مجلس النواب يجدد ندب المستشار أحمد مناع أمينًا عامًا للفصل التشريعي الثالث    محافظ أسيوط: صيانة وتركيب كشافات كهرباء لرفع كفاءة منظومة الإنارة بأبوتيج    أسعار اللحوم اليوم الأربعاء 14-1-2026 في الأسواق ومحال الجزارة الأقصر    أودي تنهي عام 2025 بتراجع إجمالي رغم تحسن في الربع الأخير    منال عوض توجه بالانتهاء من دراسة تقييم الأثر البيئي لمشروع توليد الكهرباء من الرياح    بمناسبة عيد الشرطة وشهر رمضان.. إطلاق المرحلة ال28 من «كلنا واحد» غدًا    السعودية ترحب بتصنيف الولايات المتحدة لفروع الإخوان جماعات إرهابية    تريزيجيه: نمتلك مفاتيح الفوز على منتخب السنغال والتأهل لنهائي أفريقيا    ماني يتفوق على صلاح في سباق خاص قبل نصف نهائي أمم إفريقيا    تشكيل أهلي جدة المتوقع أمام التعاون بالدوري السعودي    موعد مباراة بايرن ميونخ أمام كولن في الدوري الألماني    "تعليم الإسكندرية" يتفقد امتحانات النقل لنصف العام    أجواء شتوية غائمة.. الأرصاد تكشف خرائط الأمطار المتوقعة على كافة الأنحاء    حبس طالب متهم بتهمة التحرش بطالبة فى العياط 4 أيام    رفع 41 سيارة ودراجة نارية متهالكة خلال حملات مكثفة بالمحافظات    منصور عامر: ثلث ثروتي وقف خيري.. وفتح حساب للآخرة أولى من انتظار الذكر بعد الوفاة    الجيزة تعلن 32 مركزا للوقاية من السعار للحالات الناتجة عن عقر الكلاب الضالة والحيوانات    الرعاية الصحية: مستشفى حورس التخصصي بالأقصر قدّمت 2 مليون خدمة طبية    نواب أوروبيون يطالبون بوقف الإبادة في غزة وإنهاء اتفاقية الشراكة مع إسرائيل    الإسكان في المقدمة ب 77 عضوًا، توزيع أعضاء النواب على اللجان النوعية    برلمانيون: قرار واشنطن إدراج «الإخوان» ككيان إرهابي خطوة فارقة    عاجل- الرئيس السيسي يتلقى تحيات ترامب ويؤكد قوة التعاون الاستراتيجي بين مصر وأمريكا    مصرع شاب إفريقي إثر سقوطه داخل منور عقار في مدينة نصر    النيابة العامة تجري تفتيشا لمركز إصلاح وتأهيل جمصة «1»    محمد نوارة المؤلف الموسيقي ل ده صوت إيه ده؟: أول تجربة موسيقية سينمائية لي.. والأفلام الميوزيكال تحدٍّ كبير    مأساة طبيب الشرقية.. ضحى بعمره من أجل ابنه وفي النهاية «أخد شقاه»    منتخب «حسام» آخر انسجام    طارق مصطفى: "لم يتواصل معي مجلس إدارة الزمالك بشأن تدريب الفريق"    على خطى والده.. أياكس يتعاقد مع نجل إبراهيموفيتش    وزير الصحة يناقش الخطة الاستثمارية ويتابع مستجدات منظومة التأمين الشامل    «عبدالغفار» يناقش الخطة الاستثمارية لوزارة الصحة ويتابع منظومة التأمين الصحي    شقيق شيرين عبدالوهاب: هناك حملات ممولة لتشويه كل من يقف بجانبها    سعر الدينار الكويتي اليوم الأربعاء 14يناير 2026 أمام الجنيه    مد فترة التقديم على وظائف بمشروع الضبعة النووية حتى 22 يناير 2026    موعد انطلاق معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026    ارتفاع أسعار الذهب.. الأسباب والتوقعات المستقبلية    موعد ليلة الإسراء والمعراج 2026 الخميس أم الجمعة؟ وحكم صيامها وأفضل الأعمال    اسعار الحديد اليوم الأربعاء 14يناير 2026 فى المنيا    جيش الاحتلال الإسرائيلي يتوغل في ريف القنيطرة جنوبي سوريا    وزير الري يتابع إجراءات تحسين منظومة إدارة وتوزيع المياه    وفد حكومي ألماني يشيد بتجربة التعليم المجتمعي بالزينية خلال زيارته لتعليم الأقصر    «عبدالغفار» يبحث التعاون الصحي وتكنولوجيا تصنيع الأدوية مع سفير كازاخستان    الوزير يقرر.. مكافأة مقطوعة للعاملين في الآثار بمناسبة عيدهم | تفاصيل    الشرطة التايلاندية: مقتل 22 شخصا على الأقل إثر سقوط رافعة على قطار شمال شرق العاصمة بانكوك    اليوم.. محاكمة 50 متهما بقضية الهيكل الإداري للإخوان    ترامب يناشد متظاهري إيران بالسيطرة على المؤسسات: المساعدة في الطريق إليكم    «استدعاء هيكل».. بين التراث الفكري والتحليل الاستراتيجي لصراعات الشرق الأوسط    تعرف على خطوات الحصول على قيد عائلي رقمي    سفارة تركيا بالقاهرة تُنظم "فعالية العائلة" لدعم الأسر والأطفال الفلسطينيين    العثور على 100 عمل سحر مدفونة في مقابر المراشدة بقنا    السلطة السادسة وإعادة تشكيل ميزان القوى بالعالم في كتاب جديد للكاتب الصحفي محمد يونس    كأس إيطاليا - هدف قاتل يقصي روما من ربع النهائي أمام تورينو    نقيب الزراعيين ل«ستوديو إكسترا»: إضافة 4 ملايين فدان للرقعة الزراعية سد عالى جديد    الاتحاد السكندري يعلن التعاقد مع أفشة رسميا على سبيل الإعارة    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 13يناير 2026 فى محافظة المنيا    «تروما الصحافة الاقتصادية».. كيف تصنع الأزمات المالية صدمة نفسية خفية داخل غرف الأخبار؟    تأهل متسابقين من بورسعيد للمنافسات النهائية للمسابقة الدولية للقرآن الكريم    دار الإفتاء تحدد موعد استطلاع هلال شهر شعبان لعام 1447 هجريا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



عن العصا
نشر في الشروق الجديد يوم 31 - 12 - 2011

ضرب عشوائى لا يعرف حدودا ولا قيودا، ذلك الذى رأيناه ينهال على أجساد المتظاهرين فى الفترة الأخيرة، بواسطة عصى أكسبها بعض الجنود عنفا غير مبرر، ربما استوحوا منطقهم من تصريحات سابقة لمصدر عسكرى اسرائيلى قال فيها إن الضرب أكثر فاعلية من الاعتقال، فالمعتقلون الفلسطينيون يتم إطلاق سراحهم خلال 18 يوما فيواصلون رمى الجنود بالحجارة، ولكن إذا قامت القوات بكسر أيديهم فلن يستطيعوا رمى الحجارة لمدة شهر ونصف... مجرد محاولة ساذجة، من ناحيتى، لفهم منطق الهراوات الذى استعصى علىّ تبرير ما اتسم به من عنف وغل، إذ لم نتعود هكذا من قبل أن تصبح العصا أو الهراوة أو النبوت أو الشومة سمها كما شئت جزءا من الحياة اليومية.. تباع بأنواعها وأشكالها المختلفة على النواصى وفى الميادين وحتى على الطريق الصحراوى، كما الخضراوات والفواكه الطازجة التى قطفت لتوها من المزارع المتتالية. المشهد جد غريب، فالكثيرون قرروا الاحتماء بأول الأسلحة التى اخترعها الإنسان ولاذوا بطرق بدائية للدفاع عن النفس، والعسكر قرروا بدورهم العمل بالمثل القائل: «العصا لمن عصى». وبالتالى أصبح من الطبيعى أن يسير النعش وراء النعش، وأن يعلن عن ميت بين ساعة وأخرى، وأن يتلمس بعض الشباب طريقهم بواسطة العصا فى ظلامهم الأبدى بعد أن فقدوا نور أعينهم فى التحرير، وأن تتصاعد جعجعة النبابيت على الأقل مرتين فى الأسبوع. هل رجعنا لزمن الفتوات والحرافيش الذى وصفه نجيب محفوظ، عندما كان الفتوة يمثل الشرطة الشعبية داخل الأحياء وحارس أبواب القاهرة فى القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن الماضى، ثم اختفى مع انتشار أقسام البوليس؟ قطعا هناك فرق، فحتى وقتها كان للفتونة «النقية» أصولها (دون رغبة منى فى إكسابها مثالية ليست فيها)، يروى مثلا نجيب محفوظ فى قصة «فتوة العطوف» كيف لجأ رجالات السياسة لأحد الفتوات وساوموه على شراء أصوات أنصاره وأتباعه فأخذ منهم النقود ثم ذهب هو وصحبه لإعطاء أصواتهم لمرشحى سعد زغلول.

تداعت فى ذهنى التأملات حول العصا والفروقات بين من يمسكها وفى أى إطار، بما فى ذلك رمزية العصا وما تحمله من معانى قمع وعصيان، سلطة وحكمة، إتكاء وعِشرة، بل وذكورة أحيانا.. إذ كان الرجال فى أوروبا حتى نهاية القرن التاسع عشر يستنكرون على النساء حمل العصا، بينما كانت بنات الحارة فى مصر تتتراقصن بالنبابيت لانتصار فتوة الحى على غريمه، بعد أن كانت الزفة تفور بضربات النبابيت نفسها.

قد تكون عصا موسى هى الأشهر عندما تحولت إلى ثعبان كبير التهم ثعابين سحرة فرعون، وبها فلق البحر ليعبر إلى سيناء بينما غرق فرعون وجيشه، لكننا لسنا فى زمن المعجزات.. وكان للنبى موسى أيضا فى عصاه مآرب أخرى «وظيفية»، إذ استعملها كأى أعرابى ليهش بها على غنمه ويتوكأ عليها...تماما كسيدنا سليمان الحكيم أو حتى الكاتب توفيق الحكيم.. فكلاهما حمل عصاه للنهاية، كابنة من الخشب على حد وصف الأخير. فما بين عامى 1946 و1951 كتب ونشر توفيق الحكيم بعض الأحاديث مع عصاه البسيطة والمصنوعة من الخشب الأبيض، تلك التى لازمته منذ أن عمل وكيلا للنيابة فى مدينة طنطا سنة 1930، وتم تجميع هذه الأحاديث بين ضفتى كتاب بعنوان «عصا الحكيم» ليخلد ذكراها، متحدثا عن شئون الناس والفكر والمجتمع. وقد كان يكن لها من الإعزاز ما لم يجعله يتحدث قط فى كتابه عن سياسة «العصا والجزرة»، لما يوحى به المصطلح من تلاعب وضغط على جميع الأطراف، ونأى بنفسه أن يربط عصاه بمثل هذا السلوك المتبع قديما فى أوروبا لترويض البغال أو الحمير، فإن طاوع الحمار أعطى الجزرة وإن عصى فله العصا، أو أن تربط الجزرة فى نهاية عصا لتتدلى أمام الحمار لكى يستمر فى السير أملا فى الوصول إلى الجزرة.. كان الحكيم شغوفا بالحمير، رحيما بها.. وكذلك كان ممتنا لعصاه التى قاسمته أيامه بحلوها ومرها، ففضل أسلوب الحوار المباشر فى كتابه، ليتفقد أحوال المصريين.

تكلم مع عصاه مثلا عن افتقادنا لروح الجماعة وكيف لاحظ هواة كرة القدم أن فى «التيم المصرى» كل فرد يلعب مستقلا عن المجموعة، وتطغى عليه براعته الخاصة فيأتى اللعب مرتجلا، والمصادفة هى التى تقرر النجاح أو الفشل.. وقالت له العصا فى موضع آخر: «يخيل إلى أن فى مصر خبيرا عبقريا، مهمته الدقيقة: أن يضع كل شىء فى غير محله»، مفسرة لنوع من النبوغ المصرى يستحيل معه وضع الشخص المناسب فى المكان المناسب... وواضح أن دوام الحال ليس دائما من المحال، فعندما يبذل العسكرى فى الشارع مجهودا عضليا مضنيا ليشير بعصاه البرتقالية للسيارات كى تتقدم، فى حين لا مجال لذلك لأن السير متوقف تماما، أتساءل: إلى متى؟.. وأتذكر عصا الحكيم وما قالته منذ الخمسينيات.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.