الحزب الجمهوري: ترامب عالق في فخ الضغوط الإسرائيلية بشأن إيران    فليك ذاق من نفس الكأس.. رقم سلبي لبرشلونة أمام أتلتيكو مدريد    تأجيل محاكمة 19 متهما بمدرسة دولية بالإسكندرية لجلسة 19 فبراير الجارى    دينا الشربيني وآسر ياسين.. قصة حب من عالمين مختلفين في «اتنين غيرنا»    عمرو طلعت يختتم 8 سنوات من التحول الرقمي بأكبر صفقة ترددات في تاريخ الاتصالات    أمل عمار تتفقد معرض رائدات الأعمال بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا    انطلاق المؤتمر الدولي الرابع للكيمياء بجامعة الأقصر    السويد ترسل مقاتلات لدوريات حول جرينلاند ضمن مهمة الناتو    المهندس عبدالصادق الشوربجى...رؤية وطنية وراء ميلاد جامعة «نيو إيجيبت»    مصر تفوز بلقب بطولة كأس العالم للقوة البدنية 2026    بتخفيضات 30%.. "تموين الإسكندرية" تفتتح فروع جديدة لمعرض "أهلاً رمضان" بالعصافرة والجمعيات التعاونية والجامعة    رصاصة خاطئة.. إصابة فتاة بطلق ناري على يد والدها بقنا    «شل مصر» تعلن وصول سفينة الحفر ستينا آيس ماكس لدعم جهود الاستكشاف في مصر    بالصور.. جمهور الأوبرا يستقبل النجم اللبناني وائل جسار بحفاوة فى عيد الحب    حلقات خاصة من برنامج "حلم سعيد" على شاشة القاهرة والناس    "أطياف مقيدة".. رواية جديدة للكاتبة رضوى موافي    تعرف على خريطة برامج إذاعة نغم إف إم في رمضان 2026    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    كيف نستعد لاستقبال شهر رمضان استعدادًا صحيحًا؟.. أمين الفتوى يجيب    الورداني: الشعور بعدم عدالة الميراث سببه غياب فهم المعنى لا خلل النصوص    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    اعتقل بغزة.. وفاة ضابط إسعاف فلسطيني بسجن إسرائيلي    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    بنك البركة مصر يحقق 5.6 مليار جنيه أرباحًا قبل الضرائب في 2025    وزيرة التنمية المحلية والبيئة توجه بدفن الدرفيل النافق في رأس غارب وفقاً للاشتراطات البيئية    غلق محور كمال عامر أمام مستشفى الصدر يومين فى اتجاه القادم من العجوزة للمنيب    بيسكوف: موسكو تعول على الحوار البناء مع أمريكا بشأن حصار كوبا    فان دايك: نحتاج لأداء مثالي لحسم مقاعد التأهل إلى أبطال أوروبا    مواجهات نارية تسفر عنها قرعة دوري الأمم الأوروبية    رئيسة فنزويلا المؤقتة: مادورو هو الرئيس الشرعي للبلاد    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    هضبة أم عِراك تبوح بأسرارها    المتلاعبون بأعصاب المستأجرين والمُلّاك    مد أجل الحكم على المتهمين في قضية السباح يوسف ل 26 فبراير    رئيسة القومي للمرأة: تمكين المرأة ركيزة للتنمية الشاملة وليست ملفًا اجتماعيًا    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    رئيس الوزراء يكشف سبب دمج وزارة البيئة والتنمية المحلية    منتخب المغرب يضم عنصرا جديدا في الجهاز الفني قبل كأس العالم    تحرش بسيدة في الشارع.. حبس شاب 4 أيام على ذمة التحقيقات بسوهاج    رئيس جامعة قناة السويس يشارك في استقبال محافظ الإسماعيلية للقنصل العام لجمهورية الصين الشعبية لبحث سبل التعاون المشترك    نتائج مباريات اليوم الخميس في الجولة ال 23 من دوري المحترفين    الأرصاد تحذر: طقس غير مستقر ورياح مثيرة للرمال وأمطار متفرقة غدا الجمعة    اصطدام سفينتين حربيتين أمريكيتين خلال عملية تزوّد بالوقود فى البحر    رئيس جامعة دمياط يشهد ندوة حول الاتجاهات الحديثة في البحوث الكيفية والكمية بالعلوم الاجتماعية    "عبد اللطيف" يناقش ميزانية "التعليم" باجتماع "خطة النواب"    وزير الخارجية: مصر تولي أهمية كبيرة بدعم المؤسسات الصحية التابعة للاتحاد الأفريقي    مي التلمساني تشيد بندوة سمير فؤاد في جاليري بيكاسو    تأييد حكم الإعدام لقاتل شقيقه وطفليه بسبب الميراث في الشرقية    اسعار كرتونه البيض الأبيض والأحمر والبلدى اليوم الخميس 12فبراير 2026 فى المنيا    سفير السويد يشيد بجهود الهلال الأحمر المصري بغزة ويؤكد دعم بلاده لحل الدولتين    أول قرار من وزيرة التنمية المحلية والبيئة بعد تشكيل الحكومة الجديدة    جامعة الدلتا تحقق إنجازًا عالميًا باختيار أحد طلابها ضمن نخبة الأمن السيبراني    اسكواش - الثنائي نور الشربيني وعسل يتوج بلقب ويندي سيتي    بتوقيت المنيا.... تعرف على مواقيت الصلاه اليوم الخميس 12فبراير 2026    وزارة التضامن الاجتماعي تقر تعديل قيد 5 جمعيات فى 4 محافظات    مصدر بسكك حديد المنيا: استئناف الرحلات عقب إصلاح عطل فني بأحد القطارات المكيفة    مصر تدين الهجوم الإرهابي على مسجد في إسلام آباد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نحن فى زمن اليويو!
نشر في الشروق الجديد يوم 09 - 12 - 2013

صحيح أن الحكاية «اتهرست» مائة مرة فى مائة فترة تاريخية، لكنها لا زالت قادرة على إثارة الأسى والغثيان فى كل مرة:
يبدأ المثقف حياته من الهامش، فيعارض السلطة ويهاجم الشعب الذى ينافقه أو يهادن ظلمه، ويتهمه بالخنوع والمذلة مستخدما أحكاما تعميمية قالها بحق الشعب من قبل مثقفون نافدو الصبر، وحين تتحدث السلطة عن كون معارضيها قلة لا تعبر عن عموم الشعب، يكتب قصائد مديح للقلة المعارضة مستشهدا بكل الآيات والأحاديث والأشعار والوقائع التاريخية التى تمجد صمود القلة المناصرة للمبادئ فى وجه الكثرة المناصرة للباطل باسم الواقعية والمصلحة العامة، مستشهدا ببطولات سيدنا الحسين وباكيا على دمه وممجدا انحيازه للحق حتى وإن وقف الجميع ضده.
يوما بعد يوم يزداد إعجاب الناس بصمود المثقف فى وجه طوفان المنافقين والظلمة والمبرراتية، يزداد الإقبال على صحفه وكتبه وبرامجه وأعماله الفنية، فيكتسب إلى جوار نجاحه المادى نفوذا أدبيا ومعنويا يصعب مهمة قمعه على السلطة، يتأثر المثقف بالتفاف الناس من حوله، فتخفت نبرة هجاء الشعب التى كان يدمنها، لتعلو نبرة التبشير بثورة الشعب على الظلم.
تثور قطاعات من الشعب بعد أن ينفد صبرها على بؤسها المزرى، فيجد المثقف نفسه وسط قرائه فى الميدان، فيشعر أن الدنيا أعطته كل ما كان يحلم به، لكن ضعفه البشرى يجعله يتصور أن الأجيال الشابة التى احتفت به فى الميدان ستعامله بوصفه قائدا مسموع الكلمة، تأخذه الجلالة فينسى كل ما قرأه عن طبيعة الثورة وتقلباتها، وينسى أيضا كيف كان قبل الثورة يفتخر بتحطيم أى قداسة لأى شخص مهما كان عطاؤه ونضاله، كأنه كان يظن أن ما فعله فى رموز الأجيال السابقة لن يصيبه أبدا، لكنه يجد نفسه وقد تحول إلى هدف لانتقاد الشباب الذين طالما احتفى بهم وكال لهم المديح وقام بتخصيص مساحات فى صحفه ومجلاته وبرامجه لعرض ما يكتبونه من تعليقات لاذعة وجارحة على مواقع التواصل الاجتماعى، معتبرا أن ذلك جزء من طبيعتهم الثائرة يجب الاحتفاء به وتفهمه.
يرفض الشباب الثائر ما بات يقوله المثقف عن الواقعية السياسية وأهمية تغيير طريقة اللعب، لأنهم تعلموا منه فى السابق تسخيف كل من يقول ذلك والتشكيك فى نواياه، ومع تصاعد رفضهم لمواقفه، يتهمونه أنه كان مفتونا بدم الحسين، ليس حبا فى الحسين، ولكن لأنه لم تتح له فرصة التعامل مع يزيد، وعندما جاءت الفرصة وجد أن صحبة يزيد أضمن وأأمن من البكاء على دم الحسين وتمجيد صموده.
يصاب المثقف بالإحباط والمرارة لأن جيل الشباب نسى دوره فى مواجهة القمع والفساد، كان يمكن أن يتجاهل آراءهم ويعبر عما يؤمن به ويراه حقا، لكن لأنه انشغل كثيرا بمحاولة إصلاح العالم وأهمل إصلاح ذاته، وتركها تتضخم بفعل النجاح الساحق الذى كفلته له موهبته، فإنه لا يأخذ فرصة لالتقاط أنفاسه وتأمل مواقفه، بل يجعل ذاته الجريحة تقود خطواته، فيندفع فى مهاجمة من كان يتغزل بتضحياتهم، ولأن معركته معهم صارت شخصية، فهو لا يجد أدنى حرج فى أن يؤلمهم كما آلموه، فيبدأ فى وصفهم بالمخنثين والمراهقين والسفهاء والتُفّه والخونة، دون أن يتذكر أن تلك الأوصاف كانت تطلق عليه عندما كان فى موقع الرفض الذى يقف فيه أولئك الشباب الآن، وعندما يشعر أحيانا أنه قد غالى فى شتائمه، وأن أحدا لن يصدقه عندما يتحدث عن تربحهم من الثورة، لأنهم لم يأخذوا منها سوى فقد رفاقهم وأعينهم وسلامهم النفسى، ولم يحصلوا مثله بفضل الثورة على صحيفة أو قناة تليفزيون أو برامج، لذلك يتحدث عنهم بشكل أقل عدائية، لكنه يحرص دائما على تذكير الناس بأنهم قلة ضئيلة لا تشكل أى تأثير مقابل صوت الجماهير الحاشدة الزاحفة لتأييد السلطة الحالية.
يتناسى المثقف كل مقالاته وبرامجه التى كان يمجد فيها الأقلية التى تكافح من أجل مبادئها وإن وقفت ضدها الملايين، يتناسى أن الملايين رأت أن مبارك يستحق فرصة ثانية بعد خطابه العاطفى، ومع ذلك انتصرت إرادة الأقلية التى لم ينطل عليها خداعه، يتناسى أن الملايين من المواطنين الشرفاء وأنصار تيارات الشعارات الإسلامية رأوا أن المجلس العسكرى على الحق وأنه يواجه مؤامرة كونية، ومع ذلك فقد انتصرت إرادة الأقلية التى رفعت فى مواجهة الجميع الصفحة الأولى لصحيفة التحرير التى نشر فيها الأستاذ ابراهيم عيسى صورة ست البنات التى يدوسها الجنود ببياداتهم ونشر إلى جوارها كلمة (كاذبون) ليعلن للجميع أن رفض أخطاء أى قيادة عسكرية والمطالبة بمحاسبتها لتحقيق العدل لا يمكن أبدا أن يكون تآمرا على الجيش المصرى بل حرصا على تطهيره وحمايته، يتناسى المثقف أن تيارات الشعارات الإسلامية لم تستفد بمتاجرتها بأصوات الملايين الممنوحة لها ووصف معارضيها بأنهم قلة مندسة مأجورة، وأخيرا يجهل المثقف أنه بات مثارا للسخرية لأنه يضيع أغلب وقت برامجه وأغلب مساحات مقالاته فى الحديث عن انعدام تأثير الأقلية الثائرة، مع أنهم لو كانوا عديمى الأهمية لما انشغل بهم أبدا، ولشغل نفسه وجماهيره الحاشدة بما هو أجدى.
قراءة المثقف للتاريخ علمته أن مثقفين أهم منه بكثير اتخذوا مواقف أكثر انحطاطا من مواقفه الحالية، لكنهم أفلتوا بفعلتهم لأنهم ضبطوا موجتهم دائما على هوى فئة «المواطنين الشرفاء» التى كانت سابقا تشترى الصحف والآن باتت تجلب الإعلانات اللازمة لرفع سعرك كمقدم برامج، ولذلك يدرك أهمية أن تظل موجودا ومتصدرا للصفوف دائما، وأن يكون صوتك عاليا بدرجة محسوبة، وأن تكون جارحا فى سخريتك لكى لا يظهر توترك الداخلى، فيشعر الناس أنك متماسك قوى الحجة، لأن هذا وحده ما سيؤخر تغييرهم لزرار الريموت، ويطيل بقاءك فى صدارة المشهد لأطول فترة ممكنة.
لكن، يوما ما سيكتشف المثقف أن تبريره لخطايا السلطة لن يؤمنه هو وسلطته إلى الأبد، لأن ما يؤمن أى سلطة فى الدنيا ليس إلا قدرتها على تغيير الواقع بشكل ذكى وفعال يضعف موقف معارضيها دون حاجة إلى مبرراتية ولا مؤيدين، حتى لو كانوا مناضلين سابقين، لأن سكة الاستعانة بأصحاب سوابق النضال «اتهرست فى كذا سلطة» ولم تنفع أصحابها أبدا.
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.