرور إلى ظل شجرة, أو كما يأوي الظمآن إلي عين ثرة تفيض بالماء البارد النمير.. وإن خير ما يصنعه المرء في حياته هو أن تسع حياته الناس رحمة وبراً، ومحبة ووداً، فكن محبا للناس، مستأنساً بهم، متودداً إليهم، متغافلاً عن أخطائهم، متسامحاً مع من يسيئون إليك».. قلت: لعل هذا الخير هو الذى دفعك لتكتب «معا على الطريق..محمد والمسيح»،حينئذ اعتدل مضيفى فى جلسته، ثم أردف: «آه، إنى أعتز بهذا الكتاب كثيرا، وأردتُ من خلاله أن أقول للذين يؤمنون بالمسيح، وللذين يؤمنون بمحمد: برهان إيمانكم إن كنتم صادقين، أن تهبّوا اليوم جميعا لحماية الإنسان.. وحماية الحياة». قاطعته: وماذا أيضا؟ فأجاب: «ما قصدتُه هو تبيان موقفهما « محمد والمسيح»، من الإنسان، ومن الحياة، أو بتعبير أكثر سدادا، موقفهما مع الإنسان، ومع الحياة»، ثم سكت هنيهة، أكمل بعدها: «لقد أخذنى حنين واعٍ إلى الكتابة عن الرسول، وعن المسيح، وفى ذات الوقت كان ينادينى الواجب الذى كرّست له حياتى، وهو الإسهام فى حماية الإنسان والحياة من الكذب ومن العجز ومن الخوف». قلت: وما النتيجة التى توصلت إليها بعد الإبحار فى حياة محمد والمسيح، عليهما السلام؟ فأجاب: «لقد انتهيت فى هذا الكتاب إلى أن مصادر التخلف والتمزق فى عالمنا هى: التجارة، التى تحولت إلى رأسمال يريد أن تكون له الكبرياء فى الأرض، الأحلاف، التى تقوم على نُشدان المغانم الظالمة وتحشُد القُوَى لحروب دائمة، النظام الطبقى فى الكيان الدولى، حيث ينقسم العالم إلى «دول كبرى» لها كل شيء..و»دول صغرى»ليس لها من الأمر شيء، و انحراف الضمير السياسى عن المبادئ الإنسانية التى كان عليه أن يحرسها إلى المآرب الخاصة، التى كان عليه أن يرفضها». قلت: وأنت رجل تخصصت فى الكتابة عن الدين والفكر، هل تسمح لى مثلا بأن أسألك عن مفهوم الحب عندك؟ تبسم الرجل ابتسامة طفولية، ثم قال: «على رأس فضائل الحياة وشعار الدين تقف فضيلة الحب، فالحب هو جوهر الحياة، كما أنه يولد في النفوس طاقة لا تعدلها طاقة أخرى في الكون ولا تقابلها، ولابد للحب كي يصفو ويدوم، أن يكون خالصاً صافياً، نقياً، وبكلمة واحدة: أن يكون لله رب العالمين». قلت: فى زمن المصالح والتلون والنفاق، كيف نتعامل مع البشر؟ فأجاب: « لا ترفض إنسانا لأن فيه خطأ أو اثنين أو عشرة، فقد توجد فيه فضيلة واحدة تزن صلاح مائة عابد». قلت: هل يكون المؤمن منافقا أو كاذبا أومتكبرا، مثلما يصنع الإخوان المسلمون؟ فقاطعنى: «لا تجد مؤمنا إلا مؤمنا حيياً، ولا منافقاً إلا عديم الحياء..والرياء آفة تمحق الأعمال وتردها تراباً في تراب، ثم إن الكذب مفسدة مطلقة، لأنه سريع النمو، سريع الانتشار، وله ضراوة كضراوة الخمر أو أشد، والتواضع نعمة من الله يهبها الله لكبار النفوس». قلت: وهل الإسلام دين منغلق كما يصفه معارضوه؟ فأجاب: «الإسلام لم يأت ليعلمنا أخلاق الصوامع، بل ليعلمنا أخلاق المدينة». قلت: وماذا تقول عن القومية العربية؟ فأجاب: «إني لا أعرف شيئاً عن القومية العربية، ولكني أعرف أشياء عن الوحدة الإسلامية». قلت: ختاما..سيدى، هل الإسلام دين حرب أم دين سلام؟ فأجاب «خالد محمد خالد»:» الإسلام لم يكن هذا ولا ذاك، إنما كان ولا يزال دين عدل، فحين يفرض العدل حربا، فهو دين حرب وجهاد، وحين يفرض العدل السلام فهو دين سلام». V.C وُلد خالد محمد خالد فى عام 1920، فى قرية العدوة بمحافظة الشرقية. تخرج فى كلية الشريعة بالأزهر، وعمل مدرساً، ثم عمل بوزارة الثقافة، كان عضواً بالمجلس الأعلى للآداب والفنون. كتب فى السيرة النبوية وعن أعلام الصحابة، وكتابه "رجال حول الرسول" من أبرز أسباب شهرته. توفى خالد محمد خالد فى عام 1996، وهو والد الداعية محمد خالد ثابت.