علوم الإسكندرية تنظم احتفالية بيوم الأرض العالمي    رئيس كوريا الجنوبية: إطار العمل الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادي يهدف لوضع قواعد للاقتصاد    الفلبين: مصرع 7 أشخاص إثر اندلاع حريق في عبارة وإنقاذ نحو 100 آخرين    أتلتيكو مدريد يحسم المركز الثالث في الدوري الإسباني وغرناطة ثالث الهابطين    40 تأشيرة لحج الجمعيات لمواطني جنوب سيناء    ترغب في فقدان الوزن؟.. عليك بعصيدة الشوفان المثالية    هيونداي موتور تعتزم استثمار أكثر من 10 مليارات دولار في أمريكا حتى 2025    اليونان تسجل 2385 إصابة جديدة و11 وفاة بفيروس كورونا    فرص تدريب للطلاب بالبنك الأهلي المصري 2022.. تؤهلهم للعمل المصرفي    ضعف الإنتاج يهبط بصادرات القمح الكندي.. «خامس أكبر منتج عالمي»    حالة الطقس.. ارتفاع تدريجي في درجات الحرارة يستمر لنهاية الأسبوع    ورقي ثم إلكتروني| بدء امتحان الرياضيات للصف الأول الثانوي    بالأسماء.. إصابة 9 عمال في انقلاب سيارة ميكروباص ب«زراعي بني سويف»    إيقاف الحركة الجوية بمطار بغداد لسوء الأحوال الجوية    ربنا يسعدكم...خالد سليم يهنئ بوسي وزوجها بحفل زفافهما    فارس فى المركز الأخير.. مليون جنيه إيرادات 4 أفلام    مبروك عطية: أقسم بالله الفيسبوك مذكور في القرآن    أسعار الذهب في مصر اليوم الاثنين 23 مايو 2022    الصحة: قوافل طبية في 7 محافظات يومي 23 و24 مايو الجاري    نيابة أسوان تقرر حبس مستريح السيارات وشقيقيه 4 أيام عل ذمة التحقيقات    وزير الرياضة يشهد نهائى بطولة العالم للإسكواش.. والنهائى مصرى رجال وسيدات    سعر الجنيه الإسترليني اليوم الاثنين 23-5-2022 مقابل الجنيه في البنوك المصرية    هل لدغة النحلة تسبب الوفاة؟.. أستاذ علاج سموم وإدمان يجيب | فيديو    قوات الاحتلال ترهب الصيادين الفلسطينيين وتعتقل الأطفال    ألبانيزي يؤدي اليمين الدستورية رئيسا لوزراء أستراليا    الجيش الأوكراني يعلن مقتل أكثر من 55 جنديا روسيا في ميكولايف وخيرسون    أكثر من 5000 متفرج في المهرجان الدولي للطبول والفنون التراثية | صور    رابطة الأندية: خطة مدروسة لتطوير مستوى الحكام ومن حق الأهلي الوقوف بجانبه..فيديو    وزارتا الثقافة والسياحة والاثار يختتمان فعاليات اول مهرجان للموسيقى والغناء في تل بسطا بالشرقية    برج الحوت اليوم.. عليك أن تكون مستعداً للتعاون مع الجميع    فيديو.. عمرو أديب يغني مع فرقة مسار إجباري «ما تفوتنيش أنا وحدي»    الأمم المتحدة: الحرب في أوكرانيا تزيد النازحين قسرا حول العالم إلى 100 مليون    الزمالك يبحث عن استعادة الانتصارات في مواجهة «خارج التوقعات» أمام أسوان    ماس كهربائي يتسبب في حريق داخل «حوش» بسوهاج    البنك الأهلي يعلن إنشاء 30 فرعًا خلال ال10 سنوات المقبلة في العاصمة الإدارية    عصام عبد الفتاح: «عليا الطلاق بالتلاتة» ما قولت للحكام يطردوا سيد عبد الحفيظ    النشرة الدينية| قصة حصار النبي وأصحابه في شعاب مكة.. و5 أمور تحمي من السحر والحسد والشياطين    القومي للمرأة: قرارات النائب العام ساهمت في تمكين المطلقة من منزل الزوجية في 3 أيام    بوسي ترقص في حفل زفافها برفقة نجوم الفن.. فيديو وصور    بازوكا: محمد صلاح من أعلام مصر.. فيديو    ماري لويس: 2.4 مليار دولار إجمالي صادرات الملابس الجاهزة    مقتل رجل بالرصاص في قطار أنفاق نيويورك    الأنبا يوساب يرقي 3 من كهنة إيبارشية الأقصر إلى درجة القمصية    خبراء يدعون إندونيسيا للإسراع بمكافحة تفشي الالتهاب الكبدي الحاد    مواقيت الصلاة اليوم الاثنين 23 -5 -2022    تعرف على شرح دعاء اللهم طهرني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس    مايا مرسي: غير مسموح بالمساس بمكتسبات المرأة    فيديو.. هشام إسماعيل: بنسبة 90% يوجد جزء سابع من مسلسل الكبير    الزمالك يرفض تجميد أشرف بن شرقي بسبب مفاوضات الأهلي    بطريرك الأرمن الكاثوليك يزور السفير البابوي بمصر في مقر سفارة الفاتيكان    تعرف على شرح دعاء اللَّهُمَّ أعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ    هل ينظر ملك الموت إلى كل شخص خمس مرات في اليوم؟.. انتبه    بمليون جنيه.. ضبط 150 طربة حشيش بحوزة عنصر إجرامى بالإسماعيلية    خبير تكنولوجيا المعلومات : مسلسل الاختيار كشف عن كتائب الإخوان الإلكترونية ..فيديو    إيسترن كومباني: ندعم الأهلي ونلتزم بقرار رابطة الأندية.. فيديو    الأوقاف تعلن عن مسابقة المقاصد القرآنية    احذر.. 10 أعراض تكشف إصابتك بمرض السكر    سامح عاشور: التنسيق بين المعارضة مهم قبل بدء الحوار الوطني    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المثقفون اخترعوا لأنفسهم وسيلة للتعامل مع المجتمع بنظرة فوقية
نشر في الشروق الجديد يوم 06 - 05 - 2011

منذ التقيته لم أستطع منع نفسى من التلصص على خاتمه الفضى الكبير، كنت أبحث فيه عن شكل «الطغرى» (تكوين خطى مميز اشتهر باعتباره ختم سلطان الدولة العثمانية) التى آلت إليها خارطة القاهرة كما رسمها يوسف رخا فى أحدث رواياته «كتاب الطغرى»، سألته عن الخاتم، وكنت أعرف أنه حتما موجود، فقال «ضاع منى، وكانت تلك إشارة أن أنهى الرواية»، قال إن خاتمه «كان عبارة عن طغرى السلطان محمد رشاد الأخ الأكبر للسلطان وحيد الدين آخر سلطان للخلافة العثمانية (أحد أبطال أو بالأحرى أشباح روايته) حيث بدأت المؤامرة على الأمة الإسلامية من وجهة نظر البطل مصطفى الشوربجى».
لا ينكر رخا نقاط لقاء بين سيرته الذاتية والرواية، وأن شخوصها ليست مختلقة بالكامل، فزملاء الصحفى (مصطفى شوربة) كما اعتاد زملاؤه أن ينادوه، زملاؤه بالجريدة فى مؤسسة قومية كبرى «موجودون فى الحياة، لكن حين تكتب عن أناس تعرفهم ينزعجون، ودائما تلجأ لأدوات لتنكيرهم، أنت حين تكتب عنهم، تخدش حيواتهم، وتقول ما لم تقله لهم هم أنفسهم، وهذا يشعرك بخيانة ما تجاههم».
يمد رخا لكل شخص من شخوص روايته الحبل على استقامته؛ ليلتقط فيهم نقاط المبالغة كرسام كاريكاتير بارع، ويضعها فى الصدارة، ولأنه لا يريد لروايته «أن تقرأ فى منطقة التلصص؛ يضيف إليهم الكثير والكثير من الخيال» يؤكد بلا اكتراث «هم 3 أو 4 أشخاص ليسوا مشهورين على أية حال، ولا يُخشى من فضحهم».
يقف بطل رخا على حافة الانهيار ويكرر فى روايته أن (الدنيا انهدمت من حوله منذ لحظة انفصاله عن زوجته). لم يكن يحبها بهذا القدر، لكنها كانت المنفذ الوحيد للهرب من ازدواجيات مؤلمة فى الهوية الإسلامية المعاصرة، فليس هناك مصير «أسوأ من أن تكون عربيا مسلما» كما أكد لى رخا، فالهوية الإسلامية التى يبدأ بطله الشوربجى فى البحث عن ماهيتها بعدما ظهر له طيف السلطان وحيد الدين آخر خلفاء العثمانيين، وكلّمه عن إيمانه بأن انفتاح الدولة العثمانية كان سر قوتها واستمرارها، وأنه ما إن ظهرت فكرة القوميات، حتى بدأ الانهيار فى الأمة الإسلامية، وأن التشدد السلفى هو المعادل المعاصر لفكرة القومية وقتها، فمصدّرو الهوية الإسلامية المعاصرة (السلفيون وغيرهم من المتحدثين باسم الدين) «هم والكلام هنا على لسان رخا أساس كل البلاء الذى صارت مصر تعيشه الآن، هم جزء من المؤامرة التى تدور حولها الرواية، هم سبب مباشر أن نظل عالما ثالثا».
لا يفلت أى من أبطال «كتاب الطغرى» من تهمة ضلوعهم فى المؤامرة، فلا أمجد صلاح المصاب بحالة بارانويا حادة، يدخل إثرها إلى المصحة مرات وينتهى به الأمر إلى اعتناق أفكار السلفية السائدة باعتبارها هى التديّن، كمهرب من شبح السلطان الذى يتلبس زميلهم الفقى وحيد الدين أفندى (وهى الشخصية الوحيدة التى لا ينكر رخا أنها موجودة كما كتبها فى روايته)، ولا الزميل الثالث ميشيل فتسق القبطى الذى يدّعى الليبرالية والانفتاح.
أقول له إن هذه واحدة من المرات النادرة التى يهاجم فيها عملا أدبيا التزمت القبطى بهذه الصراحة والقسوة، فيقول: «أنت تلجأ للمختلف عنك باعتباره منفتحا، لتكتشف أنه يكون منفتحا فقط لأنك مسلم، فهو لا ينتقد التزمت الدينى لأنه ضد التزمت الدينى بل لأنه ضد أغلبية لا يريد أن يذوب فيها»، ويتابع: «فى العالم العربى كله أقليات مسيحية، لكن الأقلية الوحيدة التى تعمل ضد الانفتاح والتعدد والحريات الشخصية، هى الأقلية المصرية بامتياز، هذا يجعلنى أشعر أن التعصّب مصرى بالأساس لا إسلامى فقط ولا مسيحى فقط».
رخا لم يحب فكرة نفاق الأقلية والمبالغة فى جلد الذات أمامها، ف«الرجوع لعلاقة رائقة تدّعى أنه ليس هناك شر على الإطلاق غير منطقى»، رافضا بذلك الرسالة التى حملها عدد من الروايات التى تناولت العلاقة بين المسلم والمسيحى المصريين، معتبرا أنها: «لا تستقيم وسط عالم ينهار».
أبرز ما يميز «كتاب الطغرى» هو اللغة، ولنكن أكثر دقة «اللغات» فالرواية التى كتبت «لتكون معادلا معاصرا للغة ابن إياس والجبرتى، لا تشمل عاميّة واحدة، ولا لفظا معربا منقولا عن لغة واحدة، بل عدد من العاميات واللغات» حتى إن رخا أرفق معجما خاصا بروايته، ويقول: : «على عكس المعمول به فى الأدب المعاصر منذ يوسف إدريس وحتى الآن، من السعى لمقاربة العامية إلى لغة السرد، أردت أن أضع اللغات الموجودة داخل الرواية إلى جوار بعضها بحدة ودون تشذيب، هذه الطريقة جعلت الكتاب صعبا على القارئ الكسول، والمدرب على تلقّى لغة واحدة نمطية»، أسأله ألا يهمك أن تكون مقروءا؛ فيرد ساخرا: «حين تكتب لابد أنك تكلم أحدا، ولا أعرف هذا الأحد، فقط أعرف أنه بعيد عن إخوانى من الكتّاب والمثقفين».
من اللحظة الأولى التى ينطلق بك مصطفى الشوربجى فى حكايته التى لا يطيق صبرا على روايتها؛ تدرك أنك لست بصدد حدوتة، فهو طوال الوقت يسارع إلى حرق تفاصيل الحكاية القادمة بما يجعل فكرة التشويق فى روايته مختلفة. فأنت لا تتابع قصة لها أول وحبكة ونهاية، بل تتابع مصير راوٍ مسهب فى روايته ومستمتع بوصف دقيق لكل ما مرّ به من أحداث، وللحظات تنسى أن هناك حدثا وتريد أن تفهم ماهية ما يمرّ به هل هو مرض نفسىّ أم حقيقة، لكن رخا يأبى أن يحسم لك هذا المصير، ويقول «أردت أن أكتب بورتريه للقاهرة وقد اكتمل، أما ما يحكيه مصطفى من أحداث فلا أحد يعلم إن كان حقيقة أم خيالا، خاصة أن هناك أحداثا مادية لا يمكن نفيها».
لا يحسم رخا موقفه من الغيبيات والأحداث غير المنطقية فى الرواية، حتى فى حوارنا معه، قائلا: «تجنبنا الغيبيات، نتيجة لتأثير ما سمى بحركة التنوير، والتى كانت حركة فاشية بدرجات ومنقوصة فى مستويات عدة، لكن هذا موجود فى كل الثقافات حتى إن البعض فى الغرب ما زال يبحث عن الطقوس المسيحية ما قبل صناعية، أو حتى حضارات ما قبل ظهور الأديان».
بالعودة إلى استمتاع الراوى بحكايته والإسهاب الشديد فيها، يقول رخا: «أعطيت لنفسى مساحة طوال الرواية أن أقول كل ما يمكن أن يقال، كان هناك كلام أكثر مما يلزم الدراما، ولكن ليس هناك سبب ألا يكون ذلك موجودا فى رواية طالما لن يعطل الإيقاع»، يحطم رخا تابوه الاختزال الذى يطارد الرواية المعاصرة منذ الستينيات، قائلا: «أكبر أزمة فى الأدب العربى وبشكل خاص فى السرد هى الانعدام التام للطموح فالناس تتعامل مع طريقة الكتابة كأنها قرآن لا يمكن تغييره، وصار سقف طموح الكاتب أن يلتقط فكرة جيدة وأن يسردها بالشكل المقرر، وكل ذلك له علاقة بثقافتنا بالمرتاحة للحد الأدنى من المجهود والكسل».
لماذا تم حصار الرواية فى هذه الزاوية الضيقة يتساءل رخا، ويجيب عن نفسه أن: «موجة الروائيين التى خرجت فى جيل الستينيات كان أكثرهم شعراء لم يكتبوا الشعر لأنهم لا يعرفون العروض، وبذلك انتقلت لغة الشعر إلى السرد بما جاء على كل الأشياء الحلوة التى يمكن أن تجذب الناس لقراءة رواية من دراما وحواديت وفكاهة».
ويدلل رخا على ما يقول بإقبال الناس على قراءة نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس، ويقول: «هذا الشكل الأدبى تم تقويضه، والكلام عن الانفجار الروائى الذى قاله جابر عصفور لم يكن له علاقة بالرواية فى أى مفهوم من مفاهيمها، ففى جيلى لم يكن أحد لديه طموح الكتابة الروائية سوى ذكرى وإبراهيم فرغلى».
ليست هذه هى الإحباطات الوحيدة تجاه المثقفين، ففى الرواية مرارة دفينة تجاههم يقول رخا: «لم ينج المثقفون من المشكلات البشعة فى المجتمع وبين أنصاف المتعلمين، غير أن المثقفين اخترعوا لأنفسهم وسيلة لعرض أنفسهم باعتبارهم خارج هذه العيوب، وهذا يعطيهم المساحة لنظرة فوقية، بينما هم غير متفوقين فى غير هذه النظرة»، ويتابع: «معظم المثقفين مستندين إلى كونهم ضد نظام قمعى لكن الآن وبعد سقوطه ليس هناك شىء يناضلون ضده، فليرنا ضمير الأمة ماذا لديه؟ والمخجل أنهم لم يكن لديهم أى شىء حتى مشاكل ضيقة ومطروحة منذ وقت طويل على سبيل المثال تصورهم لمستقبل وزارة الثقافة»، ما اكتشفه رخا طوال ما يزيد على العشر سنوات من الاختلاط بالوسط الثقافى أن المثقف «طوال الوقت يبحث عن متن يرسخه، ويجعله صاحب شرعية الاعتراف به، بينما هذا المتن يجعل كل ما ينتج على الهامش أكبر من حجمه عشر مرات لمجرد أنه فى الهامش، فكل واحد يعتبر أن هذا المتن ضده وضده وحده بالضرورة هذا يجعله بطلا».
بقى أن نشير إلى ضلع أخيرا يجعل رواية رخا واحدة من أكثر الروايات الحديثة التى قد تقرأها تميزا، وهو استخدامه القوى للذاكرة البصرية، فكل أحداث الرواية تدور داخل إطار كبير هو تحول خارطة حركته داخل القاهرة إلى شكل شديد القرب إلى ختم الطغرى، غير أن هذا الإطار المقصود، تخلله آخر ربما متأثرا بلغة الكتابة على الانترنت تطور فيه شكل البطل نفسه بين أربعة تعابير رئيسية هى: «الحزن، الارتياب، الصدمة، الارتياح» على مدار الرواية، ويقول رخا: «يمكنكم اعتبارها علامات ترقيم كبيرة للأحداث داخل الرواية»، غير أن هذا تشابه أخير بين يوسف رخا وبطله وهو الولع برسم تعابير وجهه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.