تقدم رواية «فى مدينة الذباب» للكاتب أحمد عبد المنعم رمضان والصادرة عن دار الشروق تجربة سردية غير اعتيادية، فهى رواية لا تراهن على الحكاية بقدر ما تراهن على تفكيك عقل كامل حول نظرته إلى العالم، هو عقل السلطة حين تواجه ما تراه خطرًا يهدد وجودها. منذ الصفحات الأولى، يضعنا النص داخل مناخ ملىء بالهواجس والخوف والرغبة الدائمة فى السيطرة، ويقود القارئ إلى قلب هذا العقل، لا بوصفه شريرًا دراميا، بل بوصف بنية نفسية وفكرية متماسكة ظاهريًا، ومتصدعة من الداخل. الرواية لا تخفى طبيعتها الرمزية منذ اللحظة الأولى، إذ يفتتحها الكاتب بإشارة شعرية لمحمود درويش عن الذبابة، فى تنبيه إلى أن الذباب هنا ليس تفصيلًا عابرًا، بل مفتاح دلالى سيحمل ثقل الرواية كلها. فنحن لسنا أمام حكاية عن حشرة، بل أمام تأمل فى المعنى؛ فى كائن صغير، مزعج، قادر على التسلل والانتشار، وتهديد أوهام السيطرة المطلقة، وكشف هشاشتها. يبنى الكاتب روايته على تقسيم زمنى دقيق يبدأ من الأول من يناير وينتهى مع أيام ديسمبر، فى محاكاة لعام كامل، بما يحمله من تحولات نفسية وسياسية، هذا البناء اليومى يمنح السرد طابع التقرير أو اليوميات، ويعكس طبيعة البطل الذى اعتاد الرصد والتوثيق، لا الشك أو التأمل، الزمن هنا يأتى بإيحاءات سياسية تستدعى فى خلفيتها تاريخًا قريبًا من التحولات والاحتجاجات. البطل، الذى يظل بلا اسم طول الرواية، يعمل فى جهة سيادية ويتمتع بنفوذ وسلطة، وإخفاء الاسم ليس تفصيلًا شكليًا، بل اختيار فنى واع، يحول الشخصية من فرد إلى نموذج، ومن حالة خاصة إلى تمثيل ذهنى لشريحة كاملة داخل منظومة الحكم، البطل بلا اسم لأنه ليس شخصًا بعينه، بل عقل يرى العالم من خلف المكاتب والتقارير. منذ البداية، يلفت الكاتب الانتباه إلى هوس البطل بالذباب، فذبابة واحدة قادرة على إيقاظه من نومه، وإخراجه عن اتزانه، وفتح باب واسع لقلق يتجاوز النفور الطبيعى من الحشرات، ومع تقدم السرد، يتضح أن هذا الهوس ليس سوى عرض لرعب أعمق وهو رعب فقدان السيطرة، الذباب، بقدرته على الظهور فى أى مكان، وعلى الإفلات من القبض عليه، يمثل كابوسًا لعقل لا يحتمل الفوضى ولا يعترف بما لا يمكن ضبطه. الذباب فى الرواية يتجاوز كونه نتيجة لتراكم القمامة أو الإهمال الإدارى، ويتحول إلى استعارة مكنية للجماهير، للشارع، لكل ما هو غير منظم وغير خاضع للأوامر، هو الكائن الذى تراه السلطة بلا قيمة، يجب القضاء عليه لا فهمه والتى تتوازى مع نظرة هذه السلطة للخارجين عن سيطرتهم وأفكارهم. مع توالى التواريخ، تظهر الإشارات السياسية دون تصريح مباشر، ونرى نظرة البطل فى القراءة، والكتب، والروايات الممنوعة، والمثقفين، كلها تظهر فى وعيه كأدوات لإفساد العقول الساذجة، لا كحقوق إنسانية، فالمعرفة هنا خطر، والوعى تهديد، وأى حركة مستقلة تساوى فوضى محتملة. على المستوى الشخصى، تكشف الرواية عن خواء العلاقات داخل هذا العقل السلطوى فنرى علاقة البطل بزوجته تقوم على رتابة صارمة، تعكس نفس منطق السيطرة والكمال الشكلى الذى يحكم نظرته للعالم. فى المقابل، تمثل شخصية هند، الفتاة التى يراها صدفة فى مقهى، كسرًا مؤقتًا لهذه الصرامة، فهى فى وعيه رمز للحرية، للانفلات، ولما لا يستطيع امتلاكه أو إخضاعه، وجودها يكشف هشاشة هذا العقل حين يواجه ما لا يمكن التحكم فيه. ومع تصاعد ظاهرة الذباب، تتصاعد الهواجس ويتحول الذباب من إزعاج إلى تهديد، ثم إلى عدو صريح، لا يختلف كثيرًا عن الثوار فى تصور البطل، وتأتى حملة القضاء على هذه الحشرة الصغيرة فى انعكاس لمنطق الأنظمة السلطوية حين تواجه الاحتجاج. ومع تصارع الأحداث وصولا للانهيار النفسى للبطل الذى لا يأتى فجأة، بل نتيجة تراكم طويل من القمع الداخلى، والخوف المكبوت، واليقين الزائف حتى النموذج الأبوى، الممثل فى الأب المتقاعد، بسبب مفارقة غريبة، أدت إلى خروجه من الخدمة، يحمل فى طياته استعارة لمصير الابن. ينتهى الأمر بالبطل فى مستشفى الأمراض العقلية، لا بوصفه عقابًا، بل بوصفه منفى، هناك، تختلط الحدود بين الجنون والعقل، وللمرة الأولى، يبدأ البطل فى رؤية نفسه بوصفه سببًا مباشرًا فى تدمير حياة شخص آخر، ويظهر احتمال خلاص إنسانى، لا سياسى. فى الصفحات الأخيرة، تضع الرواية القارئ أمام مفارقة قاسية حين يختار البطل البقاء فى منفاه، رافضًا الهروب، هذا القرار لا يبدو بطولة، بل اعترافًا متأخرًا بالعجز عن العيش خارج الجدران التى صنعها بنفسه، استسلاما لعالم مغلق، أكثر أمانًا من مواجهة واقع لا يمكن السيطرة عليه. رواية «فى مدينة الذباب» ليست رواية عن الذباب، بل عن الخوف من الجماعة، وعن عقل يرى فى كل صوت مختلف إزعاجًا يجب إسكاته، إنها رواية تترك للقارئ السؤال مفتوحًا من كان الذباب حقًا؟ وهل كان الخطر فى الشارع، أم فى العقول التى لم تحتمل وجوده؟