- شهادة دولية على دور مصر… ورسالة إحراج للضمير العالمي لم تكن زيارة النجمة العالمية أنجلينا جولي إلى مدينة العريش حدثًا فنيًا عابرًا، ولا محطة علاقات عامة في مسار نجمة هوليوودية لامعة، بل جاءت كفعل إنساني وسياسي عميق الدلالة. بل حملت في جوهرها أبعادًا سياسية واضحة، عميقة الدلالة تتجاوز فكرة "التضامن" إلى ما يمكن اعتباره شهادة دولية غير رسمية على ما يجري في المنطقة، وعلى الدور الذي تقوم به مصر في لحظة إقليمية وانسانية بالغة التعقيد. أن تختار شخصية بحجم أنجلينا جولي—المبعوثة السابقة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وأحد أكثر الوجوه تأثيرًا في الرأي العام الغربي—أن تكون العريش محطتها، فذلك اختيار سياسي بامتياز. فالعريش ليست مجرد مدينة حدودية، بل نقطة تماس مباشرة مع أزمة إنسانية تحولت إلى اختبار أخلاقي للمجتمع الدولي. في لحظة شديدة الحساسية . - دلالة المكان… ودلالة الصمت الدولي زيارة جولي إلى العريش تُقرأ في سياق دولي يتسم بازدواجية المعايير، حيث تتراجع القيم الإنسانية أمام الحسابات السياسية. وجودها هناك يضع الكاميرا العالمية في موقع لا يمكن تجاهله، ويعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحًا: لماذا تُترك المآسي الإنسانية رهينة التوازنات السياسية؟ العريش، التي أصبحت مركزًا لوجستيًا للمساعدات الإنسانية، تمثل في هذا المشهد الدور المصري العملي في التعامل مع الأزمة، بعيدًا عن الشعارات أو الاستعراض الإعلامي. وهو ما تمنحه زيارة جولي شرعية رمزية أمام الرأي العام العالمي. - حين تتحول النجومية إلى أداة ضغط سياسي قيمة الزيارة تكمن في أن أنجلينا جولي لا تتحدث بلغة السياسيين، بل بلغة "الشاهد". زيارة تختصر معنى أن تتحول الشهرة إلى مسؤولية..وجودها في العريش يحوّل الصورة إلى وثيقة، والمشهد إلى رسالة ضغط أخلاقي على العواصم الكبرى التي تكتفي بالبيانات. فالسياسة هنا لا تُمارس عبر التصريحات، بل عبر الاختيار: اختيار المكان، والتوقيت، والظهور الصامت الذي يقول أكثر مما تقوله الخطب. - مصر في موقع الفعل لا الخطاب تعكس الزيارة حقيقة مهمة في المشهد الإقليمي، وهي أن مصر اختارت موقع الفعل الإنساني بعيدا عن الضجيج في وقت اختار فيه كثيرون موقع المراقبة. عبر فتح المعابر، وقنوات الدعم و المساعدات، وتحمل أعباء إنسانية وأمنية ثقيلة في آن واحد، كلها وقائع على الأرض، لا تحتاج إلى ترويج بقدر ما تحتاج إلى شهود. ومن هنا، تكتسب زيارة جولي وزنها السياسي والانسانى ؛ فهي لا تمنح مصر "دعمًا لفظيا"، بل تقدم صورة موثقة لدور قائم بالفعل..وشهادة دولية غير رسمية لكنها بالغة التأثير. - رسالة إلى الداخل الغربي الأثر الأهم للزيارة يتجه نحو الداخل الغربي نفسه. فأنجلينا جولي تخاطب جمهورًا اعتاد تلقي الرواية الرسمية عبر شاشات بعيدة. وجودها في العريش يعيد صياغة السردية، ويكشف فجوة بين الخطاب السياسي الغربي، والواقع الإنساني على الأرض. بهذا المعنى، تصبح الزيارة جزءًا من معركة الوعي، لا مجرد حدث بروتوكولي. - ما الذي تغيره زيارة واحدة؟ لن تغيّر الزيارة موازين القوى، لكنها تُربك السرديات الجاهزة، وتعيد ترتيب الأسئلة. وفي السياسة، أحيانًا يكون تغيير السؤال أهم من تقديم الإجابة. في المحصلة، تمثل زيارة أنجلينا جولي للعريش موقفا سياسيا مقنعا بالإنسانية، ورسالة واضحة بأن الصمت الدولي لم يعد مقبولًا، وأن هناك من اختار أن يرى، وأن يشهد، وأن يضع العالم أمام مسؤولياته.