اختتمت الجولة الأخيرة من المحادثات التي أجريت بوساطة أمريكية بين روسياوأوكرانيا دون تحقيق اختراق مهم. وبينما توصل الطرفان إلى شبه توافق بشأن آلية لمراقبة وقف إطلاق النار، إلا أنهما لا يزالان في طريق مسدود بشأن القضية الرئيسية المتعلقة بالأراضي. وتصر كييف على ضرورة التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار قبل أي اتفاق سلام أو انتخابات. في المقابل، تصر موسكو على أن تتنازل أوكرانيا عن منطقة دونباس بأكملها - بما في ذلك الأراضي التي فشلت روسيا في السيطرة عليها عسكريا - قبل وقف القتال. وقالت ياروسلافا باربيري، الباحثة في منتدى أوكرانيا ببرنامج روسيا وأوراسيا في معهد تشاتام هاوس البريطاني (المعروف رسميا باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية)، في تحليل نشره المعهد إن موسكو نجحت في إقناع فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنها تشارك في محادثات السلام "بحسن نية" وأن التنازل عن الأراضي التي تسيطر عليها أوكرانيا هو السبيل الوحيد لتحقيق سلام دائم. وقد زاد هذا من الضغط على الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي لإتمام تسوية سلمية وتحديد جدول زمني لإجراء انتخابات وطنية بحلول الصيف. ومع إدراكها المتزايد لأهمية أوكرانيا للأمن الأوروبي، تحركت أوروبا لمساعدة كييف في مواجهة الضغوط الأمريكية للتوصل إلى اتفاق سريع، سيؤدي فقط إلى تشجيع الكرملين. وعلى الرغم من الضغوط الدبلوماسية الأمريكية، تعد العقبة الرئيسية أمام زيلينسكي هي خطر حدوث رد فعل داخلي عنيف ضد الشروط التي تعتبر خيانة لتضحيات الأمة خلال الحرب. وقد حذر زيلينسكي من أنه لا يمكنه قبول تنازلات عن الأراضي لأن الشعب الأوكراني "لن يغفر ذلك أبدا". ووفقا لاستطلاع رأي تم اجراؤه في يناير 2026، يرفض 54% من الأوكرانيين رفضا قاطعا فكرة سحب أوكرانيا لقواتها من أجزاء من دونباس لا تزال تسيطر عليها ونقلها إلى روسيا مقابل ضمانات أمنية غربية. إن تعزيز السيطرة الروسية على دونباس سيجعل الأوكرانيين عرضة لمزيد من الهجمات الروسية. كما أن أي تغييرات في الأراضي الأوكرانية تتطلب استفتاء عاما، يجب أن يوافق عليه البرلمان. ولن يواجه الاستفتاء تحديات أمنية وقانونية كبيرة فحسب، ولكن من المرجح أيضا رفض أي شروط تؤدي إلى تقويض السيادة الأوكرانية. ورأت باربيري أنه فيما يتعلق بالضغوط لإجراء الانتخابات، تخضع أوكرانيا حاليا للأحكام العرفية، وبالتالي يحظر الدستور إجراء أي انتخابات. وهناك مخاوف أخرى أيضا، فبدون وقف إطلاق النار، ستصبح مراكز الاقتراع أهدافا للضربات الصاروخية الروسية. وقد نزح ربع سكان البلاد داخليا أو فروا منها، مما يعني أن بيانات تسجيل الناخبين أصبحت قديمة إلى حد كبير. ولا يزال الملايين يخدمون في الجيش أو يعيشون تحت الاحتلال، ولن يتمكنوا من الإدلاء بأصواتهم أو الترشح لأي مناصب. كما سيكون هناك خطر وجود حملات تأثير روسية مزعزعة للاستقرار خلال الانتخابات. وأظهر استطلاع رأي تم إجراؤه في ديسمبر 2025 أن 59% من الأوكرانيين يعارضون إجراء الانتخابات قبل انتهاء القتال والتوصل إلى اتفاق سلام. ومع تقليص الولاياتالمتحدة لدعمها العسكري لأوكرانيا وضغطها من أجل التوصل إلى اتفاق سريع، كثفت الحكومات الأوروبية جهودها لضمان قدرة أوكرانيا على الدفاع عن نفسها والتفاوض من موقع قوة. وقد حلت أوروبا فعليا محل الولاياتالمتحدة كممول رئيسي لأوكرانيا. وارتفعت المساعدات العسكرية من الاتحاد الأوروبي بنسبة 67% في عام 2025، ووافق الاتحاد على قرض بقيمة 90 مليار يورو لأوكرانيا لدعم ميزانيتها وجيشها خلال عامي 2026 و2027 . وقد ساهم تقاسم الأعباء الأوروبي المتزايد في توفير منطقة عازلة دفاعية لكييف. وانتقلت مسؤولية تمويل المعدات المتطورة الجديدة (مثل أنظمة باتريوت للدفاع الجوي) من الولاياتالمتحدة إلى أعضاء حلفاء شمال الأطلسي (الناتو) الأوروبيين عبر آلية "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية". وفي الوقت نفسه، أشار الأمين العام لحلف الناتو مارك روته إلى أن الحلف قد يخصص 15 مليار دولار إضافية في عام 2026 (بالإضافة إلى 5 مليارات دولار تم تخصيصها في عام 2025) لتلبية الاحتياجات العسكرية لأوكرانيا. ومع تراجع الولاياتالمتحدة من مجموعة الاتصال للدفاع عن أوكرانيا (صيغة رامشتاين)، تولت المملكة المتحدةوألمانيا القيادة المشتركة لضمان استمرار تنسيق عمليات تسليم الأسلحة. ويعمل القادة الأوروبيون أيضا على ضمان عدم إجبار كييف على قبول اتفاق سيء. وقد اقترح "تحالف الراغبين" - بقيادة فرنسا والمملكة المتحدة وبولندا - ضمانات أمنية تشمل إمكانية نشر قوات أوروبية لفرض أي وقف لإطلاق النار في المستقبل. ويخشى النقاد من أن يؤدي نشر القوات بعد وقف إطلاق النار إلى تحفيز روسيا على إطالة أمد الصراع، إلا أن هذا الالتزام يبعث بإشارة مهمة مفادها أن أوكرانيا أصبحت الآن جزءا لا يتجزأ من بنية الأمن المستقبلية لأوروبا، ويعزز موقف زيلينسكي التفاوضي. واعتبرت باربيري أن هناك إشارة أكثر قوة وهي اندماج أوكرانيا في القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية. ويقدم صندوق العمل الأمني لأوروبا التابع للاتحاد الأوروبي قروضا للدول الأعضاء تصل إلى 150 مليار يورو لإعادة التسلح على المدى الطويل، ويسمح لأوكرانيا بالمشاركة في عمليات الشراء المشتركة. وستساهم هذه الآلية في تقليص اعتماد أوروبا على سلاسل التوريد الأمريكية، وزيادة إنتاج الأسلحة محليا وتعزيز قابلية التشغيل البيني. وهناك أيضا خطط مبتكرة أخرى. وتقوم دول مثل الدنمارك وهولندا والنرويج بتمويل إنتاج أسلحة داخل أوكرانيا من خلال ما يعرف ب"النموذج الدنماركي". وفي غضون ذلك، أنشأت شركات أوروبية كبرى مثل "راينميتال" الألمانية و"بي إيه إي سيستمز" البريطانية مراكز إنتاج داخل أوكرانيا ضمن مبادرة "التصنيع في أوكرانيا". كما أن هناك تعاونا متزايدا في مجال إنتاج الطائرات المسيرة، حيث تسعى أوروبا إلى تعزيز دفاعاتها ضد التهديدات الروسية المزعزعة للاستقرار. وتمتلك شركات الدفاع الأوروبية العملاقة تقنيات متقدمة، لكنها تعاني من بطء دورات الإنتاج وارتفاع التكاليف. في المقابل، تعد أوكرانيا رائدة عالميا في إنتاج طائرات مسيرة رخيصة وفعالة قادرة على تدمير أصول بملايين الدولارات. وقد طور قطاع الدفاع الأوكراني حلقة تواصل مباشرة بين وحدات الخطوط الأمامية والمنتجين، ما يسمح بتكييف التكنولوجيا مع واقع ساحة المعركة في الوقت الفعلي. ويستفيد مشروع "أوكتوبوس" البريطاني الأوكراني من الابتكارات الأوكرانية في ساحة المعركة والقدرات الصناعية البريطانية لإنتاج طائرات اعتراضية ذاتية التشغيل بكميات كبيرة، بتكلفة إنتاج تقل عن 10% من تكلفة إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية الروسية التي صممت لتدميرها. كما يوجد مشروع مشترك جديد لإنتاج طائرات مسيرة أوكرانية التصميم بكميات كبيرة في ألمانيا. وأشارت باربيري أيضا إلى أن أوروبا لا تزال مهمشة في المفاوضات الثنائية بين الولاياتالمتحدةوروسيا. وكما أشار وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي، فإن الأوروبيين يستحقون مقعدا على طاولة المفاوضات الآن بعد أن أصبحوا يتحملون التكاليف. وهناك مناقشات لتعيين ممثل خاص للدفاع عن مصالح كييف وأوروبا والتصدي للضغوط الأمريكية المتزايدة. ومع ذلك، فإنه من غير الواضح ما إذا كان هذا المبعوث سيمثل الاتحاد الأوروبي أم "تحالف الراغبين" الأوسع. وستواصل روسيا أيضا استغلال أي فجوات في التوافق بشأن الإنفاق الدفاعي ونشر القوات لتقويض التماسك. واختتمت باربيري تحليلها بالقول إنه على الرغم من الجهود المبذولة لشراء الأسلحة للجيش الأوكراني مباشرة من المصنعين الأوكرانيين، لا تواكب الاستثمارات الغربية الإمكانات الإنتاجية الهائلة لأوكرانيا. فقد بلغت الطاقة الإنتاجية الأوكرانية 35 مليار دولار في عام 2025، إلا أن قيمة العقود الفعلية الإجمالية لا تتجاوز جزءا ضئيلا من هذا المبلغ. ينبغي على أوروبا زيادة استثماراتها للحفاظ على عمل خطوط الإنتاج الأوكرانية بكامل طاقتها. ويمكن أن يغير هذا قواعد اللعبة، ليس فقط لنجاح أوكرانيا في ساحة المعركة حاليا، ولكن للأمن الأوروبي على المدى البعيد. وفي عصرٍ تسوده سياسات القوى العظمى، وفي ظل عدم وضوح التزام الولاياتالمتحدة، فإن إطلاق العنان للإمكانات الصناعية والعسكرية الكاملة لأوكرانيا يعد أمرا في غاية الأهمية لأوروبا آمنة وصامدة.