بسبب عاصفة عاتية، الجزائر تعلق الدراسة يومين في 52 ولاية    إجراء المقابلات الشخصية لراغبي القيد في الجدول العام للمحامين، غدا    محافظ القاهرة يعلن نتائج لجان حصر قانون الإيجار القديم بأحياء العاصمة (صور)    الجنيه يبدأ ريمونتادا الإصلاح الاقتصادى ويهزم الدولار بسلاح الصرف الرباعى    تطبيق قانون الإيجار القديم.. الزيادات الجديدة والأجرة للمناطق المختلفة    لا إلغاء لزيادات الإيجار القديم.. والعشرون ضعفا لا زالت سارية.. اعرف التفاصيل    رئيس قضايا الدولة: الهيئة تضطلع بدور عبر العمل على تحقيق العدالة الناجزة    أريزونا: شخص في حالة حرجة إثر إطلاق دورية لحرس الحدود النار قرب الحدود الأمريكية المكسيكية    وكيل صحة شمال سيناء ل«البوابة»: مستعدون لاستقبال جرحى غزة فور فتح المعبر    كاريك لا يعرف الهزيمة على أولد ترافورد ويواصل كتابة التاريخ    والد أشرف داري يكشف تفاصيل انفصال نجله عن الأهلي    وزير الشباب والرياضة يهنئ رئيس مجلس النواب ويبحثان سُبل التعاون المشترك    محمود وفا يدير مباراة الزمالك وبتروجت.. ومعروف حكما لمواجهة المصري وسيراميكا    خبر في الجول - صبحي يحرس مرمى الزمالك أمام بتروجت.. واستبعاد عواد    وكيل ديانج: لم يطلب زيادة مالية من الأهلي.. وتوروب متمسك به    موعد مباريات اليوم الأربعاء 28 يناير 2026.. إنفوجراف    نتائج الجولة الثالثة بالدور النهائي لدوري المرتبط للكرة الطائرة    شريط لاصق على هاتف نتنياهو يثير جدلا واسعا حول الأمن السيبراني.. كيف تحمي بياناتك من التجسس؟    «باركوا لأبو الولاد».. زينة تثير الجدل حول زواج أحمد عز    القبض على زوجة أب متهمة بتعذيب طفل 5 سنوات بالفيوم    تخصيص أراضٍ بزفتى لإقامة مراكز إيواء وتعقيم للكلاب الضالة    رعب في شبرا الخيمة.. ضبط عاطلين اختطفا شاباً وأطلقوا أعيرة نارية لترويع المواطنين    حارة ودن القطة.. حين يصير العبث قانونا    دار الشروق تطرح رواية «حوض ريان» للروائي إبراهيم المطولي    الزراعة: لا زيادة فى رسوم تطهير المساقى دعما للمزارعين    عضو التنسيقية تطالب بتوفير لقاحى الروتا والمكورات الرئوية مجانا للرضع    ترامب: كوبا على حافة الفشل والسقوط    أسامة كمال يسخر من تيك توك بعد حذف فيديوهات اشتباكات مينيابوليس: شربت شاي بالياسمين    أحمد مالك يسعى للزواج من هدى المفتي في برومو «سوا سوا»    القومي لحقوق الإنسان: ضرورة تحديد طلب الإحاطة الخاص بالإسكان لمنع تحوله لنقاش عام    مدبولى: أهمية الإسراع فى تنفيذ مستشفى «هليوبوليس الجديدة»    أمين الأعلى للشئون الإسلامية: الخطاب الديني الحقيقي هدفه الأخذ بيد الناس للطريق المستقيم    أبرزها المثلية، المفتي يحذر من دعوات تروج لانحرافات أخلاقية تحت ستار التقدم    الصحة الفلسطينية: استشهاد شاب برصاص الاحتلال في بلدة الظاهرية بالضفة الغربية    السيد البدوي: منافسي لرئاسة "الوفد" كان في 4 أحزاب مع البرادعي وساويرس    مكتبة لكل بيت    هيئة العمل الفلسطيني: وعود إسرائيلية بفتح معبر رفح غدًا تحت ضغط أمريكي    مفتي الجمهورية: دار الإفتاء تنظر إلى الطلاق بوصفه أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات    خبير علاقات دولية: مصر توظف علاقاتها مع تركيا والجزائر لدعم استقرار ليبيا    سامح عاشور: وعي المحامين هو سر الانتصار على الإخوان    ضمور العصب البصرى و«تعفن الدماغ» وتدهور الوظائف المعرفية.. أبرز الأضرار    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    لجان حصر «الإيجار القديم» تعلن الأماكن المؤجرة لغرض السكنى بمحافظة الوادي الجديد    مقتل 3 أشخاص وإصابة 25 في أوديسا بأوكرانيا جراء هجوم بمسيرات    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    أسعار البترول تواصل صعودها عالميًا.. وخام برنت يكسر حاجز ال 66 دولارًا للبرميل    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    علاج النسيان وعدم التركيز بالأعشاب الطبيعية    الأوقاف: تخصيص 30 مليون جنيه قروضًا حسنة بدون فوائد    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    نائبا وزيري خارجية أمريكا وطاجيكستان يزوران المتحف المصري الكبير    تفاصيل اعترافات المتهم بقتل أم وأطفالها الثلاثة فى فيصل قبل الحكم.. فيديو    غيوم ورياح مثيرة للأتربة.. تقلبات جوية فى محافظة بورسعيد.. فيديو وصور    معرض الكتاب.. الشاعر الأردني "محمد جمال عمرو" ضيفا في جناح الطفل وحفل توقيع كتابه "أحلام صغيرة"    الأهلي يواجه وادي دجلة في مباراة لا تقبل القسمة | بث مباشر الآن    سعر كرتونه البيض البلدى والأبيض اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 فى اسواق المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن متلازمة الوجع والإبداع
نشر في الشروق الجديد يوم 03 - 03 - 2016

تكبر فينا الغربة فجأة فى كل مرة نسمع فيها عن تغييب الموت شخصا نحبه، تفتح داخلنا طريقا تمتد من الحنجرة إلى الأحشاء مرورا بالقلب فتعصره. تتسارع الأفكار والذكريات داخلنا وتتخبط، حتى نشعر أن بعضها قد يكون نتاج المخيلة وليس نتاج لحظات أمضيناها فعلا مع الشخص الذى رحل.
نرجع بذاكرتنا إلى أمسيات أمضيناها بصحبته وأحاديث قد نكون اختلفنا أثناءها، لكن ذلك لا يعنينا اليوم بقدر ما يعنينا أن نتذكر هل فعلا عبرنا له عن شعورنا تجاهه؟ هل رحل بسلام؟ هل قرأ آخر رسالة منا وماذا كان تعليقه؟ هل تذكر تلك الأمسية التى ضحكنا فيها معا حتى لم نعد نستطيع أن نكمل النقاش، ثم قال أحدنا «الله يجيب خير هذا الضحك»؟ كان ذلك قبل بدء الأزمة السورية بسنوات أو بشهور، لا يهم، فقد تحقق ما أنذر به المثل السورى ولم تأت عاقبة الضحك بالخير.
الموت شبح قرر أن يجاور السوريين وأن يكرمهم بحضوره بشكل خاص، يتربص بهم من السماء ومن الأرض ومن البحر، يخطفهم ويجرى بهم صغارا كانوا أم كبارا، دون أن يلتفت إلى لوعة ذويهم وهم يركضون وراءه ويصرخون: «يا ريت تاخدنى بداله». بات يفاجئنا موت أحدهم موتا طبيعيا، كما بتنا لا نسأل «كيف مات» حتى لا نسمع قصة إضافية عن القهر والحزن والمرض، ناهيك طبعا عن الموت من جراء الحرب والقصف وحتى البرد أو عدم إمكانية الوصول إلى المستشفى أو الاستغناء عنه لعدم إمكانية دفع فواتير العلاج. يرحل عن هذا العالم سوريون أعلام فى مجالاتهم كالفن والسينما والكتابة وغيرها، تاركين وراءهم فراغا نشعر به متضخما بسبب مصيبتنا، فنرى فى كل رحيل نذير شؤم، ونتساءل: «هل سيخطف الموت فى زيارته القادمة شخصا أقرب إلينا وماذا سنفعل فى هذه الحالة؟».
***
فى الغربة يتضخم كل شىء، وذلك ليس حكرا على التغريبة السورية. لكن ثمة شىء جد ثقيل يرافق فقداننا لأشخاص أثروا فى بلدنا كما عرفناها، فأعطوها ألوانا وجمالا نعيد اكتشافه حين يغيبون. عزاؤنا فى هذه الحالة هو تفتح زهور ربيعية ملونة تظهر من بين الأنقاض، ونغمات دافئة تصلنا مع صوت الرياح، ننظر ثانية ونتساءل من أين أتت هذه الروح؟ من أين وصلتنى هذه الأغنية؟ هل أخذ الموت فلانا وفى الوقت ذاته ظهر آخر على الساحة بجمال فنه وروحه فخفف عنا من مصابنا؟
يقال إن الفن يكون فى أحسنه وأعلى درجات إبداعه وقت الأزمات، فالشعور بالخطر والحزن والأمل والانتظار تؤجج عند الإنسان عواطف ربما لم يكن يعلم أنه يملكها، يخلق التخبط قدرة على التعبير والإبداع من الصعب الوصول إليها فى ظرف عادى. قد ننظر يوما ما إلى فترتنا هذه فنجدها من أهم مراحل بلدنا على الصعيد الثقافى والفنى، وقد تكون هدأت قليلا صفارات الموت من حولنا، فنصبح أكثر قدرة على استيعاب ما أنتجه الفنانون أو النحاتون أو المصورون أو الكتاب، فترانا نشرح لمن هم أصغر منا سنا أن تلك كانت أحلك مراحل تاريخنا المعاصر، مرحلة لم نكن نعلم إن كنا فعلا سنخرج منها سالمين، أم أشلاء أناس وأشلاء نفسيات، لكنها أيضا أنتجت بعضا من أقوى المواد الفكرية والفنية السورية على الإطلاق.
***
حين يذهب شخص نحبه، نتلفت حولنا خفية ونحاول ألا نفكر بمن من الممكن أن يتبعه، نفكر بمن لم نرهم منذ فترة ونتساءل عن أحوالهم، تصبح اللقاءات النادرة فرصة لوداع لا نعلنه لكننا نشعر به فى الجلسة دون أن نتحدث عنه. هل هذه آخر مرة أجلس فيها مع قريبتى حول فنجانى قهوة فتقرأ لى طالعى وتقول، فأصدقها أن ثمة فسحة بيضاء فى آخر طريق موحش؟ حين أختلف مع صديق حول مسألة ما فتحتد لهجته، هل أقرر أن أتوقف عن النقاش بغية أن نعود إلى مساحة تجمعنا أتذكرها فى المستقبل إن سمعت بخبر رحيله؟
أشعر أحيانا وكأننى فى حالة حداد استباقية على من أحبهم، هو حداد ينتظر أن ينفجر لو رحلوا، حالة حداد عليهم وهم أحياء كتحضير نفسى لرحيلهم. لكننا نعلم جميعا أن لا شىء يحضر أحدنا بشكل كاف لمواجهة تلك الحفرة السوداء التى تبتلع من نحب، فنقف على حافتها يمسكنا من بقى حتى لا نقع، وننظر فى الحفرة فلا نرى من ذهب.
متلازمة الألم والفن، الوجع والإبداع، الحنين والكتابة تخفف من مرارتها فرشاة ألوان رسام شاب، تعيد الحياة إلى يومنا الرمادى حين تظهر لوحاته أمامنا على الشاشة من مكانها فى معرض دولى، ومشاهد فيلم قصير أنتجته لاجئة سورية مبدعة فى لبنان كصرخة منها لتطلب منا أن نؤمن بها من على منبر مهرجان للأفلام فى عاصمة كبرى. نحن شعب لن يموت طالما أننا، ونحن نمشى فوق الرماد، ننتج صفحات ومشاهد ورسومات، ونعيد بذلك تدوير أنفسنا لنقوم من جديد، ننفض من على أنفسنا الغبار، ونعيد رتى حكاياتنا كما نرتى سجادنا الملون. ربما هذه هى الفسحة البيضاء فى آخر الطريق الموحش الذى رأته قريبتى فى فنجانى ذلك اليوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.