بعد غزو التليفزيون لعقول شعبنا، تغير الكثير من العادات والسلوكيات، وكان أبرز معالم هذه التغيرات، الجنوح إلى تبنى قيم نقيضه لأنساق القيم التى توارثها شعبنا عبر آلاف السنين، مثل الوأد الاجتماعى والمعنوى للمرأة، ومثل تكفير الكثير من المنتج الثقافى القومى، كفرض تحية واحدة ضد تعدد التحيات المصرية، وتحريم الاحتفال بسبوع الطفل، وتحريم خميس وأربعين المتوفى. ورغم هذه التغيرات السلبية المعادية لثقافتنا القومية، ظلّ الأميون المصريون، على رأس خط الدفاع الأول عن خصوصيتنا الثقافية، حتى فيما يتعلق بالاحتفال بالمناسبات الدينية، التى يراها الأصوليون ضد تعاليم الإسلام، مثل ظاهرة الاحتفال بأولياء الله، وهى ظاهرة شديدة الأهمية لدى الباحث صاحب العقل الحر، لأنها الدليل الساطع سطوع شمس بؤونة على وحدة شعبنا، فهذا الولع بالاحتفال بالأولياء اشترك فيه المسلمون والمسيحيون، لسبب بسيط وهو أنهم أبناء ثقافة قومية واحدة. والمصريون المسلمون يحتفلون بمولد الرسول (ص) بينما العرب لا يحتفلون بهذه المناسبة، ويرى الأصوليون أنها بدعة ضارة، وحجتهم أنّ الرسول لم يحتفل بعيد ميلاده، وهذا عكس ثقافتنا القومية التى عرفتْ تعدد الاحتفالات، ويكفى أنْ نعرف أنّ عيد رأس السنة من إبداع الحضارة المصرية. وأنّ جدودنا المصريين القدماء كانوا يحتفلون بمناسبة عيد ميلاد الطفل، بعد مرور عام من مولده، وأنّ هذا التقليد أخذه اليونانيون من مصر ثم انتقل إلى أوروبا.
والعقل الحر يتساءل: لماذا يكون احتفال شعبنا بشهر رمضان مختلفًا عن استقبال العرب لهذا الشهر؟ إبداع يأخذ أشكالا متعددة، بدءًا بتعليق أوراق الزينة فى الحارات الشعبية، وكثرة الإضاءة وإبداع فانوس رمضان، والزيارات المتبادلة بين الأسر، وإبداع المواويل والرقصات، وهى كلها مظاهر لم يعرف العرب إلاّ بعضها مؤخرًا تأثرًا بثقافتنا القومية. وعن تجربة شخصية (منذ طفولتى وحتى الآن) عرفتُ بعض الأسر المصرية مسيحية الديانة، كان بعض أفرادها يصومون معنا فى شهر رمضان، وعرفتُ سيدات مصريات مسلمات يشاركن جاراتهن المسيحيات فى صيامهن، وعرفتُ سيدات مصريات مسلمات ينذرن النذور للسيدة مريم العذراء، وعرفتُ سيدات مصريات مسيحيات ينذرن النذور للسيدة زينب. وما لمسته وعايشته بنفسى أكد عليه عالم الاجتماع الكبير د.سيد عويس فى أكثر من كتاب من كتبه.
فإذا انتقلنا إلى الاحتفال بعيد الفطر عقب نهاية شهر رمضان، نجد ظاهرة غاية فى الأهمية والخصوصية فى نفس الوقت، ألا وهى ظاهرة كعك العيد، فهذه الظاهرة تحمل فى طياتها الدليل الآخر على وحدة ثقافتنا القومية، حيث يشترك فيها المسلمون والمسيحيون، كجزء من الاحتفال بنهاية شهر/ شهور الصوم عند المسيحيين والمسلمين. المظهر الثانى فى ظاهرة الكعك، أسلوب عمل الكعك، حيث إنّ النقش الذى يتم على قرص الكعكة، قرص الشمس مثلما كان يفعل جدودنا فى مصر القديمة. كما أنّ تعدد الأصناف من بسكويت وغريبة وقراقيش ومنين، امتداد لتعدد صناعة الخبز والحلويات فى مصر القديمة، لدرجة أنّ بعض علماء المصريات والآثار، وجدوا أنّ جدودنا المصريين القدماء صنعوا ستين شكلا لرغيف الخبز، المظهر الثالث فى الاحتفال بنهاية شهر/ شهور الصوم عند شعبنا مسيحيين ومسلمين طلوع القرافة للترحم على أمواتنا، ولا تكتمل زيارة المقابر إلاّ بحمل القفف والسلال الممتلئة بأقراص الكعك والشريك والمنين التى أبدعتها يد المصريات، لتوزيعها على الأطفال فى المقابر. والباحث الحر يبتهج عندما يقرأ فى كتب علم المصريات أنّ تعبير الرحمة الذى يستخدمه شعبنا عند توزيع الكعك والبلح الترجمة العربية لذات التعبير الذى كان المصريون القدماء يستخدمونه عند زيارة المقابر.
فى اليوم الأول للعيد، وبعد الإفطار، يكون الطقس المقدس، أى تناول الكعك والبسكويت مع الشاى بالحليب، طقس مصرى لا علاقة له بالدين. وبعد الانتهاء من زيارة المقابر، تنطلق الأسر للاحتفال بالعيد الذى يأخذ العديد من الأشكال: الذهاب إلى الحدائق العامة، ركوب المراكب فى النيل، زيارات عائلية بين الأسر ذات المستوى الاجتماعى الواحد، الأسر ذات الثراء المادى تزور الأسر الفقيرة وتقديم الهدايا. ولعلّ ظاهرة العيدية التى نشأنا عليها منذ طفولتنا، أى المبلغ النقدى الذى يحصل عليه الطفل من أبيه ومن عمه ومن خاله ظاهرة تكاد تكون مصرية 100% وربما لا يكون لها أى مثيل فى أى مجتمع آخر.
وإذا كان الإسلام يعتنقه الكثير من الشعوب، وكذلك الديانة المسيحية، إلاّ أنّ الظاهرة التى يتجاهلها كثيرون، هى أنّ المسلمين والمسيحيين المنتشرين فى العالم، يختلفون فى طقوس احتفالاتهم. ما هى دلالة هذه الظاهرة الساطعة سطوع شمس أبيب؟ الدلالة المؤكدة هى أنّ لكل شعب خصائصه القومية، المجسدة فى أنساق قيمه ومجمل عاداته وطرائق تفكيره. يؤكد ذلك أنّ الشعب السعودى يحتفل بعيد الفطر وعيد الأضحى، بالذهاب إلى المناطق الصحراوية ونصب الخيام وشى اللحوم. هذا هو المظهر الوحيد للاحتفال بالعيد، والذى عبّر عنه الأديب الكبير سليمان فياض فى روايته البديعة (لا أحد) إذن فكما أنّ الشعب السعودى له خصوصيته القومية، كذلك نحن المصريين لنا خصوصيتنا القومية، خصوصية تأسّستْ على التعددية ضد الأحادية، على تبجيل الطبيعة، على البهجة لمقاومة الانكسار، على الاستفادة من خبرة تواصل الأجيال (زيارة المقابر نموذجًا) هذه الخصوصية القومية هى التى أبدعت الكثير من أشكال الاحتفالات، مثل الاحتفال بمقدم فصل الربيع (شم النسيم) والاحتفال بموسم الفيضان (وفاء النيل) والاحتفال بأولياء الله. والاحتفال ب(طلعة رجب = يوم 27 من شهر رجب) والاحتفال ب(نُص شعبان) ورغم أنّ المناسبات الأخيرة دينية، فإنّ الكثير من الشعوب الإسلامية لا تعرف الاحتفال بها كما يفعل شعبنا. ونفس الشىء نجده عند تعدد احتفالات المصريين المسيحيين، ولعلّ أبرزها تعدد الاحتفال بالقديسين، والتى يحضرها مسلمون مع المسيحيين، بل إنّ تعدد مناسبات الصيام عند المصريين المسيحيين، لا مثيل له عند بعض الشعوب الأخرى المؤمنة بالديانة المسيحية.
إنّ ما ذكرته من أمثلة قليلة، يؤكد على حقيقة أنّ لكل شعب خصائصه الثقافية القومية. وأنّ الثقافة السائدة فى مصر تحاول محو خصوصية شعبنا، سواء من خلفيات أيديولوجية سياسية، أو من تعصب عرقى أو من دوافع عاطفية، وكل هذا ضد لغة العلم الذى ينفر من أية أيديولوجيا، ويستبعد العواطف عند رصد المظاهر الاجتماعية.