"هدم الدولة".. مصطلح يتردد كثيرًا في الساحة السياسية المصرية، تارة على لسان رئيس الدولة ومسئولي الحكومة وأعضاء مجلس النواب، وأخرى على لسان إعلاميين وسياسيين وفنانين وخبراء إستراتيجيين مؤيدين ومعارضين للنظام على حد سواء، وتحكمهم جميعًا نظرية "المؤامرة" . المؤامرة تحت قبة البرلمان وخلال جلسة أمس الأحد، حذّر الدكتور علي عبدالعال، رئيس مجلس النواب، عددًا من النواب من انتقاد السياسات النقدية للحكومة، والحديث عن أزمة الدولار وغيرها من القضايا في وسائل الإعلام "التي تسعى لتشويه صورة الدولة ومؤسساتها"، حسب وصفه، وهو ما يراه مضرًا باقتصاد الدولة المصرية، رافضًا أي اعتراضات تطال قرارات الدولة وثوابتها الوطنية، وقال: "هذا الوطن أمانة فى أعناقنا، ويجب أن نحافظ عليه، والبعض يريد هدم الدولة المصرية، ولا مكان لهم فى هذه القاعة، تحية لهذه الدولة، ستظل مصر قوية وحرة، ولا مكان لمن يريد هدم هذه الدولة الأبية القوية المستقلة، وستظل حرة قوية رغم كيد الكائدين، وكل من يحب هذا الوطن عليه أن يلتزم بالهدوء". وحين اعترض أحد النواب على ما قاله، أمر "عبد العال" بطرده خارج الجلسة، وهو يقول له "اخرج بره، لن تختطف المجلس"، في حين صفق غالبية النواب الحاضرون في القاعة بحرارة لكلمة "عبد العال". بكري: الحل في القانون 52 اتهامات بعض النواب بالتورط بتلك "المخطاطات" طالت الصحفيين أيضًا، كما جاء على لسان الكاتب الصحفي والنائب البرلماني، مصطفى بكري، في مداخلة هاتفية له مع أحمد موسى على فضائية "صدى البلد"، الذي قال: "الصحفي بقى فوضوي، ويريد هدم الدولة عبر هذا المشهد (في إشارة منه للتظاهرات أمام نقابة الصحفيين خلال الأزمة الأخيرة مع وزارة الداخلية)". وأكد بكري خلال برنامجه "حقائق وأسرار" المُذاع على نفس القناة، أن مخطط هدم مصر وتفكيكها متشعب وضخم، وهناك أطرافًا كثيرة في الداخل تسعى نحو ذلك، ومن ثم يجب الوقوف ضد هذا المخطط الجهنمي والتصدي له بكل حزم، مشيرًا إلى أن كل الشرفاء ينتظرون تشريع القانون 52؛ حتى يتم القضاء على الخونة ودعاة تفتيت وهدم وإسقاط الدولة المصرية. "فوبيا" هدم الدولة "كلام عارٍ من الصحة وتهمة فارغة".. هذا ما أكده الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الذي وصف اتهامات هدم الدولة ب"المعلبة"، التي تنبع عن فهم خاطئ من قبل القائمين على إدارة أمور البلاد، وإن كانت هناك ضرورة واجبة لمراعاة اعتبارات الأمن القومي، مضيفًا أن هناك إصرارًا غريبًا نحو وصم كل من ينتقد سياسات النظام والحكومة بأنهم من تيار "هدم الدولة"، وهؤلاء لا يفقهون أبجديات السياسة، وكذلك لا علاقة لهم بالديمقراطية، وتابع أن هذا الفهم أقرب إلى مفاهيم الإخوان عن السمع والطاعة، وعودة للدولة الشمولية والثيوقراطية التي تحكم بأمر الإله. وأكد نافعة، في تصريحات خاصة، أن حديث رئيس مجلس النواب سابق الذكر، في غاية الخطورة، ولا يتفق مع نصوص الدستور ومواد القانون، ويتنافى مع أبسط قواعد العقل والمنطق، وما كان يجب أن يصدر منه على الإطلاق، قائلًا: "إذا لم يُسمح لنائب الشعب أن ينتقد قرارات الحكومة، أو أي شئ يتعلق بالدولة، ويناقش ويحلل ويعترض على سياسات الدولة النقدية، فلمن نسمح إذن بالحديث عن أزمات الوطن وهموم المواطن". حروب "الجيل الرابع" عدد من الخبراء العسكريين والأمنيين، أو كما تطلق عليهم القنوات الفضائية "خبراء استراتيجيين"، دائمًا ما يتحدثون عن عن مخططات هدم دولة، حتى أن إحدى القنوات منحت أحدهم تعريفًا بأنه "باحث في مخطط هدم الدولة"، قبل أن توضح مقصدها أن هذا الخبير صاحب دراسة عن مخطط هدم الدولة.. وجميعهم يتناولون نظرية حروب الجيل الرابع، التي تفتت البلاد من الداخل دون الحاجة إلى عتاد ومواجهات عسكرية مع جيوش أجنبية. يقول الخبير العسكري، اللواء عبدالمنعم سعيد، إن أعداء مصر كثيرون، ويريدون تفتيت العالم العربي إلى دويلات صغيرة، ويسيرون على خطى وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كونداليزا رايس، صاحبة نظرية "الفوضى الخلاقة"، التي تستهدف أن تصبح إسرائيل الدولة الكبرى في المنطقة، والسيطرة على كافة مقدرات المنطقة وإمكاناتها وثرواتها المعدنية، عبر حروب الجيل الرابع، ومواقع التواصل الاجتماعي وكتائب "السوشيال ميديا"، التي تنشر الفوضى في الشارع العربي، وتفسد أخلاق الشباب المصري. "هذه دعوات هدامة مثل شعارات الإخوان المسلمين وهي بعيدة عن الوطنية والدين".. هكذا صرّح سعيد، ل"التحرير"، متذكرًا واقعة حدثت في الخمسينات، في حلمية الزيتون، خلال أحد الاجتماعات لمؤسس جماعة الإخوان "حسن البنا"، الذي سأله أحد تلامذته: ليه الإنجليز قاعدين في البلد؟ فرد عليه، قائلًا: عشان تحمي حركة الملاحة العالمية في قناة السويس، فسأله آخر: طيب إزاي نمشي الإنجليز؟، هنا رد عليه بحسب رواية سعيد "نردم القناة"، وهذا نوع من الفكر المتطرف الذي يهدم ولا يبني ويضر ولا ينفع، وتتبناه العديد من التيارات الأخرى التي ترتدي ثوب "الثورية" و"الوطنية"، كالاشتراكيين الثوريين و6 أبريل وغيرهم، وغالبيتها منشقة من نفس الفكر الإخواني القديم، حسب وصفه . الخروج عن الشرعية وحول مواجهة تلك المخططات "الهدّامة"، أكد عبدالمنعم سعيد أن الدولة عليها مسئولية كبيرة تجاه مواجهة تلك الأفكار، التي لا تدعو للأمن والسلام، بداية من قنوات الإعلام والمفكرين ونشر الثقافة الواعية والالتزام بالعمل الجاد، مرورًا بالمقاومة الشديدة والحازمة من قبل القوات المسلحة والشرطة والأجهزة الأمنية لكل من يخرج عن الشرعية الوطنية، وإن وصل الأمر إلى الحبس لحماية الدولة من السقوط. وخلال حواره مطلع العام الحالي، مع الإعلامي أحمد موسى ببرنامج "على مسئوليتي" على قناة "صدى البلد"، قال اللواء مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية السابق، إن ثورة 25 يناير كان هدفها هدم الدولة المصرية واقتصادها ومؤسساتها لكي تكون لقمة سهلة، موضحًا أن اختيار عيد الشرطة بالتحديد كان بهدف لكسرها ، وهو مخطط أمريكي صهيوني، حسب تعبيره. هدم النظام أم هدم الدولة وفي محاولة لوضع تعريف محدد لمفهوم "هدم الدولة"، وتحليل تلك الظاهرة التي احتلت كل المنابر الإعلامية والأوراق والتحقيقات الرسمية، أوضح الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية، أن هناك فرق شاسع بين هدم النظام وهدم الدولة، وما يحدث هي محاولات حثيثة من النظام السياسي الحاكم لتصدير فكرة انتقاد مؤسسات الدولة الرسمية بداية لإسقاط الدولة وهذا غير صحيح. ووصف صادق في تصريحات خاصة، ذلك الأمر ب"فوبيا هدم الدولة"، و"فزاعة سقوط الدولة"، خاصة في ظل الأوضاع المتردية التي تمر بها مصر على كافة المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والأمنية، وهو ما أكده الرئيس مؤخرًا حين صرّح بأن "مصر شبه دولة"، وهي دولة هشة وضعيفة وبها مؤثرات اجتماعية واقتصادية وأمنية تجعلها قابلة للانهيار، وطبقًا لمؤشرات التنمية العالمية، تحتل مصر المركز رقم 90 من بين 120 دولة ضمن مؤشرات الدول الهشة .