الثقافات تتواصل ولا تتنافر وتتغلغل فى الأعماق دون تفرقة أو تمييز. تؤرقنى كثيرا خلال العقود الأخيرة عبارة صراع الحضارات وأظنها غير موفقة تتعارض تماما مع مفهوم الحضارة والفلسفة التى تستند إليها، فالحضارات تتكامل ولا تتنافس وهى قنوات مفتوحة تصب فى خانة نهر التقدم المشترك للأمم والشعوب، والذين يدركون المعنى الحقيقى لكلمة ثقافة يستطيعون بسهولة التعرف إلى مفهوم الحضارة لأن هناك تطابقا بدرجة ما بين تعبيرى الحضارة والثقافة، فالحضارة فى النهاية هى أسلوب سلوك جماعى يستند إلى أرضية مشتركة وفكر جماعى فى مرحلة معينة من تاريخ الأمم، وما أكثر الثقافات التى عبرت فوق أرضنا والحضارات التى تزاوجت عبر آلاف السنين بين العرب وغيرهم فى جميع ميادين المعرفة ومجالات العلم ودوائر الفكر. وأطالب بداية أن نتوافق على تعريف مشترك لمفهوم الحضارة، فأنا أراها ذلك النسق الذى تضرب علومه وآدابه وفنونه فى أعماق الزمان وفى أنحاء المكان، أو قل إنها مجموعة النسب المتجانسة التى تصنع سبيكة مقبولة لدى كل من يتعاملون معها أو يعيشون فى ظلها، إن لدينا الحضارة الفرعونية الملهمة ولا أجد غضاضة فى أن أسميها «أم الحضارات» التى شاركت بعض الحضارات النهرية الأخرى فى الصين والهند وبلاد الرافدين وغيرها من الحضانات التاريخية للحضارات القديمة، ولقد كان من نصيب الشعب الذى ننتمى إليه أنه ظل لآلاف السنين حاضنا للثقافات، مرحبا بالديانات، منطلقا من الفلسفة الموروثة من تلك الحضارات لا لكى نسحب السجادة من تحت أقدام أى منها ولكن لتأكيد أن الحضارات سلسلة متصلة تلتقى كلها على قاعدة الخير العام والتقدم نحو الأفضل وترسيخ روح الأخوة الإنسانية، والحضارة بهذا المفهوم تنعكس على الجماعات البشرية فى السلوك العام وركام التقاليد والقيم التى تعترف بها كل جماعة. شاءت الأقدار أن يضع المصرى القديم أسسا فريدة للوعى الحضارى الذى سبق به حضارات المتوسط الإغريقية والرومانية ومعهما الفينيقية، وتجاورت تلك الحضارات على أرض مصر مكانا وتتابعت زمانا حتى أصبحت فرادة هذا الوطن مضرب الأمثال فى قدرته على الانصهار والانسجام والتناغم، ولقد وقع فى يدى أخيرا كتاب موجز للكاتب الصحفى المصرى الأستاذ محمد عبدالله بعنوان «قبة سيدنا الولى، ميراث التسامح فى وجدان المصريين»، قال فى مقدمته، ثمة مساحة مشتركة كبيرة وليست صغيرة، تجمع بين المواطنين المصريين على الرغم من تنوع الانتماء الدينى، وعلى الرغم أيضا من الاختلاف المذهبى داخل الدين الواحد، وهى تشابهات عبرت عنها الكثير من القيم والعادات والأعراف والتقاليد، وكثيرا ما نشاهدها عبر مظاهر الحياة اليومية، فى الأفراح والأحزان، فى الأعياد القومية والمناسبات الدينية، فى الموالد الشعبية، والممارسات الاجتماعية، فى طلب البركة والتماس المعونة، وبالإجمال فى مختلف المناسبات، صورة تعكس قدرا من المحبة والتسامح وقبول الآخر المختلف والرغبة فى تأكيد العيش المشترك والتعاون البناء». تعبر تلك المساحة من التشابه فى حقيقة الأمر عن وحدة الشخصية المصرية وقدرتها على استيعاب كل جديد ليتسع مخزون تلك الشخصية ويزداد ثراؤها، وهى سمة أساسية ميزت المصريين منذ أيام قدمائهم مرورا بالحقبة القبطية ثم الحقبة الإسلامية، وصولا إلى مصر الحديثة والمعاصرة، وذلك ما يعبر أيضا عن ثقافة واحدة تضم ثقافات فرعية تتواصل فى ما بينها ولا تتنافر، تستمر ولا تنقطع، إن مصر استطاعت أيضا تمصير الديانات السماوية التى أتت من الجوار الجغرافى وحولتها فى كثير من الأحيان إلى مجرد طقوس للعبادة. ليس تركيزنا على الحالة المصرية بسبب دوافع شوفينية ولكنها مثال يجسد الواقع كله فى تاريخ غرب آسيا وشمال أفريقيا، والذى يتابع التراث الفكرى لعالم الاجتماع المصرى الكبير سيد عويس سوف يكتشف أن المصريين، مسلمين وأقباطا، يراسلون أصحاب الأضرحة من الدينيين بلا تفرقة أو تمييز طلبا للشفاعة وتحقيق المطالب فيكتب المسلمون إلى مزارات الكنائس والأديرة ويكتب المسيحيون إلى صناديق المساجد حدث ذلك كثيرا فى مؤشر للانصهار الاجتماعى الذى لا نظير له، ويستخدم عالم الاجتماع على فهمى تعبير الدين الشعبى باعتباره الخيط الممتد من آلاف السنين حتى عصرنا هذا محافظا لنا على مئات من العادات والتقاليد التى لا يزال المصريون يتمسكون بها ولم تستطع موجات الاحتلال العسكرى أو الغزو الثقافى بل طوفان العولمة أو الكوكبية أن تزيح هذه المعتقدات والتقاليد من وجدان المصريين، ولأن التسامح حالة وجدانية مصرية فلم ينظر المصريون عبر تاريخهم إلى موطن أو جنسية الأولياء الذين يزورونهم، فالسيد البدوى فى طنطا قادم من مدينة فاس المغربية وأبو العباس المرسى فى الإسكندرية قادم من مرسيه ببلاد الأندلس وأبو الحسن الشاذلى ومقبرته فى جنوب مصر الغربى قادم من تونس وعبدالرحيم القناوى فى مدينة قنا قادم من مدينة سبتة المغربية. جذبت تلك الظاهرة الفريدة انتباه المؤرخين والمستشرقين والرحالة الذين زاروا مصر وعاشوا بين المصريين وهو الأمر ذاته الذى انعكس على ضباط الحملة الفرنسية وعلمائها الذين وضعوا موسوعة وصف مصر وقبلهم ابن تغرى بردى وابن إياس والمقريزى والجبرتى، وعندما أتت العذراء مريم إلى مصر رأى المصريون فى قصة ميلاد ورعاية ابنها السيد المسيح، عليه السلام، كثيرا من التشابه مع معشوقة «إيزيس»، وهو الأمر ذاته مع السيدة زينب رضى الله عنها التى جاءت إلى مصر لاجئة من بطش معاوية بن أبى سفيان وأتباعه، ولما لم يكن للسيدة زينب ولد تحمله كحورس أو المسيح فقد خلق لها وجدان الشعب المصرى المحب لآل البيت بديلا وجعلها القصص الشعبى تحمل رأس الحسين وتعود به إلى مصر ليدفن بأرضها مثلما لجأت العائلة المقدسة طلبا للأمان من بطش الرومان. لقد ظللت لسنوات طويلة مهووسا بالتداخل بين الثقافات بمنطق الجوار الجغرافى ثم عدلت عن ذلك ولجأت إلى التسلسل التاريخى، وقد خرجت من الحالين بمفهوم واحد هو أن الثقافات تتواصل ولا تتنافر وأن الجيوش تحارب والحضارات تتغلغل فى أعماق الطرفين من دون تفرقة أو تمييز، وحاولت الدولة العبرية مثلا مواجهة الوجود العربى فى الشرق الأوسط بدعايات كاذبة محاولة سرقة التراث الثقافى بدءا من أهرامات الجيزة وصولا إلى طبق الفول والطعمية، فالسطو التاريخى على الحضارات وتشويه الثقافات هما أمران شائعان فى هذا العصر، وما أظن حضارة تعرضت للتشويه فى العقود الأخيرة مثلما جرى للحضارة العربية الإسلامية التى جرى استبدال التسامح فيها بالتعصب، والاعتدال بالتشدد حتى أضحينا أمام حال من الركود الذى ينهى الحقيقة القائلة، «إن التفكير فريضة إسلامية، وإن باب الاجتهاد مفتوح، وإن ما تجمع عليه الأمة هو الصواب حتى إن خالف نصا فرعيا لأئمة المسلمين باستثناء ما جاء فى القرآن الكريم والأحاديث المؤكدة». أقول ذلك لكى نلفت النظر إلى أهمية دراسة التداخل بين الحضارات والنبش المتعمد فى الأرضيات المشتركة وجذبها فى اتجاه معين لخدمة أهداف بذاتها، والعجيب فى الأمر أننا كلما أمطنا اللثام عن المجهول لا تزداد مساحة المعلوم كما هو متوقع بقدر ما تزداد مساحة المجهول أيضا، فكل حقيقة يجرى اكتشافها تستدعى وراءها أسرابا من المعلومات تجعلنا نقف على منصات جديدة للتفكير العلمى السليم، ويهمنى هنا أن أسجل الحقائق التالية: أولا: إن الحضارة وعاء إنسانى يحتوى التيارات والاتجاهات جميع فى ظل منظومة متجانسة تتناغم مع أطرافها كالأوركسترا التى تعزف الموسيقى التى ترضى الأذواق وليست تلك النغمات النشاز التى تسمح بأن تخرج آلة عن النوتة وتعصف بجمال اللحن، فالحضارة بناء إنسانى ومكون بشرى تتزايد قيمته كلما تأصلت جذوره وامتد عمره. ثانيا: إن العمر الافتراضى للحضارات غير محدد بطبيعته ولكنه يرتبط بعوامل الضعف والانحلال وغالبا ما يأتى خواء الحضارات من داخلها وعندها تتهاوى القيم وتزوى التقاليد وتضعف طرائق التفكير ومناهج البحث ويختلف الأمر، فالحضارة نهج فكرى يقوم على أسس راسخة لا تسقط بالتقادم ولكنها قد تضيع فى الزحام، خصوصا إذا سيطرت المواقف الشعبوية على الأفكار النخبوية. ثالثا: إن القياس الحضارى القائم على التداخل المشترك يجد نماذج واضحة له فى القارة الأم (آسيا الكبرى)، ف«الغورو» فى الهندوسية يقترب عن مفهوم الإمام لدى شيعة المسلمين وهما معا يشتركان مع مفهوم العصبية القبلية فى التاريخ العربى، أى أن القياس المشترك قائم دائما وفى كل الأحوال. إن قاهرة المعز تضم متحفا إسلاميا مفتوحا هو شارع المعز ومتحفا فرعونيا مفتوحا وهو منطقة الأهرام وتلك هى شواهد حضارية لا تزول، وليس هناك ما هو أروع من ذلك التوصيف لما نملك، وأخيرا فإن فلسفة الحضارة تقوم على الحوار الذى يحترم الرأى الآخر ويؤمن بما قاله الإمام الشافعى رضى الله عنه، «إن رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب» التى ترجمتها المقولة الشهيرة لفولتير فى الحضارة المسيحية الأوروبية بعد ذلك بقرون عدة والتى تعنى استعداده للدفاع عن حرية رأى حتى لو كان يختلف معه. تلك هى الحرية الحقيقية والاحترام الكامل لتواصل الحضارات.