هى الجنازة الأكبر فى تاريخ ليبيا، هكذا وصف «الساعدى القذافى» جنازة شقيقه «سيف الإسلام» فى مدينة بنى وليد الواقعة جنوب غرب العاصمة طرابلس، وبغض النظر عن الوصف المشكوك فى دقته، فالمؤكد أن جنازة سيف الإسلام القذافى كانت حاشدة إلى الحد الذى تجاوز بدلالاتها حدود مراسم التشييع، لتتحول إلى مظاهرة سياسية غير مسبوقة فى سنوات ما بعد الإطاحة بحكم العقيد القذافى. فجميع أو غالبية من شاركوا فى الجنازة كانوا من أنصار الرئيس الليبى الراحل العقيد معمر القذافى وهذا ما ظهر جليا فى رفع علم «الجماهيرية» والهتافات التى رددها المشاركون ومن بينها «نحن ليبيا معمر، واللى يعادينا يتدمر» و «الله، معمر، ليبيا وبس». أهو الحنين حقا لسنوات حكم القذافى، أم الحسرة على ما آلت إليه أوضاع ليبيا بعد رحيله، أم تراه مجرد تعبير قبائلى عفوى عن الغضب للطريقة التى قتل بها سيف الإسلام؟ على الأرجح هو خليط من هذه الأسباب، وهذا ما دفع كثيرين إلى إعادة طرح الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأسباب الثورة على أبيه
عقدة سوريا فى السابع عشر من يوليو عام 2000 أدى بشار الأسد اليمين الدستورية أمام مجلس الشعب السورى رئيسا للبلاد خلفا لأبيه. قبلها بنحو شهر وفى يوم وفاة الرئيس حافظ الأسد أجرى مجلس الشعب تعديلا دستوريا تم بمقتضاة خفض الحد الأدنى لسن الترشح للرئاسة من 40 عاما إلى 34 عاما ليتمكن بشار المولود عام 1965 من الترشح فى انتخابات خالية من أى منافسة والفوز بنسبة 97,27 فى المائة. هذا «الانتقال السهل» للحكم من الأب الراحل لابنه الشاب فتح شهية عدد من القادة العرب لتكرار ذات السيناريو سواء «بتهيئة الأجواء وضمان الولاء» لنقل الحكم لأحد الأبناء بعد الرحيل دون أى عوائق أو تنفيذ «خطة التوريث» وهم على قيد الحياة، وكان فى مقدمة هؤلاء العقيد معمر القذافى فى ليبيا مع ابنه «سيف الإسلام»، والرئيس حسنى مبارك فى مصر مع نجله «جمال» والرئيس على عبد الله صالح فى اليمن مع ابنه «أحمد»، فيما اتسع نطاق «توريث الحكم» فى تونس ليشمل زوجة وأصهار الرئيس زين العابدين بن على أو أحد المقربين منه. ومثلما أطلق بشار الأسد فى بداية حكمه ما عرف آنذاك ب«ربيع دمشق» حيث شهدت سوريا انفتاحا نسبيا سمحت السلطات خلاله بحرية أوسع فى المجال العام، حاول الراغبون فى «التوريث» تقديم أبنائهم باعتبارهم قادة للحرية والانفتاح وسمحوا لهم بالتمدد داخل أنظمة الحكم ولعب أدوارا تمهد الطريق نحو اكتساب شعبية سياسية خاصة فى أوساط الشباب، وعلى هذا النحو بدأت «خطط التوريث» مع الأخذ فى الاعتبار طبيعة النظام الحاكم وشبكة العلاقات ومراكز القوى والتأثير فى كل بلد كانت قصور الحكم فى تلك البلدان تراقب عن كثب ما يدور فى سوريا وتدرس نموذج التمكين للرئيس الابن وتحسب بدقة كل خطوة على طريق التوريث.
آليات الرفض وعلى الجانب الآخر كانت القوى الوطنية فى تلك البلدان تتابع بقلق النموذج السورى وتخشى محاولة استنساخه داخل بلدانهم. فى مصر كانت شرارة الرفض الأولى حيث ارتفع شعار «كفاية» متبوعا بأكبر لاءات الحركة الوطنية المصرية «لا للتمديد لا للتوريث» وانتقلت العدوى بنسب حضور وتأثير أقل فى تونس واليمن وليبيا. غير أن رفض مشاريع التوريث لم يصدر من القوى السياسية فى تلك البلدان وحسب، بل اتسع نطاقه ليشمل مؤسسات رسمية ذات ثقل وتأثير كبيرين، كما شملت أيضا شبكة مصالح وعلاقات كانت تخشى أن يطيح «الوارثون» بنفوذهم وقد استثمر الجميع حالة الغضب الشعبى المتصاعد بسبب تردى الأوضاع المعيشية فى تلك البلدان، فى تمتين جبهة الرفض لمشاريع التوريث، ليتحول الأمر بعد نحو عشر سنوات من مشهد صعود بشار الأسد إلى سدة الحكم فى سوريا، إلى تحركات جدية ليس فقط فى مواجهة مشاريع التوريث، لكن أيضا فى العمل على إسقاط أنظمة الحكم فى تلك البلدان ، وهو ما حدث بالفعل. صحيح أن التغييرات الكبرى التى شهدتها تلك البلدان لا تقع بتأثير عنصر وحيد، فهى تحتاج إلى توافر عدد من العناصر والظروف الذاتية والموضوعية، لكن المؤكد أن فكرة «توريث الحكم» كانت هى المحرك الرئيسى والعنصر الحاكم فيما شهدته تلك البلدان وهو ما حدث لاحقا فى سوريا التى دفعت الثمن أضعافا لإنها كانت قد وقعت بالفعل فى فخ التوريث إن ما حدث فى جنازة سيف الإسلام القذافى لا يعنى إطلاقا القبول المتأخر بسيناريو التوريث، والندم على عدم تحققه، بل على العكس تماما هو يؤكد على أن الخيار الديمقراطى هو طوق النجاة الوحيد لمواجهة كل صور الفساد والاستبداد، ولنا فى النموذج السورى خير برهان.