ببساطة شديدة، كان من الممكن أن تتابع ذلك الرجل الذى يسير بسرعة وجدية حاملا بين يديه حقيبة منتفخة، من الواضح جدا أنها مليئة بالأوراق، كما من الواضح أنه على عجلة من أمره ليلحق بموعد يبدو أنه شديد الأهمية، وكان يمكن أن تشاهده أيضا عابرا ميدان التحرير، أو قاطعا الشوارع المحيطة به أو أمام مبنى جامعة الدول العربية، أو مارا فوق كوبرى قصر النيل، وأحيانا يقطع الطريق ليلتقط سيارة أجرة يقفز فيها بصورة مذهلة لا تتناسب مع سنه البادية على ملامح وجهة، وببساطة أيضا ستشاهد نفس الرجل، مساء، جالسا فى هدوء شديد فى المنتديات التى يرتادها المثقفون والنخبة، واضعا كفيه على خديه يستمع بتركيز مدهش لشاب فى مقتبل العمر، ولا يكل ولا يمل من سماع كل من لديه رغبة فى الحديث وإبداء الرأى، كان الرجل النحيل النشط صباحا، هادئا مساء مبتسما لا يغادر إلا بعد منتصف الليل.. وهكذا تعرف أبناء جيلى على عميد الديبلوماسية المصرية الدكتور أسامة الباز، الذى رحل عن عالمنا صباح أمس، وكان الرجل الوحيد، تقريبا، فى مطلع سنوات الثمانينيات، الذى يشغل وظيفة مسماها مدير مكتب الرئيس للشئون السياسية، وكان كل معارضى هذا الرئيس، بل وكارهوه، يوافقون أحاديث ذلك الرجل ويحبونه. كان الدكتور أسامة الباز، يشغل أهم المناصب فى الدولة، فى واجهة السلطة، ومن لا يعرف ذلك لا يمكن أن يصدق أبدا أن هذا الرجل الذى يسير على قدميه، ولا يركب السيارات السوداء الفارهة، والذى يجلس على المقاهى، أنه من قلة يتخذون قرارات مصر المصيرية، وعميد ديبلوماسيتها، وربما واحد من القلائل الذين عملوا مع عبدالناصر والسادات ومبارك، وكان دوما العقل المفكر للسياسة الخارحية المصرية، ولم يرغب أبدا ان يكون وزيرها، فقط كان يقدم نفسه بصوته الرخيم أنه «وكيل أول وزارة الخارجية المصرية»، وحينما سمعت هذه الصفة لأول مرة، سألت الدكتور عصمت عبدالمحيد، وكان وقتها هو وزيرا للخارجية، بحثا عما كنت أعتقد أنه قصة خبرية هامة، كيف غادر الدكتور أسامة منصب مدير مكتب الرئيس للشئون السياسية؟ فضحك الدكتور عصمت عبدالمجيد، وقال إن الدكتور أسامة يعمل فقط، عقل لا يتوقف، لا بفضل الاستعانة بمنصب ملتصق بالرئيس، يشرف بانتمائه للخارجية المصرية، ويومها قال لى الدكتور عبدالمجيد، إن الدكتور الباز يرفض على الدوام منصب الوزير، يريد أن يعمل بحرية ويعيش كذلك أيضا بعيدا عن بريق السلطة والتزاماتها، ووفقا لتعبير الدكتور محمد إبراهيم كامل، وزير الخارحية فى زمن كامب ديڤيد، إن اسامة الباز هو سلطة فى الظل تعرف جيدا كيف تهرب من الأضواء. أسامة الباز كان الرقم الصعب فى كافة معادلات السياسة المصرية لما يقرب من 35 عاما «1970 - 2005» فحتى بعد أن غادر مناصبه الرسمية كان دائما هناك لحظة اتخاذ القرارات، المشكلة أن الرجل ظل صامتا طوال عمره، وحينما كنا نسأله، كان هو الذى يسألنا، ويحصل منا على الأخبار، وأعتقد أن الصحافة لم تنجح فى اقتحام خزانة الأسرار التى يمتلكها، وهى مليئة بالكثير، خاصة فى ملف العلاقات المصرية / الفلسطينية / الإسرائيلية، ومنذ سنوات لا يتواصل أحد مع الرجل لظروفه الصحية، وكنت قد عرفت أنه كان قد شرع بالفعل فى كتابة مذكراته، ولم نتمكن من معرفة إذا كان قد تمكن من الانتهاء منها أم لا، وهل قرر نشرها فى حياته أم بعد وفاته. رحم الله أسامة الباز كان رجلا مخلصا لهذا الوطن متفانيا فى خدمته، وهذه شهادة حق واجبة لرجل نجح فى أن يضع السلطة فى الظل.