جعل من الاغتراب مشروعًا أدبيًا.. وأعاد تشكيل الأدب العربي الحديث بربطه بالتيارات الفلسفية العالمية تحل في السادس من شهر يناير ذكرى ميلاد الكاتب والشاعر والفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران الذي يعد أحد أكثر الكتّاب العرب تأثيرًا وانتشارًا في العالم، وأشدهم قدرة على تجاوز الحدود اللغوية والثقافية؛ حيث لم يكن "جبران" مجرد شاعر أو كاتب نثر، بل كان ظاهرة فكرية وفنية متكاملة، أسهمت في إعادة تشكيل صورة الأدب العربي الحديث، وربطته بالتيارات الإنسانية والفلسفية العالمية. ووُلد جبران خليل جبران في السادس من يناير عام 1883 في بلدة بشري شمال لبنان، في بيئة ريفية فقيرة، سرعان ما غادرها مع والدته وإخوته مهاجرًا إلى الولاياتالمتحدة عام 1895. وشكّلت الهجرة المبكرة إلى بوسطن نقطة تحول مفصلية في حياته؛ إذ أتاح له الاحتكاك بثقافات متعددة، والاطلاع على الفنون الغربية، وفي الوقت ذاته ظل مشدودًا إلى جذوره الشرقية، وهو التوتر الخلّاق الذي سيطبع مجمل إنتاجه الأدبي والفني. وتلقى "جبران" تعليمه الأولي في مدارس المهاجرين، ثم عاد إلى لبنان لفترة قصيرة للدراسة في مدرسة "الحكمة" ببيروت، حيث تعمق في اللغة العربية وآدابها، واطّلع على التراث الديني والفلسفي. هذا التكوين المزدوج، العربي والغربي، منح كتاباته نبرة خاصة تجمع بين الروحانية الشرقية والرمزية الحديثة. وبدأ "جبران" مسيرته الأدبية باللغة العربية، وأصدر عددًا من الأعمال التي مثّلت خروجًا واضحًا على الأساليب التقليدية السائدة آنذاك، من بينها «نبذة في فن الموسيقى»، و«عرائس المروج»، و«الأرواح المتمردة»، و«دمعة وابتسامة»، وهي نصوص جمعت بين القصة القصيرة والتأمل الفلسفي والنبرة الاحتجاجية على الظلم الاجتماعي والاستبداد الديني. وقد أثارت بعض هذه الأعمال جدلًا واسعًا، وواجه بسببها هجومًا من المؤسسات الدينية المحافظة، ما عزز صورته ككاتب متمرّد يسائل المسلّمات. ثم اتجه "جبران" بعد ذلك إلى الكتابة باللغة الإنجليزية، وحقق بها شهرة عالمية غير مسبوقة لكاتب عربي في عصره، ويُعد كتابه الأشهر «النبي» (الصادر عام 1923) ذروة هذا المسار، إذ تُرجم إلى عشرات اللغات، وبيع منه ملايين النسخ، وأصبح نصًا مرجعيًا في الأدب الروحي والفلسفي، وعبر صفحات «النبي»، قدّم "جبران" رؤيته للحياة، والحب، والزواج، والعمل، والحرية، والموت، بأسلوب شعري مكثف يتسم بالبساطة الظاهرية والعمق التأملي، ما جعله قريبًا من القارئ العادي والمثقف على السواء. وإلى جانب «النبي»، ألف "جبران" بالإنجليزية أعمالًا أخرى بارزة مثل «المجنون»، و«رمل وزبد»، و«يسوع ابن الإنسان»، و«آلهة الأرض»، و«التائه»، و«حديقة النبي»، وهي نصوص واصلت الاشتغال على الأسئلة الوجودية الكبرى، وكرّست صورته ككاتب إنساني يتجاوز الانتماءات الضيقة. ورغم أن جبران خليل جبران لم يخلّف دواوين شعرية بالمعنى التقليدي، فإنه يُعد من أبرز الشعراء المجددين في الأدب العربي الحديث؛ إذ جاءت تجربته الشعرية في قالب النثر الشعري والقصيدة الفلسفية، ويُعد كتابه «المواكب» العمل الشعري الموزون الوحيد في مسيرته، بينما توزعت لغته الشعرية في أعمال مثل «دمعة وابتسامة» و«النبي» و«رمل وزبد»، حيث تحوّل النثر إلى وعاء للشعر، والكلمة إلى طاقة روحية تتجاوز الشكل إلى المعنى. ولم تقتصر إسهامات "جبران" على الأدب وحده، بل كان فنانًا تشكيليًا بارزًا، درس الرسم في باريس، وتأثر بالمدارس الرمزية والانطباعية، وأنجز مئات اللوحات والرسوم التي تعكس ذات الروح التي تسكن نصوصه، حيث الجسد الإنساني بوصفه مرآة للروح، والملامح بوصفها تعبيرًا عن الصراع الداخلي. وقد عُرضت أعماله الفنية في معارض بالولاياتالمتحدة وأوروبا، ولا تزال تحظى باهتمام نقدي حتى اليوم. ولعب "جبران" دورًا محوريًا في حركة "أدب المهجر"، وكان أحد مؤسسي "الرابطة القلمية" في نيويورك إلى جانب الأديب والمفكر ميخائيل نعيمة، والشاعر اللبناني إيليا أبو ماضي، وغيرهم؛ وقد مثّلت هذه الرابطة مشروعًا تجديديًا هدف إلى تحرير اللغة العربية من الجمود، وإدخال الحس الإنساني والفردي إلى الكتابة، وهو ما ترك أثرًا عميقًا في الأجيال اللاحقة من الشعراء والكتّاب العرب. وعلى المستوى الشخصي، اتسمت حياة "جبران" بكثير من العزلة والمعاناة الصحية والنفسية، كما شكّلت علاقته الفكرية والعاطفية بالأديبة الأمريكية ماري هاسكل أحد أبرز محطات حياته، إذ كانت داعمة أساسية لمسيرته، وساعدته في صقل لغته الإنجليزية ونشر أعماله. ورحل جبران خليل جبران في نيويورك عام 1931 عن عمر ناهز الثامنة والأربعين، متأثرًا بمرض السل وتليف الكبد، لكن رحيله المبكر لم يضع حدًا لحضوره؛ إذ عاد جثمانه إلى لبنان، وتحول منزله في بشري إلى متحف، وبقيت أعماله حيّة ومتداولة، تُقرأ بوصفها نصوصًا مفتوحة على التأويل، قادرة على مخاطبة الإنسان في كل زمان ومكان.