تمر اليوم الذكرى الخامسة والتسعون لرحيل الكاتب والشاعر الكبير جبران خليل جبران، الذي ولد في 6 يناير عام 1883، ورحل في 10 أبريل عام 1931. يعد جبران خليل جبران من علامات الأدب في القرن العشرين، وأحد أبرز شعراء المهجر، ومن أكثر الشعراء مبيعا في تاريخ البشرية. أبدع في الكتابة باللغتين العربية والإنجليزية، وترجمت أعماله إلى لغات عدة؛ فأضحى ليس فقط علامة من علامات الأدب العربي، بل من رموز الأدب العالمي. ويعد كتاب "النبي" ذروة أعمال جبران، هو أكثرها نجاحا وشهرة ورواجا، وأكثرها ترجمة إلى لغات العالم؛ إذ ترجم إلى ما يقرب من خمسين لغة، وحقق مبيعات تاريخية، جعلته من بين الكتب الأكثر مبيعا في العالم، رغم مرور أكثر من قرن على صدوره. وفي ذكرى رحيل جبران، نغوص في عمله البديع، مرتحلين إلى مداخل الفلسفة الجبرانية، مستخلصين العبر من تجربته الذاتية. إننا نقف أمام "النبي" لنتأمل هذا النص البديع، الذي يتماشى مع كل العصور؛ فهو كتاب لكل الأجيال، لا يعترف بالتفرقة الدينية. فالمصطفى —الشخصية الرئيسية— هو معادل رمزي لنبي جميع الأديان، نبي بلا انتماء ديني محدد، يخرج من سطوة التفرقة والطائفية إلى رحابة التسامح والمحبة الروحية. المصطفى في "النبي" هو التمثيل الإبداعي لجبران؛ فجبران والمصطفى وجهان لعملة واحدة. فالمصطفى يتكلم بلسان جبران، مهجر في المهجر، مثله تماما؛ إذ قضى اثنتي عشرة سنة بعيدا عن وطنه الأصلي، لكنه وجد في وطنه الجديد حرية ربما لم يكن ليجدها في وطنه الأول. يمكننا القول أننا أمام انعكاس واضح لحكاية جبران نفسه، وعندما تأتي سفينة العودة للمصطفى، يقف مودعا، ويقف الناس الذين قضى بينهم سنواته يرجونه في النصيحة، معبّرين عن حبهم وامتنانهم المتأخر، الذي لم يعبّروا عنه طوال تلك السنوات. هنا تبدأ الرحلة الحقيقية المقصودة من "النبي": الرحلة إلى الفلسفة الجبرانية، إلى خلاصة أفكار جبران وتجربته في الحياة. فيخط سبعا وعشرين قصيدة نثرية، مازجا بين الشاعرية والرسالة الفلسفية، يتحدث فيها عن أبرز موضوعات الحياة؛ بدءا بالمحبة، مرورا بالزواج، ذلك الرباط المقدس الذي تناوله برؤية شاعرية تتجاوز التقاليد السائدة. ومن أهم فصول الكتاب فصل "الأبناء"، الذي عبر فيه المصطفى عن رؤية عميقة يمكن اختزالها في جملة: "أولادكم ليسوا لكم"، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة. يتطرق جبران إلى موضوعات عديدة؛ كالدين، والصلاة، والملبس، والمسكن، والعمل، والطعام، والموت، وغيرها من مناحي الحياة الجوهرية. ويختتم رحلته الإبداعية بالوداع، ليبدأ النص بالمحبة وينهيه بالوداع؛ ذلك الوداع الحتمي الذي كان مكتوبا منذ بداية الرحلة. إن "النبي" نص يسعى إلى تحطيم كل أشكال الفرقة، وكسر قيود الرجعية، وجعل المحبة دينًا أسمى، متضافرا مع كل الأديان، دون الالتفات إلى الاختلافات الشكلية. "النبي" هو درة أعمال جبران، وأكثرها فلسفة وتأثيرا، نص يمكن، إذا ما تأملناه بصدق، أن يفتح لنا أبوابا لفهم أنفسنا وإصلاحها.