محافظ مطروح يستمع لشكاوى المواطنين بعد العشاء والتراويح بمسجد عمرو بن العاص    أبو السعود رجل مباراة المقاولون العرب والمصري في الدوري    ميشيل يانكون يكشف حقيقة شكواه ضد الأهلي    مصطفى شعبان يتربع على السوشيال ميديا لليوم الثاني على التوالي بمسلسل "درش"    تفاصيل جديدة| علي قدورة يكشف حقيقة خلافه مع حمو بيكا    حكاية وفاء نادرة| علي قدورة يكشف لماذا لم تتزوج والدته بعد وفاة والده؟    ألسن قناة السويس تعزز حضورها الفرنكوفوني بمشاركة فعّالة في الشتوية بجامعة عين شمس    ترامب يخطط لضربة عسكرية «محدودة» ضد أهداف إيرانية.. فيديو    توروب: إمام عاشور الأفضل بعد العقوبة.. ودفاع الأهلي لا يحتاج للتدوير    5 ميداليات لمصر فى اليوم الرابع من البطولة الأفريقية للسلاح    أخبار × 24 ساعة.. «الأوقاف» تفتتح 90 مسجدًا الجمعة ضمن خطة إعمار بيوت الله    ترامب: 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي في طريقها إلى هيوستن    الرياض يعود لسكة الانتصارات فى الدورى السعودى بعد 119 يوما ضد الخلود    أهم الأخبار العالمية والعربية حتى منتصف الليل.. ترامب يدرس خيار الضربة المحدودة ضد إيران.. ترامب: سنجعل القطاع أكثر أمنا.. عقوبات أمريكية على 3 قادة من الدعم السريع.. قتلى فى انفجار شاحنة محملة بالغاز فى تشيلى    لقاء الخميسي: لو رجع بيا الزمن مش هتردد لحظة في الزواج من عبدالمنصف    أشاد بها الجمهور.. ريهام حجاج تتصدر تريند جوجل بعد الحلقة الثانية من توابع    حركة الشعور    نجيب ساويرس: حزنت جدًا عند بيع موبينيل.. والانتقاد لا يضايقني    بمشاركة نجوم دولة التلاوة.. إقبال كثيف على مسجد الإمام الحسين في ثاني ليالي التراويح    د.حماد عبدالله يكتب: "اَلَسَلاَم عَلَي سَيِدِ اَلَخْلقُ "!!    رمضان.. سكنُ الأرواح    أمين الفتوى بالإفتاء: دعاوى عدم جواز التهنئة برمضان لا تقوم على فهم صحيح الشرع    مصطفى حسني يتدبر سورة الكهف: التحصن بالقرآن يشفي من الحيرة والضعف أمام الشهوات    مطبخ ستى.. طريقة عمل العكاوى فى 4 خطوات بس (فيديو)    فريق طبى بمستشفيات جامعة الزقازيق يجرى جراحة عاجلة لإنقاذ حياة طفل    مديرة «العمل» تزور مصابي حادث جنوب بورسعيد    أسرار البيان: رحلة في الفروق اللفظية للقرآن الكريم.. (3) "جاء" و"أتى"    إصابة 3 أشخاص إثر انقلاب ملاكي في قنا    وزيرة الإسكان تصدر عدة قرارات بحركة تنقلات وتكليفات بهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزة المدن    فلسطين.. طيران الاحتلال يشن غارة على حي التفاح في مدينة غزة    النمسا تحذر من ارتفاع خطر الانهيارات الثلجية والتزلج خارج المسارات المحددة    الأهلي يفوز على الجونة بهدف إمام عاشور    في ليالي رمضان | إمام عاشور يقود الأهلي للفوز على الجونة بالدوري المصري    تسهيلات جديدة من «العليا للتكليف» لخريجي العلوم الصحية    مدير مستشفيات جامعة القاهرة يتفقد سير العمل في أول أيام رمضان    ما هي تطورات التحقيق مع شقيق الملك تشارلز؟.. الشرطة البريطانية تصدر بيانا    الولايات المتحدة تفرض عقوبات على 3 من قادة الدعم السريع بالسودان    في أول أيام رمضان.. جولة تفقدية للدكتور حسام حسني للاطمئنان على المرضى وانتظام العمل بمستشفيات قصر العيني    الأنبا بيشوي يترأس اجتماع كهنة إيبارشية أسوان    افتتاح 90 مسجدًا جديدًا غدًا ضمن خطة الأوقاف للتطوير    بعائد 17.75% وصرف شهري.. "سند المواطن" عبر البريد بحد أدنى 10 آلاف جنيه ولمدة 18 شهرا    القبض على سائق سار عكس الاتجاه في الجيزة بعد فيديو متداول    وزير «الاتصالات»: توظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الخدمات العامة    جامعة المنوفية تطلق قافلة توعوية بقرية "ميت عافية" لمكافحة الإدمان والعنف الأسري    استنفار أمني بعد حريق محل دهانات وانهيار منزل في دمياط    الأخشاب والأثاث: تعديلات قانون المشروعات الصغيرة تدعم الشمول المالي وتضم الاقتصاد غير الرسمي    القبض على المتهم بالتعدي على أجنبي بسبب أولوية المرور بحدائق أكتوبر    وزير البترول: نجاح تشغيل وحدات شركة ميدور يدعم السوق المحلي    محافظ بورسعيد يتابع الانتهاء من شفط تجمعات مياه البحر بعد تعرض بورفؤاد لارتفاع مفاجئ للأمواج    مصرع طفلة بعد تعذيبها على يد والديها في المنوفية    السجن 15 سنة ل 3 متهمين بقتل شاب داخل مصحة إدمان    همت أبو كيلة تقود جولات رمضان الميدانية من قلب مدارس المقطم    وزير «الري» يتابع إجراءات التعامل مع زيادة الطلب على المياه    قروض ومديونيات ماكرو جروب تنمو 300% خلال 2025    بث مباشر | صدام القمة والبحث عن العودة.. الأهلي في مواجهة مصيرية أمام الجونة بالدوري المصري    أخبار فاتتك وأنت نايم| إسرائيل تقصف مناطق بحزب الله.. واستعدادات أمريكية تحسبًا لتصعيد مع إيران    آمال ماهر: تلقيت تهديدات من الإخوان .. "وفي مواقف لما بفتكرها بعيط"    طبيب الأهلى: عمرو الجزار يعانى من إجهاد عضلي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ طويل من الندب واللطم
نشر في الشروق الجديد يوم 10 - 10 - 2010

كان للموت مكانة خاصة فى فكر وحياة المصرى القديم، حتى إنه كان يتفانى فى بناء مقبرته وهو بعد حى، ويمدها بكل ما يوفر له حياة مستقرة آمنة - حسب اعتقاده - بعد موته. كما أن مراسيم تشييع الجنازة كانت تسير وفقا لطقوس طويلة عديدة، تبدأ بمجرد إعلان موت شخص ما، فيندفع أهل الميت إلى خارج المنزل بالصراخ، وتحل النساء شعورهن، ويهلن التراب والطين فوق رءوسهن.
وعندما يعلم الرجال بالخبر، يمزقون ثيابهم ويضربون على صدورهم بأيديهم. ثم تبدأ بعد ذلك إجراءات التحنيط، فيُحمل جثمان المتوفى إلى الضفة الغربية من النيل، حيث مراكز التحنيط، يصحبها أهل الميت وأقرباؤه وأصدقاؤه، وخلفهم النساء يندبن ويولولن، وتستغرق عملية التجنيط قرابة الأربعين يوما، يظل خلالها أهل المتوفى متسربلين بملابس الحداد، ويستقبلون وفود المعزين ويقيمون الولائم لهم.
وبعد انتهاء إحراءات التحنيط، تبدأ مراسم تشييع الجنازة، فيستأجر أهل المتوفى فرقة من النائحات، ويعبرون النهر فى الصباح الباكر، ليعودوا بموكب الجنازة يتقدمه الكهنة الجنائزيون، وفى نهايته النسوة النائحات وقريبات المتوفى وصديقاتهن، ويقمن بالفاصل الأخير من الندب واللطم، واثناء ذلك تُجمع الدموع من أعين الباكين، وتوضع فى قارورة تسمى «زق الدموع» وتوضع على ضريح المتوفى، لتكون شاهدا على حزن الأحياء على الميت.
وبالرغم من الموقف الصريح والواضح للمسيحية والإسلام (ديانة غالبية المصريين) ضد هذه المظاهر، إلا أن هذه المشاهد، مع اختلاف طفيف فى التفاصيل، استمرت سائدة حتى وقت قريب، ويمكن للكبار منا تذكر هذه الطقوس، وشيوع وجود الندابات والمعددات فى معظم القرى والمدن. والواقع أن لهذا قصة طويلة تُظهر كيفية صبغ المظاهر الاجتماعية القومية بالمظهر الدينى، أو على الأقل كيفية غض البصر، من قبل المؤسسات الدينية، عن ممارسات لا تستند إلى أصول دينية، تحت ظروف معينة!
عندما اعتنق المصريون المسيحية توارت هذه المظاهر تدريجيا، خاصة وأن الموت فى المفهوم المسيحى يحمل دلالات مفرحة، إذ به يتوج الإنسان جهاده فى الأرض وينتقل إلى حياة أفضل، ونهت المسيحية عن الحزن عن المتوفين «لا تحزنوا كالباقين الذين لارجاء لهم» (تسالونيكى الأولى 4: 13). لذلك اندفع المصريون بشغف وفرح إلى الموت أثناء فترة الاضطهاد الرومانى فى القرون الثلاثة الأولى للميلاد.
فى عام 451م، وبعد مجمع خلقيدونية، حدثت قطيعة بين الكنيسة القبطية والكنيسة الرومانية، وضغطت الدولة الرومانية بعنف على القبط لقبول مذهب الكنيسة الرومانية، دون جدوى. وكان من نتائج هذه القطيعة والصراع أن تبنت الكنيسة القبطية حركة إحياء قومى، لكى تنأى برعيتها عن الكنيسة الرومانية وسلطتها المدنية، ومنذ ذلك الحين استلهمت الكنيسة القبطية شخصيتها من التراث المصرى القديم، فاستبدلت اللغة اليونانية باللغة المصرية القديمة ممثلة فى طبعتها الجديدة (اللغة القبطية)، وأعادت التقويم المصرى القديم (التقويم القبطى)، وأعادت تسمية المدن المصرية بأسمائها القديمة بدلا من الأسماء اليونانية..
إلخ. وشملت هذه الحركة جوانب عدة فى مظاهر الحياة الاجتماعية والدينية للمصريين. كان من بينها مظاهر الجنازات القديمة، الندب واللطم، وزيارة المقابر وإقامة الولائم. وأخذ البعض يبحث عن مبررات شرعية لهذه المظاهر، واستندوا على نصوص من العهد القديم وصفت مظاهر الحزن المصاحب للجنازات، والتى تمثلت فى الندب واللطم وتمزيق الثياب ونتف اللحى وجرح الأجساد، واستئجار النائحات.
ومن ثم لم ترفض الكنيسة أو تقبل هذه المظاهر، ولكنها على الأقل غضت الطرف عنها من منطلق قومى!
بعد الفتح العربى، جدت على الكنيسة ظروف جديدة جعلتها تشارك فى هذه المظاهر، وتعطيها الصبغة الدينية. إذ أصبحت الموارد المالية للكنيسة تحت المراقبة، وانقطع المدد الحكومى للمؤسسات الدينية المسيحية. وبالرغم من أن عمرو بن العاص أبقى على ممتلكات الكنائس والأديرة، إلا أن هذا الوضع لم يظل على هذه الصورة، فكثيرا ما تعرضت ممتلكات الكنائس والأديرة للسلب والمصادرة، خاصة فى وقت الفتن والاضطرابات. وانحصرت إلى حد بعيد المصادر المالية للمؤسسات الدينية القبطية فيما يقدمه القبط، على سبيل النذر والصدقة، والذى انعكس بدوره على زيادة نفوذ الأراخنة، وهم المصدر الأساسى للتمويل، وتأثر دخل الكهنة بشكل كبير.
كما أن القيادة الكنسية عانت خلال القرون الثلاثة الأولى بعد الفتح (لأسباب عديدة)، وفقدت القدرة على قيادة الأمور بشكل فعال، ومن ثم لم تتمكن الكنيسة من الوقوف أمام تجاوزات الكهنة، وهم يرسخون لأنفسهم مصادر دخل غير شرعية؛ وهى الأموال التى يحصل عليها الكهنة نظير قيامهم بإتمام طقوس العماد والزواج والصلاة على الموتى.
وأصبحت الجنازات مصرية خالصة ولكن بمشاركة الكنيسة فيها، حيث إن الصلوات التى تقام على روح الميت لا تصح بدون مشاركة الكهنة، بالطبع يحصل الكهنة على مقابل مادى لحضور هذه المناسبات.
وعندما أتيح للكنيسة أن تستعيد عافيتها تحت الحكم الفاطمى، وتعيد ترتيب أوراقها (بداية من أواخر القرن العاشر الميلادى) لم تتمكن من الإعلان صراحة بتحريم هذه المصادر، ولكنها حلت المشكلة بإضفاء بعض الشرعية على هذه المصادر التى اكتسبها الكهنة بالتقادم، وصاغت هذا القانون شديد الذكاء يقر الواقع وينكره:
«يجب أن يتحرز جماعة كهنة البيع وقيمتها (جمع: قيم) من التماس شىء من أحد المؤمنين عن حق مدفن أو معمودية أو إكليل، إلا أن يتبرع ذلك بشئ من نفسه عوضا عن اكتساب التوبة فإن ذلك غير ممنوع» (من قوانين البابا كيرلس البطريرك السابع والستين (1078 1092م).
ونفس هذا البطريرك يصدر أقصى عقوبة كنسية لمنع المظاهر المصاحبة للجنازات: «يجب على جماعة النساء المؤمنات أن يتحرزن إذا طرأت على إحداهن مصيبة من تسويد وجهها أو إحضار نوايح وقوالات، فمن يفعل ذلك فهو محروم» والمقصود بالنوايح: الندابات، والقوالات: المعددات. واستخدام البطريرك لأقصى عقوبة كنسية للحد من هذه الظاهرة، يعبر عن مدى رسوخها فى نفوس المصريين.
وبالرغم من الموقف المماثل للإسلام ضد هذه المظاهر، إذ روى البخارى عن الرسول «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» وإنما أُبيح البكاء دون ضجيج أو مبالغة، وروى عن الرسول انه قال عند قبر ابنه ابراهيم: «إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا ابراهيم لمحزونون» ومنع الإسلام أن يقام الحداد على الميت أكثر من ثلاثة أيام، ولكن لم يمض وقت طويل على المسلمين فى مصر حتى تغلبت عليهم العادات المصرية، ومارسوا الطقوس الجنائزية المصرية، ولم تردع المصريين تعاليم المسيحية أو الإسلام، أو حتى محاولة بعض الحكام الوقوف أمام هذه العادات.
نذكر على سبيل المثال محاولة مزاحم بين خاقان والى مصر، إذ أصدر أمرا فى سنة 253ه بألا يشق ثوب على ميت أو يسود وجه أو يحلق شعر أو تصيح امرأة. ولكن مظاهر الجنازات المصرية تغص بها الحوليات، لتوضح شيوعها بين المصريين جميعا.
ويبدو أن تمسك المصريين بهذه العادات لا يتعلق بحزنهم على المتوفين، ولا استهتارهم بتعاليم الأديان، بل يتعلق برغبتهم الشديدة فى البكاء والصراخ، للتنفيس عن آلامهم ومتاعبهم وقهرهم.
ويبدو أن محمد على (1805-1848م) فطن لذلك، وأتاح للمصريين اللطم والندب، إذ رفع الضرائب المفروضة على طائفة الندابات فى عام 1836م، حتى يجد المصريون من يعينهم على البكاء بأرخص الأسعار! ولكن كان للخديو إسماعيل منطق آخر فى منع عمل الندابات عام 1880م، إذ إن «وجودهن يوجب زيادة تهييج أهل الميت، وربما بهذا يحصل الضرر لمن تكون حاملا من النساء»، وأمر مأمورى الضبطيات بالقبض عليهن إن وجدن متلبسات.
ويبدو أن القبط كانوا ومازالوا! أكثر رغبة فى الندب واللطم، مما اضطر البابا كيرلس الخامس (1974 1927م) لأن يصدر أمرا يؤكد فيه تحريم الندب واللطم والحزن المفرط على الميت.
أما الشق الثانى المصاحب لهذه المظاهر، وهو إقامة الولائم واستمرار المآتم لفترات طويلة، فلم يزعج أحدا، بل قد يكون، من طرف خفى، معضدا من رجال الدين البسطاء؛ إذ إن هذه المناسبات كانت تمثل أهم مورد من موارد دخلهم، فى غيبة الرواتب الثابتة، فهى فرصة للكهنة لإقامة الصلوات والحصول على «المعلوم»، وفرصة للمشايخ لقراءة القرآن والحصول على «النفحات». ومن ثم تبارى الناس فى إقامة المآتم، وبالغوا فى الإسراف، بغرض التباهى والتفاخر.
وظلت المآتم فى الريف المصرى، حتى وقت قريب، تقام مدة تتراوح ما بين ثلاثة أيام أو سبعة أيام حسب منزلة الميت وسنه هذا عند المسلمين. أما المسيحيون فكانت مآتمهم بين ثلاثة أيام وأربعين يوما. وفى مآتم الأثرياء كانت تذبح الذبائح يوميا لمدة أربعين يوما.
الآن خفت حدة مظاهر الإسراف هذه، وظهرت صور أخرى للتباهى والتفاخر، أبسطها إعلانات الصحف، التى تطالعنا يوميا بصور ضخمة لمتوفين، تستفز غالبية المطحونين من أبناء هذا البلد، وبالطبع قليلا منهم من يترحم على هؤلاء المميزين فى حياتهم وموتهم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.