اعتبرت إذاعة «آر تي بي إف» البلجيكية أن مضيق هرمز يُعد أحد الممرات الاستراتيجية التي تستخدمها إيران كأداة ضغط في مواجهة الولاياتالمتحدة وإسرائيل، مشيرة إلى أن هذا الممر البحري يندرج ضمن تاريخ طويل من التحكم في نقاط العبور، يمتد من العصور الوسطى حتى العصر الحديث، مرورًا بقناة بنما وطريق الحرير الصيني. وأشارت الإذاعة، في تقرير تحت عنوان: «من الجسر الوسيط إلى بنما وصولًا إلى مضيق هرمز: عندما يتحول المرور إلى سلاح استراتيجي رئيسي»، إلى أن الدول عبر التاريخ سعت إلى فرض سيطرتها على الطرق والممرات الحيوية، سواء عبر فرض الضرائب أو تنظيم حركة التجارة، بما يجعل من نقاط العبور أدوات نفوذ اقتصادي وسياسي. وأضافت أن مضيق هرمز، الذي يُستخدم في نقل شحنات النفط والغاز، يمثل نموذجًا معاصرًا لهذا المفهوم، حيث تتحول الممرات البحرية إلى نقاط تحصيل وإدارة للتدفقات التجارية، وليس مجرد معابر جغرافية. ونقلت الإذاعة عن أستاذ التاريخ في جامعة بروكسل الحرة، كينيث بيرترامز، قوله إن ما يجري في هرمز يعكس استمرار منطق تاريخي قديم، يقوم على تحويل الممرات الحيوية إلى مصادر للعائد والضغط، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحدث عن إمكانية إنشاء آلية مشتركة لإدارة الملاحة في المضيق مقابل رسوم، في سياق التوترات الإقليمية. وأوضح بيرترامز أن هذا النمط ليس جديدًا، بل يمتد عبر التاريخ من الجسور وبوابات المدن في العصور الوسطى، وصولًا إلى القنوات الحديثة، حيث كانت نقاط العبور تخضع دومًا لأنظمة تنظيم ورسوم مرتبطة بأهميتها الاستراتيجية وحجم التجارة المارة عبرها. وأضاف أن هذه الرسوم كانت تُفرض بشكل منتظم لضمان صيانة الممرات وتنظيم حركة البضائع، وأن ازدياد الأهمية الاستراتيجية لأي نقطة عبور كان يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة تنظيمها وخضوعها للرسوم. البرتغاليون وبدايات فرض الرسوم البحرية وأشار أستاذ التاريخ إلى أن البرتغاليين في بدايات القرن السادس عشر أدركوا الأهمية الاستراتيجية للمضائق البحرية، وكانوا من أوائل القوى التي استغلت هذه النقاط جغرافيًا واقتصاديًا. ولفت إلى أنهم ركزوا على نقاط المرور الإلزامية، وفرضوا سيطرتهم على مواقع استراتيجية مثل ملقا وهرمز، حيث أسسوا مستوطنة في ملقا عام 1511، ثم استقروا في هرمز عام 1515، وفرضوا رسومًا على حركة الملاحة هناك لعدة عقود قبل أن تُنهي القوى الإقليمية وجودهم. واعتبر بيرترامز أن هذا النموذج أسس لفكرة تحويل نقاط العبور إلى مصادر منظمة للرسوم والإيرادات في التجارة العالمية لاحقًا. هرمز: من معبر إلى نقطة تحصيل اقتصادي وأشارت الإذاعة إلى أن مضيق هرمز لا يعمل فقط كرسوم عبور، بل كآلية تحصيل مرتبطة بحركة البضائع، خاصة النفط والغاز، ما يحوله إلى نقطة اقتصادية حساسة في النظام التجاري العالمي. وأوضح بيرترامز أن التوترات الحالية في المنطقة تحمل امتدادًا محتملًا إلى مضيق باب المندب، الذي يمثل بدوره نقطة عبور استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن، ثم قناة السويس والبحر المتوسط، ما يجعله ممرًا إلزاميًا لحركة التجارة بين أوروبا وآسيا. وأضاف أن هذه الممرات تعيد إنتاج منطق تاريخي قديم، يقوم على تحويل الجغرافيا إلى أداة نفوذ، خاصة مع تركز جزء كبير من تدفقات الطاقة العالمية في هذه النقاط الحساسة. قناة السويس كنموذج حديث وتُعد قناة السويس، وفق التقرير، النموذج الأبرز لهذا التحول، إذ تمثل ممرًا عالميًا خاضعًا للرسوم منذ افتتاحها عام 1869، وتلعب دورًا محوريًا في التجارة الدولية، إلى جانب كونها مصدرًا رئيسيًا للدخل في مصر. وأشار إلى أن تأميم القناة عام 1956 شكّل نقطة تحول كبرى، تلاها استمرار أهميتها كأحد أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم، خاصة في نقل النفط والبضائع بين الشرق والغرب. كما لفت إلى أن قناة السويس الجديدة، التي افتُتحت عام 2016، ساهمت في تقليص زمن العبور وزيادة كفاءة الحركة الملاحية، مع استمرار دورها كممر استراتيجي عالمي. قناة بنما وتحديات العبور وتناول التقرير أيضًا قناة بنما، موضحًا أنها بُنيت في أوائل القرن العشرين وافتُتحت عام 1914، قبل أن تنتقل إدارتها إلى بنما عام 1999، وتُعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث يمر عبرها نحو 5% من التجارة العالمية. وأشار إلى أن هذا النموذج يعكس كيف يمكن أن تتحول الممرات إلى نقاط خاضعة لتأثيرات طبيعية واقتصادية، مثل الجفاف الذي يؤثر على حركة الملاحة والرسوم. طرق الحرير الجديدة وإعادة تشكيل الممرات وتطرقت الإذاعة إلى مبادرة «طرق الحرير الجديدة» الصينية، التي تهدف إلى تعزيز النفوذ التجاري عبر الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية والسكك الحديدية، وربط الصين بالأسواق العالمية. وأوضحت أن المبادرة تشمل عشرات الدول، وتسعى إلى تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق التقليدية عبر خلق مسارات بديلة للتجارة العالمية. وأشار التقرير إلى أن مضيق هرمز يظل نقطة مركزية في هذا النظام، خاصة بالنسبة للصين التي تعتمد على مرور شحنات الطاقة عبره، في ظل مساعيها لتأمين طرق التجارة والطاقة. كما تسعى بكين إلى تعزيز حضورها في مناطق استراتيجية أخرى مثل جيبوتيوبنما، ضمن سياسة أوسع لتأمين الممرات الحيوية. خلاصة التقرير واختتمت الإذاعة البلجيكية تقريرها بالتأكيد على أن تاريخ الممرات البحرية والبرية يكشف قاعدة ثابتة: من يسيطر على نقاط العبور يمتلك قدرًا كبيرًا من التأثير على التجارة وحركة الزمن وعلاقات القوة. وأضافت أن الصين، من خلال «طرق الحرير الجديدة»، لم تخترع هذا المنطق، لكنها وسعته عالميًا عبر الاستثمار في البنية التحتية للممرات بدلًا من إلغائها. وأكدت أنه رغم فكرة التدفق الحر للتجارة العالمية، تظل الجغرافيا السياسية عاملًا حاسمًا، يفرض نفسه في كل من هرمز وقناة السويسوبنما، ليبقى العبور دائمًا مسألة سيادة قبل أن يكون مجرد حركة ملاحة.