تحل اليوم ذكرى رحيل الكاتب والأديب والناقد اللبناني ميخائيل نعيمة، في الثامن والعشرين من شهر فبراير، إذ يعود اسمه ليتردد في الأوساط الثقافية بوصفه أحد الأصوات المؤسسة لحداثة الأدب العربي في القرن العشرين، ككاتب جمع بين الحس الإنساني العميق والنزعة التأملية الهادئة التي ميّزت أدب المهجر. وُلد "نعيمة"، عام 1889 في بلدة بسكنتا اللبنانية، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة، غير أن مسار حياته اتسع مبكرًا ليتجاوز حدود الجغرافيا، فقد درس في روسيا، حيث اطلع على الأدب الروسي وتأثر بروحه الأخلاقية والفلسفية، ثم هاجر إلى الولاياتالمتحدة، وهناك انخرط في الحياة الفكرية للجاليات العربية. كما شارك عام 1920 في تأسيس الرابطة القلمية، بجانب الكاتب والشاعر والرسام اللبناني جبران خليل جبران والشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، في تجربة كان لها أثر بالغ في تجديد الأدب العربي شعرًا ونثرًا. ولم يكن "نعيمة" شاعرًا بالمعنى التقليدي، بل كان شاعرًا بالفكرة والتأمل، ففي ديوانه «همس الجفون» الصادر عام 1945 تجلت لغته الصافية البعيدة عن الزخرفة، إذ مالت القصائد إلى مناجاة النفس والبحث في أسئلة الوجود والموت والروح. أما في القصة والرواية، فقد قدّم مجموعته «كان ما كان» التي عبّرت عن نزعة رمزية وإنسانية واضحة، ثم جاء عمله الأشهر «مرداد» عام 1948، وهو نص فلسفي صوفي كتبه بالإنجليزية أولًا، ليصبح لاحقًا من أكثر أعماله انتشارًا وترجمة، بما يحمله من تأملات روحية عميقة تتجاوز حدود الثقافة العربية إلى أفق إنساني أوسع، وفي «أكابر» قدّم رؤية نقدية ساخرة للمجتمع، كاشفًا تناقضاته وزيف طبقاته المتعالية. غير أن إسهامه الأبرز تجلّى في ميدان النقد الأدبي، خصوصًا في كتابه «الغربال» الصادر عام 1923، إذ دعا إلى غربلة التراث وتنقية الذائقة الأدبية من التقليد والجمود، مؤسسًا لرؤية نقدية حديثة تقوم على صدق التجربة وحرية التعبير. كما كتب سيرة فكرية وأدبية مهمة عن "جبران" في كتاب «جبران خليل جبران: حياته، موته، فنه، أدبه»، ظل مرجعًا أساسيًا لفهم شخصية صديقه ومسيرته. وعاد "نعيمة" إلى لبنان عام 1932، واختار أن يعيش في بلدته بسكنتا حياة أقرب إلى العزلة والتأمل، متفرغًا للكتابة والتفكير، حتى رحل في 28 فبراير 1988 عن عمر ناهز الثامنة والتسعين، وفي سنواته الأخيرة، غلب على كتاباته الطابع الروحي والتأملي، فبدت أعماله أقرب إلى نصوص الحكمة منها إلى الأدب بالمعنى المتعارف عليه. ومن أعماله الأخرى التي تستحق الذكر كتابه «زاد المعاد» الذي يضم تأملات فكرية وروحية، و«اليوم الأخير» بما يحمله من نزعة وجدانية واضحة، إلى جانب سيرته الذاتية «سبعون» التي قدّم فيها شهادة واسعة على تحولات حياته وتجربته الفكرية بين الشرق والغرب. كما كتب نصوصًا مسرحية ومقالات متفرقة تناولت قضايا الإنسان والحرية والإيمان، وظل صوته، حتى سنواته الأخيرة، صوتًا يدعو إلى صفاء الروح والصدق الداخلي، ويؤكد أن الأدب ليس ترفًا لغويًا، بل بحثًا دائمًا عن معنى الوجود.