لا يخفى على أحد سر الزيارة الأخيرة للدكتور حازم الببلاوى رئيس وزراء مصر إلى المملكة العربية السعودية، فالرجل أفلس تماما وليس امامه سوى التكية السعودية لإنقاذ حكومته الفاشلة، مفضلا أن ينهى أيامه الأخيرة فى إدارة شئون المصريين كما بدأ معتمدا على الإعانات والقروض والمنح والهبات، او كما يقول البسطاء «يقضيها شحاتة فى شحاتة». منذ أن أتى الببلاوى وحكومته فى أعقاب ثورة 30 يونية التى أطاحت بحكم الإخوان، لم نشعر بأى تحسن معيشى، رغم مليارات الدولارات التى نزلت «ترف» على مصر من كل الدول الشقيقة والصديقة فى الخليج العربي، ومع أن هذه الأموال تقدر بأكثر من 15 مليار دولار إلا انها تبخرت ولم نجد لها واقعا ملموسا. ذهب الرجل الى الرياض، يشكر ويثمن ويقدر للأخوة والأشقاء كرمهم ونبلهم ومواقفهم الشجاعة، وهذا فى حد ذاته سلوك رائع وجميل يدعم أواصر المحبة، ولكن لا أعتقد أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وسمو ولى عهده الأمين الأمير سلمان والشعب السعودى ينتظرون شكرا أو تقديرا، فهم يدركون جيدا قيمة وحجم ومكانة مصر وشعبها ربما أكثر من المصريين أنفسهم، وإنما ينتظرون اليوم الذى تعود فيه أرض الكنانة قوية، أمنة مستقرة، شامخة الرأس، مرفوعة الجبين، يريدون من رئيس حكومتها ومجموعته الاقتصادية أجندة وبرنامجا اقتصاديا يجذب المستثمرين بمختلف فئاتهم، ومشاريع إنتاجية ضخمة ، يشعر معها الأخوة العرب بان مصر بعد مرور أكثر من ثمانية شهور على قيام ثورة 30 يونية تعافت وتجاوزت مرحلة الشفقة والشحاته، وأن حكومتها رغم ما تواجهه من إرهاب وصعاب وتحديات قادرة على المرور من عنق الزجاجة. إن رئيس الحكومة المرتعش، لا يملك وهو فى هذه الحالة من الفشل، سوى الشكر والتقدير والتبجيل، طالما انه سيعود باربعة مليارات دولار تساعده على الوفاء بما وعد به من سبعة مليارات جنيه إضافية لميزانية التعليم والصحة، وتمكنه من مواجهة الأزمة المرتقبة فى المواد البترولية «بنزين وسولار وغاز»، فضلا عن تمويل صفقة الأسلحة الروسية اللازمة والضرورية للجيش المصري. وبهذه المليارات الأربعة يصبح مجموع ما قدمته السعودية لمصر تسعة مليارات دولار، حيث سبق وان قدمت خمسة مليارات، منها 2 مليار دولار وديعة، ومثلها لشراء مواد تموينية، بالإضافة إلى مليار دولار منحة لا ترد، ولن تتردد المملكة وغيرها من الدول الخليجية الوفية كالإمارات والكويت فى منح مصر المزيد والمزيد، ولكن الى متى نستمر فى هذه «الشحاتة»، عاجزين عن الإنتاج، مدمنين للشعارات والهتافات، نقطع الشوارع ونغلق الميادين باحتجاجات ومظاهرات، لا نجنى من ورائها سوى مزيد من الانهيار. نعم.. هذه المنح والحزم المالية بمثابة محفزات ضرورية وطارئة لإيقاف نزيف الاقتصاد المصرى الجريح ، ولكنها فى الوقت نفسه أصبحت عبئا مؤجلا ستدفع فاتورته مضاعفة الأجيال القادمة، بعد أن ارتفع الدين المحلى إلى «تريليون ونصف تريليون جنيه» والدين الخارجى لأكثر من 45 مليون دولار. أتمنى أن تكون هذه الجولة آخر زيارة شحاته رحمة بنا وبأبنائنا وأحفادنا، لقد تجاوزت ديوننا كل حدود الأمان، واصبحنا فى حاجة ماسة لحكومة قوية لا تعتمد على جولات التسول، وإنما على خطة إنقاذ واقعية، مجدولة ومحددة التنفيذ ببرامج زمنية، تصلح بيتنا من الداخل وترممه سياسيا وأمنيا واقتصاديا، لأنه من العيب بل من العار أن تقضيها حكومة اكبر وأهم دولة فى الشرق الأوسط - هكذا - شحاتة من هنا وهناك وسلف ودين من هذا وذاك.