اشتهر الاهتمام «بعلوم الحديث النبوى» مبكرا قبل الاهتمام ب«علوم القرآن» لأن الناس تأكدوا أن الله ضمن حفظ القرآن وعدم تحريفه فلاخوف من ضياعه، فاتجهت جهودهم إلى جمع روايات الحديث وتوثيقها ثم إبداع منهج للفرز واليقين، وتعددت عندهم درجات التوثيق من درجة (ضعيف/ موضوع/ مدرج/ شاذ/ آحاد/ مشهور/ متواتر) كمستويات لتوثيق الروايات الحديثية. وسبب هذا التعدد أن «الحديث النبوى» كان فى الأعم والأغلب حوارا بين الرسول [ وبين فرد أو جماعة محدودة العدد، لذلك تجد بعض مرويات الحديث النبوى قد تناقله عبر كل قرن من القرون الثلاثة الأولى إما فرد أو فردان أو حول ذلك وهناك بعض مرويات يتداولها عدد أكبر من الرواة، وهذا هو السبب فى أن نجد فى وصف «مرويات الحديث» روايات آحاد، «روايات مشهورة» زاد عدد رواتها عن الآحاد، أو «روايات متواترة» وتلك التى رواها فى كل جيل أو طبقة عدد من الرواة يستحيل تواطؤهم على الكذب.
(2)
وهنا ينبغى أن نتذكر أن هناك مناسبات محددة معدودة قد صدر فيها أمر الرسول [ للناس أن يتداولوا ما صرح به فى تلك المناسبات وأن يحفظوها، وهذه المرويات المتواترة فى الأحاديث النبوية مثل قوله [ (خذوا عنى مناسككم) وكذا (صلوا كما رأيتمونى أصلى) أو تلك المرات المعدودة التى يقول فيها (ألا فليبلغ الشاهد الغائب) وكل ذلك مفهوم ومقبول حيث إن مرويات الأحاديث النبوية كانت فى كثير من الأحيان مقصورة على من حضر سماعها، وهذا الاقتصار لا يعرفه القرآن أبدا منذ أوله إلى آخره، فما من آية نزلت على الرسول [ إلا وسارع بإعلانها وإبلاغها للناس ثم سارع ثانيا بإبلاغها لأول من يلقاه من كتبة الوحى، ثم ها هو الدين يفرض تلاوة القرآن فى الصلوات وخصوصا الصلوات الجهرية، فكل يوم يستمع المسلمون للقرآن الكريم من فم الرسول
وقد استمع أهل مكة وكل من مر بها، وأهل المدينة وكل من ذهب إليها إلى القرآن يتلى ويكرر آناء الليل وأطراف النهار، وعلى ذلك فطبيعة القرآن غير طبيعة الحديث النبوى، فبينما معظم الحديث النبوى صدر خاصا بمن سمع وحضر، نجد القرآن الكريم يشيع بأمر الله ويتداوله الجميع، ويتلى كل يوم فى الصلوات.. لهذا فلا مجال لأى قول عن مستويات الروايات الخاصة بالقرآن، فجميع آيات القرآن بجميع كلماتها وحروفها بل بضبط التشكيل لكل حرف كل ذلك قد تم تداوله وشيوعه وإتقانه بالآلاف المؤلفة من الأنفس فى كل طبقة من عمر الأمة وحتى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
(3)
كذلك فمعظم علوم الحديث قد ظهرت عند نهاية القرن الثانى وذلك نظرا للحظر النبوى الخاص بعدم كتابة الحديث النبوى، فبقى الحديث النبوى فى الأعم الأغلب محفوظا فى الصدور دون كتابته فى أوراق مما استلزم ابتكار علوم لتنظيم تلقى الأحاديث النبوية ولضمان تنقيتها مما يكون قد علق بها من أوهام أو أكاذيب. لكن القرآن الكريم ولأن الله جل جلاله قد سماه «قرآنا» فهو يقرأ منذ نزوله، وقد سماه الله «كتابا» فهو يكتب منذ أول نزوله فلم يكن القرآن فى يوم من الأيام بحاجة إلى مراجعة سند الرواية ولا الإشهاد على صحته، فالقرآن كل القرآن متداول آناء الليل والنهار يتنافس الصغار والكبار على حفظه وتلاوته وتدبره ثم كانت عصور التدوين ثم الطباعة ثم التسجيل ثم ثورات الميديا والرقمية.