في عامٍ انفتح فيه العالم على أسئلة كبرى حول المعرفة والهوية ودور الثقافة في زمن التحولات، واصل المركز القومي للترجمة أداء رسالته بوصفه جسرًا حيًا بين اللغات والحضارات، ومنصة فاعلة لإنتاج المعنى وترسيخ الوعي. وشكّلت الإصدارات المترجمة، بما تحمله من قيمة معرفية وتنوّع فكري ولغوي، العمود الفقري لهذا الحراك الثقافي، حيث جاءت تعبيرًا أصيلًا عن رؤية المركز في تقديم معرفة رصينة للقارئ العربي. وعبر برنامج ثقافي متكامل امتد على مدار عام 2025، قدّم المركز نموذجًا لمؤسسة ثقافية حاضرة في قلب المشهد، تجمع بين الاحتفاء بالرموز، ومناقشة قضايا الفكر المعاصر، وتوسيع أفق الترجمة باعتبارها فعلًا حضاريًا يتجاوز حدود النص إلى بناء الإنسان. شهد المركز القومي للترجمة، على مدار عام 2025، نشاطًا ثقافيًا وفكريًا مكثفًا ومتواصلًا، عكس دوره المحوري بوصفه أحد الأذرع الثقافية الفاعلة لوزارة الثقافة، ومنصة رئيسية لدعم حركة الترجمة، وتعزيز الحوار الثقافي بين الحضارات، وترسيخ دور الترجمة كأداة استراتيجية لنقل المعرفة وبناء الوعي. وجاء هذا النشاط في إطار برنامج سنوي متكامل تنوّعت محاوره بين الاحتفاليات الفكرية، والندوات العلمية، والمؤتمرات المتخصصة، والمشاركات الواسعة في معارض الكتاب داخل جمهورية مصر العربية وخارجها، إلى جانب إطلاق مسابقات وجوائز نوعية تُعنى بالترجمة والإبداع، وتنفيذ مبادرات رقمية استهدفت توسيع قاعدة المتلقين.
أولًا: الاحتفاء بالرموز الثقافية وقضايا الفكر استهل المركز عامه بسلسلة من الفعاليات الفكرية الكبرى التي أولت اهتمامًا خاصًا بالرموز الثقافية والفكرية المصرية والعربية، حيث نظم احتفالًا بمرور 120 عامًا على ميلاد الأديب الكبير يحيى حقي، بوصفه أحد رواد الترجمة والأدب العربي الحديث، كما احتفى المركز بعدد من الرموز الإبداعية والفكرية، من بينهم الشاعر الكبير صلاح جاهين، والأديب العالمي نجيب محفوظ، والفنان عبد الهادي الجزار، وذلك في إطار ربط الترجمة بالسياق الثقافي والإبداعي الأشمل. كما عقد المركز صالونات ترجمة متخصصة ناقشت قضايا راهنة، من بينها علاقة الترجمة بالتقنيات الحديثة، وتحديات الترجمة في العصر الرقمي، وحوار الثقافات، ودور الترجمة بوصفها فعلًا حضاريًا يتجاوز النقل اللغوي إلى بناء الجسور المعرفية بين الشعوب
ثانيًا: حضور قوي وممتد في معارض الكتاب سجّل المركز القومي للترجمة حضورًا لافتًا ومكثفًا في كبرى معارض الكتاب المحلية والدولية، انطلاقًا من مشاركته الفاعلة في معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السادسة والخمسين، حيث نظّم عددًا من الندوات الفكرية، وحفلات توقيع الإصدارات الجديدة، وقدم خصومات موسعة على إصداراته. كما شارك المركز في عدد من المعارض داخل المحافظات، من بينها معارض فيصل، الشلاتين، الفيوم، بورسعيد، الإسكندرية، الأقصر، دمنهور، والمنصورة، بما أسهم في إتاحة الكتاب المترجم لجمهور أوسع، وتحقيق الأهداف الثقافية. وعلى الصعيد الدولي، شارك المركز في معارض مسقط، وأبو ظبي، والدوحة الدولية للكتاب، في إطار تعزيز الحضور الثقافي المصري عربيًا ودوليًا، والتعريف بإصدارات المركز.
ثالثًا: ندوات ومناقشات علمية متخصصة نظم المركز على مدار العام عشرات الندوات والمناقشات العلمية لمجموعة من الإصدارات الفكرية والتاريخية والأدبية البارزة، من بينها كتب: "الحب والحرب في عيون طفل"، "تاريخ شعوب الصحراء"، "التنين الأبيض"، "عالم مرتضى الزبيدي"، "مرارة الظلم"، وغيرها من الإصدارات التي أثارت نقاشات معمّقة حول قضايا التاريخ، والفكر، والعدالة، والهوية، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والمترجمين والباحثين والمتخصصين. كما عقد المركز مؤتمرًا علميًا موسعًا تناول النتاج العلمي والإبداعي الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي، في مجالات الأدب الحديث والقديم، والأدب الشعبي، والمسرح، والنقد، والكتابة الإبداعية.
رابعًا: مسابقات وجوائز الترجمة في إطار دعم المترجمين، خاصة الشباب، أطلق المركز عددًا من المسابقات النوعية، من أبرزها: مسابقات ترجمة مختارات من النصوص الدينية، مسابقة ترجمة الأدب المكسيكي، مسابقة «كشاف المترجمين» في نسخها المختلفة، جوائز الترجمة السنوية، وذلك إلى جانب إطلاق مسابقة "أنا أقرأ" ضمن مبادرة وزارة الثقافة "مصر تتحدث عن نفسها"، والنسخة الثانية من مسابقة "ترجم إبدع" دعمًا لنشر ثقافة القراءة وتعزيز التفاعل مع الكتاب المترجم.
خامسًا: نشاط رقمي وتفاعل جماهيري واسع واكب المركز جمهوره عبر منصاته الرقمية من خلال تنفيذ عدد من المبادرات التفاعلية، أبرزها عرض "كتاب في دقيقة"، وتقديم عروض يومية ومحتوى تعريفي بإصدارات المركز، إلى جانب الاحتفاء بالأيام العالمية ذات الصلة بالثقافة والترجمة، مثل: يوم اللغة العربية، واللغة الصينية، واللغة الفنلندية، ويوم المرأة، ويوم الطفل، ويوم ذوي الهمم، ويوم إفريقيا. وأسهم هذا النشاط الرقمي في توسيع نطاق الوصول إلى المحتوى الثقافي، وتعزيز حضور المركز لدى فئات جديدة من الجمهور، خاصة الشباب.
سادسًا: التعاون الثقافي الدولي شهد عام 2025 تعزيز التعاون الثقافي الدولي من خلال توقيع عدد من بروتوكولات التعاون والاتفاقيات الثقافية مع جهات محلية ودولية، من بينها سفارات المكسيك، ورومانيا، وبولندا، والمعهد الثقافي الفرنسي، إلى جانب التعاون مع جامعات ومؤسسات أكاديمية وثقافية، دعمًا لمشروعات الترجمة المشتركة وتبادل الخبرات.
سابعًا: إصدارات المركز القومي للترجمة شكلت الإصدارات المترجمة محور النشاط الأساسي للمركز القومي للترجمة خلال عام 2025، حيث أصدر المركز حوالي 50 عنوانًا بارزًا في مجالات الفكر والفلسفة والتاريخ والأدب والفنون والعلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب إصدارات للأطفال وكتب التراث والسير الذاتية، ومن بين هذه العناوين البارزة: كتاب "تاريخ سكك حديد مصر"، و"صورة المجتمع المصري"، و"تاريخ بني إسرائيل"، و" أبطال في طابور الماء"، وغيرها. تميزت هذه الإصدارات بتنوع لغاتها ومصادرها، حيث ضمّت الترجمات أعمالًا من الإنجليزية، والفرنسية، والإسبانية، والسواحلية، وعدة لغات أخرى، مع الالتزام بأعلى معايير الجودة في الترجمة والتوثيق، بما يعكس التزام المركز بتقديم محتوى معرفي عالمي معاصر باللغة العربية، يواكب التطورات الفكرية والأدبية على الصعيدين المحلي والدولي. واستهدفت الإصدارات الوصول إلى جمهور واسع من القراء من خلال تنظيم حفلات توقيع، وعرض الكتب في المعارض المحلية والدولية، وتقديم خصومات على بعض الإصدارات، إلى جانب التعريف بها عبر المنصات الرقمية الرسمية للمركز، بما يضمن دمجها في الحياة الثقافية العامة. يؤكد هذا النشاط المكثف في مجال إصدار الكتب التزام المركز القومي للترجمة بدوره الأساسي كمنصة مركزية لترجمة ونشر المعرفة، وبصفته صانع محتوى معرفي عربي متنوع وموثوق، يعكس رؤية مصر الثقافية على الصعيد العربي والدولي.