في أمسية ثقافية نظمتها دار الشروق بجاليري بيكاسو في الزمالك، احتفاءً بإطلاق كتاب «ميدان سفير» للفنان التشكيلي سمير فؤاد، وبحضور لافت من المثقفين والفنانين، جاءت مداخلة الكاتبة والباحثة مي التلمساني لتفتح باب الحديث عن المكان بوصفه ذاكرة حيّة وحاضنة للتجربة الإنسانية، مستعيدة علاقتها الشخصية بحي مصر الجديدة، ومضيئة على ما يحمله الكتاب من حنين دافئ ورؤية إنسانية لتاريخ المكان وتحولاته الاجتماعية والثقافية. وقالت مي التلمساني، إن علاقتها بمصر الجديدة بدأت مبكرًا، إذ درست في مدرسة راهبات بالحي، كما كانت لها عمة تسكن في العمارة المجاورة لميدان سفير. وأكدت أن منطقة مثل مصر الجديدة يمكن أن تُكتب عنها مئات الكتب منذ إنشائها عام 1905 وحتى اليوم، لأنها شهدت مرور أجيال متعاقبة وتحولات اجتماعية وثقافية عميقة، جعلت منها مساحة ثرية للسرد والتأمل. وتحدثت عن بداية تعرفها على الفنان سمير فؤاد، والتي جاءت عبر الشاعر أمين حداد، موضحة أن له ديوانًا صادرًا عن دار الشروق كان غلافه لوحة لسمير فؤاد، وقد لفتت اللوحة انتباهها بشدة. وعندما أبدت إعجابها بها، سألها أمين حداد بدهشة: «إزاي متعرفيش سمير فؤاد؟ ده جاركم في مصر الجديدة»، ثم اصطحبها لزيارته في مرسمه، حيث تعرفت عليه منذ سبع أو ثماني سنوات. وأكدت أنها لا يمكن أن تنسى تلك اللحظة الأولى التي دخلت فيها هذا المكان الذي وصفته ب«الحرم». وقالت إن أول ما لفت نظرها داخل المرسم كان أشرطة الموسيقى الكلاسيكية، واللوحات، والصومعة الصغيرة، والضوء، وكيف شرح لها سمير فؤاد مصدر الضوء وطريقة حضوره في المكان، وكيف ينعكس ذلك على الرسم. وأعربت عن سعادتها الكبيرة بالتعرف على قامة فنية كبيرة، شعرت أنها تأخرت كثيرًا في اكتشافها. وأشارت مي التلمساني إلى أن مصر الجديدة ليست مجرد حي، بل حالة وجدانية خاصة، يشعر سكانها وكأنهم يحملون «جنسية المكان»، حيث يتعرفون على بعضهم البعض بسهولة في أي مكان يجمعهم. ولفتت إلى أن هذا الإحساس انتقل إليها بقوة أثناء قراءتها لكتاب «ميدان سفير»، إذ شعرت بحنين واضح، لكنها أكدت أن ما أسعدها في الكتاب أنه لم يُكتب بروح النوستالجيا بمعناها الباكي أو الرثائي، بل اعتمد على استدعاء ذكريات سعيدة وحنونة. وأضافت أن الإنسان بطبيعته انتقائي في ذاكرته، وأن الكاتب اختار بعناية أجمل المشاهد واللحظات من حياة مصر الجديدة، وهو ما يمنح الكتاب عمرًا طويلًا وقدرة على البقاء، ليكون شاهدًا لأجيال قادمة على شكل وتاريخ مصر الجديدة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. وأكدت أنها أحبت في الكتاب أن ميدان سفير جاء كنموذج مصغر للحي بأكمله، وأن الروح الكوزموبوليتانية كانت حاضرة بقوة، لأن سكان مصر الجديدة يعرفون كل شبر فيها، ويدركون طبيعة وثقافة أهلها، وهو ما كان ينعكس في السؤال الدائم بينهم: «إنت من فين في مصر الجديدة؟». وأشارت إلى أن الكاتب وصف المكان بدقة، من ميادين وشوارع ومحلات، متوقفًا عند أماكن بعينها، ومنها محلات الأرمن والإيطاليين، والأماكن التي اعتاد الناس الجلوس فيها. واستعادت ذكرياتها الشخصية، قائلة إن أول فنجان قهوة شربته في حياتها كان برفقة الكاتب صنع الله إبراهيم في أحد مقاهي مصر الجديدة، وهو ما أعادها تلقائيًا إلى ذكريات الطفولة التي يوقظها الكتاب. واعتبرت أن «ميدان سفير» يرصد تحولات الحياة الاجتماعية وتطور الحي في مشهد واسع، يشمل المدارس ووسائل المواصلات والطرق، والعلاقات بين الجيران، وبين التلاميذ والمعلمين في المدارس، وغيرها من التفاصيل اليومية، وكلها مكتوبة بحنان واضح ومشاهد حقيقية، كأن الذاكرة احتفظت بالجمال فقط وقدّمته عبر الكتابة. وقالت إن الكتاب يبعث برسالة خفية للقارئ، تجعله يشعر بعد الانتهاء منه برغبة في القول: «أنا سعيد إني عشت اللحظات دي»، وأن جزءًا من تشكيله وتكوينه الإنساني تشكّل في هذا الزمن الاستثنائي وفي هذا المكان تحديدًا. وأكدت أن من أهم ما يميز تكوين الكتاب اعتماده على مشاهد وأماكن وأحداث متفرقة، وتابلوهات وسينمات ومستويات طبقية مختلفة، داخل بنية سردية واسعة، تشبه إلى حد كبير استكمال لعبة «البازل»، دون الالتزام بتسلسل زمني صارم. وهو ما يتيح للقارئ أن يبدأ القراءة من أي صفحة، وأن يدخل إلى الكتاب ويخرج منه بحرية، في تجربة ممتعة لا تشترط الترتيب. واختتمت مي التلمساني، حديثها بالتأكيد على أن «ميدان سفير» كتاب ممتع ومهم، يعلّمنا كيف كانت تبدو مصر في الأربعينيات والخمسينيات، من وجهة نظر فنان عاشق للحياة. فهو يتحدث عن الموسيقى بوصفه عاشقًا ومثقفًا موسيقيًا، ويتناول الفن التشكيلي بحس الفنان، وكل ذلك ينعكس بوضوح في أسلوبه وكتابته، لتبقى بصمته واضحة، ولغته قوية ومتماسكة حتى السطر الأخير. حضر الفعالية كلٌّ من إبراهيم المعلم، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الشروق، وأميرة أبو المجد، مدير النشر والعضو المنتدب، والمؤرخ توماس جورجيسيان، والدكتورة غادة لبيب، والكاتب الصحفي إبراهيم منصور، والدكتورة ليلى الراعي، والدكتور أنور مغيث، والفنان يحيى خليل، والفنان مصطفى سليم، وشريف دانش، والفنانة ناهد شاكر، وهدى أبو زيد، ونادية أبو العلا، والكاتب الصحفي سيد محمود، والكاتب أسامة العرابي، ونانسي حبيبي، مسؤول النشر بالدار، والفنان إسلام عطية، وفنان الكاريكاتير سمير عبد الغني.