بعد وفاة ملك السعودية، الذى دعم مصر ماديًّا بعد «30 يونيو» ووصول ملكٍ جديد إلى العرش، تتطاير معلومات غير موثقة عن فتورٍ قادم بين مصر والسعودية، وبالتالى توقف هذا «الدعم المادى المهين» لمصر، نعم هو مهين. فقد سيطر مصطلح الشحاتة على وصف العلاقة مع مصر، وهو ما لا يمكن قبوله عن بلدنا وعن أنفسنا، وعلى مصر التفكير بطريقةٍ أخرى لتمويل مشروعاتها التنموية، المُطالب الأول بانتهاج تلك الطريقة الأخرى فى التفكير هو السلطة فى مصر، وقد اختبرها الرئيس عبد الفتاح السيسى نفسه -وبشكل أثبت فاعليته- فى تجربة جمع ستين مليار جنيه من المصريين فى أقل من أسبوع.. لتمويل مشروع توسعة قناة السويس، الاعتماد إذن على أنفسنا لبناء نهضتنا هو الطريق الوحيد المحترم الذى يجب أن نسلكه، فتاريخيا لم يفشل الاعتماد على المصريين فى لحظات البناء الحقيقى لمصر، مثلًا فى بناء جامعة القاهرة -وكانت أول جامعة حقيقية فى مصر- تبرع المصريون من كل الطبقات.. بدءًا بالأميرة فاطمة إسماعيل وحتى سكان الحدود الفقراء، ذات مرة وفى أثناء بحثى فى دار الوثائق القومية لدراسة كنت أعمل عليها.. مرت بين يدىّ أعدادٌ قديمة من مجلة الهلال ، كان منشورًا بها تبرعات تلاميذ مدرسة ابتدائية فى أسوان لبناء الجامعة المصرية ، وتبرع سيدة صعيدية بأسورتها الذهبية وأمثلة أخرى بديعة للغاية، وهناك كذلك تجربتا طلعت حرب وجمال عبد الناصر، كل مشروع تنموى راسخ فى مصر لم تموله الإعانات ، بل موله المصريون بالمال والجهد والعرق.. والدم أحيانا، أما تلك الإعانات المهينة من الخليج أو غيره.. فهى لا تقدم إلا درءًا مؤقتًا لفشل الحكومة المصرية فى سد عجز موازناتها، الحكومة هى التى تجلب علينا هذا العار، عار الشحاتة ! ويجب عليها وعلى رئيس الدولة التوقف عن استسهال مد اليد إلى الخليج أو إلى غيره، أمام الرئيس فرصة بدء صفحة بناء جديدة فى تاريخ مصر.. بأيدى وأموال أبنائها بشكل فيه عزة وكرامة، وذلك بمحددات أهمها: أولا: الكف عن التطلع إلى أموال الخليج التى لن تأتينا بلا مقابل حتى لو كانت أموالهم متلتلة زى الرُّز! وثانيًا: الثقة فى الشعب، سواء الطبقة الوسطى القادرة ماليا أو الفقراء.. السند الحقيقى للرئيس إن أراد، فجميع المصريين أثبتوا فى ثورتى يناير ويونيو أنهم قادرون.. ليس فقط على الحلم بالعيش والكرامة.. بل على تحقيق الحلم بإرادة حقيقية ، وثبت هذا فى أسبوع تمويل توسعة القناة، وفى تفهم قرار رفع دعم الوقود، وغيره من اختبارات تدل على أن المصريين لديهم الإرادة، لكن تنقصهم الإدارة! ثالثا: الانحياز إلى الفقراء عند وضع الخطط التنموية، وليس إلى طبقة أو فئة بعينها، واعتقادى الشخصى أن الرئيس يريد ذلك فعلا، وإن لم يفعل بعدُ ! فحتى الآن يبدو أن انحياز السلطة فى مصر هو لفئة رجال الأعمال.. سواء انحيازًا بالصمت عن تكالبهم للتربح على حساب حقوق الشعب، أو انحيازًا بمنحهم ثقة زائدة أملًا فى التنمية بالقطاع الخاص ، رغم أن تجربة العقود الماضية أثبتت فشل تلك النظرية، أو حتى انحياز مباشر بسن قوانين لصالحهم دون محاسبة.. مثل قوانين الضرائب أو الاستثمار أو غيرها.. الرئيس عليه أن يخوض معركة حسم الانحياز ، فهو إذا انحاز إلى الفقراء فلن يتخلوا عنه فى معركته المحتملة مع خصومه من رجال الأعمال! رابعًا: الالتزام بالشفافية فى إمداد الشعب بالمعلومات لإشراكه فى خطة البناء، ففى التفسير حسن النية، ربما تكون السلطة الآن مضطرة إلى هذا الانحياز لرجال الأعمال وليست راغبة فيه! بسبب نفوذ تلك الفئة المتراكم منذ عهد مبارك، انظر مقالى السابق: قانون حق المعلومات ، لكن.. نحن -المواطنين- لا نعرف شيئًا مؤكدًا بالتحديد.. بسبب غياب المعلومات والشفافية.. كل ما نحسه ونشعر به أو نخمنه أن هناك أحد أمرين: إما صراع مكتوم بين الرئيس ورجال المال.. وإما نفوذ لرجال المال فى الدولة، ما نريده الآن أن يحسم الرئيس انحيازه إلى الغالبية، وهذا يتطلب أن يشجع شفافية توضح الصورة للشعب حتى يدعمه فى معركة التنمية، وهو على علم بتفاصيلها.. أما أن يُطلب من الشعب الدعم العميانى لدولة لا تثق به ولا تعطيه حقه فى المعلومات فهذا طريق مسدود! إذن حتى لو استمر نظاما السعودية والإمارات فى دعم مصر.. فعلى مصر أن تنفض عن نفسها غبار الوصف بأنها متسولة .. وذلك بإعلان أنها ستنهض بشعبها مالا وجهدًا وتخطيطًا وإرادة، وهذا يستلزم أساسًا: الثقة فى المصريين وإشراكهم فى التخطيط لتلك النهضة وإقرار حقهم فى المعلومات.. المسألة هى باختصار أن يغير النظام فى مصر طريقته فى التفكير .. وأن تصل الرسالة إلى السيد الرئيس ويستوعبها كما نتوقع منه: يا ريّس.. ادعم شعبك يدعمْك، واستغنِ وشعبَك عن فلوس الخليج المتلتلة!