Refresh

This website www.masress.com/shorouk/2348628 is currently offline. Cloudflare\'s Always Online™ shows a snapshot of this web page from the Internet Archive\'s Wayback Machine. To check for the live version, click Refresh.

 
الجامعة المصرية الصينية تتصدر الخاصة في منح «علماء المستقبل»    افتتاح معرض كنوز مطروح بالقاهرة لدعم الحرف التراثية قبل رمضان    محافظ المنوفية: الانتهاء من رصف كوبري مبارك في شبين الكوم خلال أسبوع    رئيس القابضة للمياه يتابع أعمال إصلاح الهبوط الأرضي بميدان محمد زكي    رويترز: ترامب يسمح للصين بشراء نفط فنزويلا ولكن بسعر مختلف    متحدث فتح: تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب إلى حدود 1967 مدخل أساسي لأي تسوية سياسية    نتيجة مباراة الهلال والفيحاء الآن (2-1) في الدوري السعودي 2026    الهلال يتقدم على الفيحاء بالشوط الأول    الزمالك يواصل تدريباته استعدادًا لمواجهة المصري في الكونفدرالية    عودة الفاخوري بين الأهلي وبيراميدز.. من يحسم الصفقة؟    على مدار 6 سنوات، القبض على شاب بتهمة هتك عرض ابنة خاله في مايو    تنفيذًا لوصية والدته.. رضا البحراوي يعلن اعتزاله الغناء والتمثيل    «حنين إلى الدائرة المغلقة»: ذاكرة بدر الرفاعى تعيد إحياء مصر قبل 70 عامًا    فوز رواية طيران للكاتب محمد أحمد جمال بجائزة إدوارد الخراط في دورتها الثانية    طلب إحاطة بشأن النقص الحاد في أسرة العناية المركزة بالمستشفيات الحكومية    البرلمان الفرنسى يوافق على قرار أوروبى بتصنيف الإخوان تنظيم إرهابى.. تحذيرات أمنية عن نشاط الجماعة داخل أوروبا.. والمفوضية الأوروبية والمجلس يدعوان لمراقبة تمويلها ومنع محاولات للتأثير على المؤسسات المدنية    موزمبيق.. مصرع أكثر من 100 شخص جراء الأمطار والفيضانات    بعد نشر أهل مصر.. القبض على مواطن بنى مقبرة داخل منزله ونقل إليها جثة والده بقنا    مجمع إعلام الفيوم ينظم ندوة بعنوان الصحة النفسية للأسرة والأمن المجتمعي    القبض على المتهم بقتل شاب في حدائق القبة    لقطات رومانسية تجمع أحمد العوضى ويارا السكرى ضمن أحداث مسلسل على كلاى    دبلوماسي يكشف ل "فيتو" أوراق ترامب للتعامل مع أزمة سد النهضة    بالأسماء ..وزير التعليم يصدر حركة تغييرات مفاجئة لمديري ووكلاء المديريات التعليمية    طريقة عمل صينية خضار بالفرن مع صوص الطحينة    عقب الامتحان.. ضبط طالب إعدادي أصاب زميله ب«كتر» أمام مدرسة في قنا    اتصالات النواب تستدعي ممثلي الحكومة لبحث إلغاء الإعفاء الاستثنائي لهواتف المصريين بالخارج    رئيس أشمون يحيل عددًا من المختصين للتحقيق لتقاعسهم عن تنفيذ إزالة 16 مخالفة بناء    جامعة قناة السويس تتقدم عالميًا في تصنيف «التايمز» 2026    محمد الباز يفتح الصناديق المغلقة لرحيل «صاحب نوبل» في معرض الكتاب    مختار عيسى: كتاب الرحم الاصطناعي يفتح ملفات فكرية شديدة الحساسية    رئيس زراعة الشيوخ: التغيرات المناخية تخفض الإنتاج وترفع فاتورة الاستيراد الغذائي    وزير قطاع الأعمال يستقبل وفدًا رفيع المستوى من مجموعة شاندونج الصينية لبحث فرص التعاون في صناعة المركبات الكهربائية    من القاهرة إلى الإسكندرية.. مسارح نقابة المهن التمثيلية تستعيد بريقها.. صور    "بكلمات مؤثرة".. هكذا ودع رضا البحراوي والدته الراحلة    غرفة الصناعات المعدنية تعقد اجتماعا طارئا لبحث فرض أمريكا رسوما على الحديد المصرى    برشلونة يوضح إصابة بيدري.. ويكشف مدة غيابه    قافلة طبية مجانية شاملة بمركز شباب طنبدى بمغاغة ضمن مبادرات دعم القطاع الصحى    أولمرت: نتنياهو ومساعدوه الإرهابيون يريدون الحرب والمعارضة عاجزة    أوقاف القليوبية تطلق اختبارات مسابقة صلاة التهجد استعدادا لشهر رمضان المبارك    مؤتمر حسام حسن: نريد التعاون للظهور بالشكل الأمثل في المونديال.. وتقليل عدد الأجانب    عميد طب قصر العيني: نولي أهمية خاصة لتطوير منظومة التعليم الطبي    ميرتس يحذر في دافوس: العالم الذي لا يُعتدّ فيه إلا بالقوة هو مكان خطير    استشهاد فلسطينى برصاص الاحتلال شرق خان يونس جنوب قطاع غزة    ترامب: هناك نقاشات مع بوتين ونقترب من حل أزمة أوكرانيا    مجلس الوزراء: مصر تتقدم 10 مراكز في مؤشر جودة التعليم لتصل إلى المركز 41 عالميًا عام 2024    طوارئ بغرف عمليات المرور تحسبا لسقوط أمطار على الطرق السريعة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 22يناير 2026 بتوقيت المنيا    حكم صيام ما بعد النصف من شعبان؟    مواعيد مباريات اليوم الخميس 22 يناير 2026    الرياضية: بعدما رفض شرط النصر.. اتحاد جدة ينتظر رد التعاون    لليوم الرابع: استمرار أعمال البحث عن جثامين ضحايا التنقيب عن الآثار بالفيوم    وكيل التعليم بالغربية: امتحانات الشهادة الإعدادية اليوم تسير بصورة طيبة    بريطانيا: لن نوقع على ميثاق مجلس السلام الذي طرحه ترامب    وزيرة التخطيط تستعرض خلال منتدى "دافوس" استراتيجية مصر لتنويع مصادر الطاقة النظيفة    الخسائر الحقيقية لأمم إفريقيا    قسم الأمراض الجلدية بجامعة أسيوط ينظم مؤتمره السنوي الحادي عشر    اللواء عادل عزب: 25 يناير لم تكن ثورة مكتملة.. والإخوان خططوا ل«أخونة المجتمع»    كمين مباحث يُنهي مغامرات لص الموبايلات بشبرا الخيمة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



البحث عن الدائرة المغلقة
نشر في الشروق الجديد يوم 12 - 04 - 2025

ربما يكون الصدق والبساطة هما مفتاح هذه السيرة الذاتية، فلا تجد فيها تضخيما للذات ولا للدور، ولا تقرأ فيها «عنتريات» تطمح إلى تغيير العالم، بل ربما هى أقرب إلى سيرة حيرة وأسئلة، وليست سيرة إجابات ووصول، سيرة ضعف ومشقة، وليست سيرة قوة ووصول ويقين.
أحببت سيرة «حنين إلى الدائرة المغلقة» الصادرة عن دار الكرمة، لمؤلفها بدر الرفاعى، وهو مترجم كبير، قدّم للمكتبة العربية ترجمات مهمة، أحدثها ترجمة كتاب «إعلام الجماهير.. ثقافة الكاسيت فى مصر» للباحث الأمريكى أندرو سايمون، وقد تخرج الرفاعى فى العام 1971 فى قسم الصحافة بكلية الآداب جامعة القاهرة؛ أى إنه من الجيل الذى عاصر الأحداث المصرية والعربية الكبرى فى القرن العشرين، وسنوات القرن الحادى والعشرين، منذ مولده فى عام النكبة (1948)، وحتى اليوم.
ولكن الحدث الأهم والمؤثر كان شخصيا وعائليا، فهو ابن كادر شيوعى معروف، هو سيد سليمان الرفاعى (الرفيق بدر)، السكرتير العام لتنظيم «حدتو» الشهير، والذى سجن لمدة سبع سنوات فى الواحات، وكانت أم بدر شيوعية أيضًا، تحملت مسئولية تربيته ورعايته طوال فترة سجن أبيه، وقد حدّدت هذه الظروف العائلية مسار حياة بدر، وسنوات عمره الأولى، وأثّرت عميقا بعد ذلك على أفكاره وأسئلته.
وقبل أن تظن أنه ورث النضال عن والده، يدهشك الرجل بأنه ليس مناضلًا، ولا يحب أن يكون، وأنه كسول، ويحن دوما إلى الدوائر المغلقة والمنعزلة، ويميل إلى الوحدة، ويتذكر بكثير من التفاصيل والشغف طفولته فى قرية جده لأمه، حيث تركته أمه لفترة بسبب ظروف مطاردات السياسة.
ورغم أن بدر قد عرف بدوره العمل السياسى السرى فى مرحلة الشباب المبكر، فإنه مرَّ بفترة مراجعة كاملة، وبمحنة نفسية، أورثته قلقًا وأسئلة وعدم يقين، وبقيت من التجربة تلك الشهادة المهمة عن الزمن والناس والوطن، وعن الشخصيات الكثيرة التى عرفها خلال مسيرته الصحفية، بالذات فى فترة عمله سكرتيرا فنيا فى دار الفتى العربى.
يمكن أن نعتبر هذه السيرة وثيقة اجتماعية وإنسانية مدهشة، والفصول الأولى التى يحكى فيها بدر الرفاعى عن فترة القرية، ثم عودته إلى أمه، ليقيما فى أكثر من مكان فى شبرا، ثم خروج الأب من السجن، والانتقال إلى شبرا الخيمة، كتبت بجرأة واقتدار، وبنفس روائى، لا يترك شاردة أو واردة، فتشعر فى السطور بنبض الحياة فى خشونتها وبساطتها، وسط ظروف أقرب إلى الفقر والتقشف، وتبدو القرية المصرية بالذات بطريقتها بعيدة عن أيدى التحديث، ومن خلال عين طفل يكتشف العالم، يتدفق السرد حرا وطليقا وصريحا، ونرى شخصيات الجدة والجد فى القرية، ثم شخصية الأم فى القاهرة، كعناصر أساسية فى البناء، وكمحاور لدراما السنوات الأولى، التى شكّلت العالم الأول الذى عرفه الكاتب.
يكتب الرفاعى بصورة حميمة وواقعية، ورغم انتزاعه من القرية التى لم ينتظم فيها للدراسة، وإن عرف الكتّاب، وتلقى فيه ما جعله «يفكّ الخط»، فإنه ظل يحن دومًا لتلك الحياة المنعزلة والتى تجعل الإنسان على صلة مباشرة بالطبيعة، والتى جعلته أيضًا على معرفة بتنوع هائل فى الشخوص والأماكن والخبرات، وساعدته على تسجيل طقوس ومهن وطرق للعيش، وترويض الحياة اندثرت تماما بعد ذلك.
بعد فترة قصيرة للعيش مع جده لأمه فى القاهرة، يعود دور الأم المناضلة قويا ومؤثرا، فقد كانت عاملة فى مصنع للنسيج، وناشطة سياسية، وتزور وترعى أسر المعتقلين أيضًا، ونجحت إلى حد كبير فى أن يستكمل ابنها تعليمه، رغم حياة فقيرة بائسة.
ورغم فوضى حقيقية، جعلت بدر أبعد ما يكون عن أن يكون تلميذًا مثاليًا، وأقرب فى فترات كثيرة إلى الفشل الدراسى، فإن عودة الأب الغائب، وتعيينه موظفًا فى دار الأوبرا القديمة، أعاد إلى الأسرة بعض التوازن. وفى اليوم الأول من امتحان الابن للثانوية العامة، بدأت حرب يونيو 67، وبدأت بالتالى مرحلة جديدة لم تتوقف فيها الأحداث الكبرى عن التأثير على أبناء الجيل كله.
ولكن الانكسار والخذلان الذى لم يفارق أبدًا بدر الرفاعى بسبب كارثة يونيو، والذى وصفه ببراعة فى كتابه، مقترنًا بهموم المرض الجسدى والنفسى، لم يمنعه من الإشارة إلى حيوية كبيرة فى الحياة الثقافية والجامعية عاصر الكثير من تفاصيلها، من مظاهرات الاحتجاج على محاكمات قادة سلاح الطيران إلى نهضة مسرحية كبيرة، وحوارات ومناقشات صاخبة، ومولد جيل من الكتاب والمبدعين، ثم جاءت حرب أكتوبر التى عاصرها بدر ضابطًا احتياطيّا، وتلتها سنوات الانفتاح والتغيرات الاقتصادية الشاملة والتى قلبت المجتمع رأسًا على عقب.
مع موت الأب فى أغسطس من العام 1983، يبدأ بدر فترة صعبة على المستوى الشخصى، فى صورة مراجعة وأسئلة فى كل الاتجاهات، ووقفة وجودية، وأزمة نفسية وبدنية، وكأنه يترجم بذلك محنة جيل كامل، ولكنه يستمر ويتعافى تدريجيا.
لعل المعنى الأهم الذى خرج به من المحنة هو ألا يكون أسيرًا للأيديولوجية، أو للتعصب للرأى، وإن ظل محافظًا على انحيازات إنسانية عامة.
يدين الرفاعى للصداقة وللأصدقاء، مثلما يدين لهواية صيد السمك التى أنقذته من الخمور والقمار، وحديثه عن الصيد ممتع ومشوق، ويدين كذلك للكتب التى ترجمها بكثيرٍ من المعرفة، ويدين أكثر لثقافة الحياة المباشرة، للناس وللأماكن، لمغامرات الطفولة ونزقها، ولرحلة حياة كاملة، بحث فيها دومًا عن الدائرة المغلقة، من منطقة السادس من أكتوبر إلى واحة سيوة، ولكن الزمن لا يعود أبدًا إلى الوراء، والأحلام ينتهى تاريخ صلاحيتها، أو كما قالت الست فى أغنيتها: «وعايزنا نرجع زى زمان / قول للزمان ارجع يا زمان».
ولأنها حكاية كتبت ونسجت من البساطة والصدق، سيسكن الكتاب قلبك، وستحب الرجل وشخصياته وزمنه، وستشكر له أنه أخذنا إلى دوائره المغلقة، وأنه أهدانا بكل تواضع خلاصة حياة وعصر وصفحات ثرية من تاريخ الوطن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.