كنت أتمنى أن تصدر مؤسسة الرئاسة بيانا صريحا يشرح الأسباب الحقيقية للتصرف الغريب وغير المعهود بقيام مصر بسحب قرار قامت هي بتقديمه لمجلس الأمن لإدانة الاستيطان الإسرائيلي غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدلا من وضع وزارة الخارجية في الواجهة ودفعها لإصدار بيان يعتمد اللف والدوران والتعامل مع الرأي العام على أننا سذج وأطفال صغار. وقبل أن ينطلق مطلباتية الرئيس السيسي في الدفاع عن الطريقة المخجلة التي تعاملنا بها مع قرار إدانة الاستيطان، والقول إن مصر قامت بالتصويت لصالحه في النهاية، كأنه كان من المفترض أن نمتنع أو نعترض، كأننا أسقطنا وصف "العربية" في اسم جمهورية مصر الرسمي، دعونا نستعرض بعضا من الحقائق المثبتة. أولا: قرارات مجلس الأمن، وخاصة المتعلقة بالعدو الإسرائيلي، متراكمة ولا تنفذها دولة الاحتلال منذ 1948 اعتمادًا على الدعم الدولي الذي تلقاه من الولاياتالمتحدة وبقية حلفائها الغربيين. ولكن، في نفس الوقت، لو كانت مثل تلك القرارات منعدمة الأهمية تمامًا، لما تصرفت دولة الاحتلال الإسرائيلي بكل هذه العصبية والتلهف من أجل منع صدور القرار، الذي أكد ثوابت لا يمكن الحياد عنها وهي: أن إسرائيل دولة احتلال، وأن بناء المستوطنات غير شرعي وغير مقبول دوليا، سواء في الضفة الغربية أو القدس التي يزعمون أنها "عاصمتهم الأبدية" بمفردهم. ولعل التصفيق المدوي الذي ضجت به قاعة مجلس الأمن فور تمرير القرار دون استخدام الولاياتالمتحدة لحق النقض (الفيتو) هو أكبر دليل على مدى ضجر كل دول العالم تقريبًا بالصلف والغرور الإسرائيلي، والاستهتار بالقرارات الدولية التي سبق تمريرها، وتشدد على ضرورة إنهاء الاحتلال العنصري لفلسطين ومنح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة كبشر. فالحكومة اليمينية العنصرية في إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو كانت تتعامل على أساس أنها تمكنت من تحقيق إنجاز غير مسبوق بتوقف الأممالمتحدة ومجلس الأمن تحديدا منذ ثماني سنوات عن إصدار قرارات تدين بشكل واضح وقاطع ممارسات الاحتلال وتتمسك بمشروع الدولتين، واعتبار أن القضية الفلسطينية لم تعد القضية المركزية للدول العربية في ضوء المشاكل والاضطرابات العديدة التي تعاني منها المنطقة، واختفاء عدد من الدول العربية عمليا مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن. ثانيا: أسوأ ما ورد في بيان الخارجية لتبرير القرار المخزي هو القول إن مصر كانت ترغب في "إجراء المزيد من المشاورات" لتجنب استخدام الولاياتالمتحدة لحق النقض الفيتو. فكل المراقبين للعلاقة بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وإسرائيل يعرف جيدا أنها في أسوأ مراحلها على الإطلاق، نظرا لأن نتنياهو رفض كل المحاولات الرامية للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين، كما تدخل بكل قوة في الشأن الداخلي الأمريكي لمنع توقيع الاتفاق النووي مع إيران. ولذلك، فإن إدارة أوباما، ووفقًا لكل التقارير الصحفية الأمريكية، هي التي أوعزت لبقية الدول الأعضاء في مجلس الأمن أن تصدر ذلك القرار، مع وعد بالامتناع عن التصويت، واعتبار ذلك هو أقل ما يمكن أن يقدمه الرئيس الأمريكي قبل مغادرته البيت الأبيض في 20 يناير، بعد تحطم كل وعوده بالسعي لإقامة دولة فلسطينية في سنوات حكمه الثماني. ثالثا: نشرت الصحف والمواقع المصرية أن مكالمة هاتفية جرت بين الرئيس اليميني المنتخب دونالد ترامب والرئيس السيسي طلب فيها منه تأجيل طرح قرار المستوطنات للتصويت في مجلس الأمن. ولكن صحفنا تجاهلت أن مكالمة مماثلة جرت بين السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وفقًا للصحف الإسرائيلية، طلب فيها أيضا سحب مشروع القرار. الأسوأ على الإطلاق هو أن يكون الرئيس السيسي قد اقتنع بالفعل بما ذكره ترامب في مكالمته من أنه يطلب سحب القرار لكي يتمكن هو من السعي للتوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية، ولكي لا يحد القرار من قدرته على إقناع الجانب الإسرائيلي بتقديم "تنازلات".طبعًا الرئيس المنتخب الذي كان من ضمن أول وعوده أن ينقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدسالمحتلة، بل زاد ورشح لمنصب سفير أمريكا في إسرائيل واحدا من أكثر الشخصيات الأمريكية الصهيونية تطرفًا، لا يمكن أن نتوقع منه مطلقًا، ولا في الأحلام، أن يقوم بأي شىء من أجل أن ينال الفلسطينيون حقوقهم. رابعا: من المخزي جدا والمهين أن تتلقى مصر، وهي من أقدم الدول الأعضاء في الأممالمتحدة وبين الأكثر خبرة في آليات عمل مجلس الأمن، "إنذارًا" من بقية الدول الداعمة للحقوق الفلسطينية في مجلس الأمن، وتحديدًا السنغال وماليزيا وفنزويلا ونيوزلندا، أنها ستتقدم هي بنفس مشروع القرار المصري الذي تم التفاوض على بنوده على أكثر من شهرين، لو تمسكت القاهرة بسحبه. مصر الرائدة في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، التي خاضت أربع حروب ضد العدو المحتل تستحق ما هو أفضل من ذلك بكثير. خامسا: التصرف على أساس أن إدارة ترامب ستكون أكثر قربًا وتفهمًا للمواقف المصرية وستقدم الدعم والمساندة للرئيس السيسي، وأنه سيكون أول الزعماء الأجانب الذين سيستقبلهم الرئيس الجديد في البيت الأبيض، هو وهم. ترامب له أجندة داخلية في الأساس، وتصريحاته الحمقاء ومواقفه من العرب والمسلمين تؤكد أنه لن يدفع سوى للمزيد من الكوارث والحرائق في المنطقة. للأسف الشديد، تعامل الرئيس السيسي مع قضية القرار المطروح في مجلس الأمن من دون أي اعتبار للرأي العام المحلي في مصر، ومدى الارتباط القائم مع القضية الفلسطينية، تمامًا كما فعل عندما اتخذ قرارًا منفردًا بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للمملكة العربية السعودية. ونرجو ألا نسمع تصريحًا من الرئيس السيسي قريبًا ينهرنا فيه من الحديث عن هذا الموضوع، ويصرخ في وجوهنا كما فعل في قضية تيران وصنافير: "أرجو إن الموضوع ده ما نتكلمش فيه تاني".