في 28 فبراير 1922 صدر التصريح البريطاني الشهير الذي حصلت مصر بموجبه على "استقلال رسمي" عن بريطانيا في 15 مارس من نفس العام.. ذكرى نشهد هذه الأيام مرور 100 عام عليها. وعلى الرغم من أن كثيرين يعتبرون ما جرى في تلك الفترة مجرد مناورة بريطانية واستقلالا صوريا، إلا أن التصريح والاستقلال والإعلان عن إنشاء المملكة المصرية "نقل القضية المصرية خطوة إلى الأمام، لأن مصر قد كسبت فيه اعتراف إنجلترا باستقلالها"، بحسب تقدير المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي في كتابه " في أعقاب ثورة 1919". في ذكرى مئوية استقلال مصر، تواصلت "الشروق" مع المؤرخة الدكتورة لطيفة سالم -وهي واحدة من كبار أساتذة التاريخ الحديث والتي كان لها إسهامات ومؤلفات بارزة عن مصر قبل وبعد ثورة 1919- لتسلط الضوء على بعض تفاصيل تلك المرحلة بما فيها الخلاف الذي دار بين سعد زغلول وعدلي يكن حول رئاسة المفاوضات مع الإنجليز قبل إصدار التصريح. في 26 فبراير1921 أبلغت الحكومة البريطانية السلطان فؤاد بأن الحماية البريطانية المفروضة على مصر "علاقة غير مرضية"، ودعت مصر إلى الدخول في مفاوضات رسمية جديدة للوصول إلى إبدال الحماية بعلاقة أخرى، فتألفت وزارة عدلي يكن باشا لهذا الغرض، وراسلت الوزارة الزعيم سعد زغلول للاشتراك معها في المفاوضات، فاشترط سعد للدخول في المفاوضات عدة شروط كان أهمها: أن تكون الغاية من المفاوضات إلغاء الحماية البريطانية على مصر، الوصول إلى الاعتراف بالاستقلال التام، إلغاء الأحكام العرفية والرقابة على الصحف، وأن يتولى سعد بنفسه رئاسة المفاوضات، لكن الشرط الأخير فجر الخلاف بين سعد و عدلي الذي كان يرى أنه أحق بالرئاسة سيما أنه رئيس الحكومة. تفسر د. لطيفة موقف سعد زغلول بأنه " كان معتزا بنفسه للدرجة التي جعلته يعتبر أنه أحق برئاسة المفاوضات مع الإنجليز، وذلك بسبب التوكيلات التي منحتها الأمة إياه كممثل لها، وكان يرى أنه هو الأجدر بمباشرة محاولات أخذ حق مصر من الإنجليز". تتفق د. لطيفة مع طرح أن تصريح 28 فبراير أعطى مصر استقلالاً صورياً، لكنها تشير إلى أن تصريح فبراير كان خطوة لاستقلال مصر، لأن نتائجه كانت جيدة جداً، فبفضله عادت لمصر وزارة الخارجية التي كانت قد ألغيت عندما فرضت الحماية البريطانية، وتأسست المملكة بدلاً من السلطنة التي تأسست عام 1914 على إثر إعلان الحماية البريطانية على مصر وفصلها نهائيا عن الدولة العثمانية، مما كان معناه أن مصر صارت مستقلة وليست تابعة لإنجلترا. يصوّر تصريح 28 فبراير على أنه حلقة من حلقات النضال الوطني التي أدت في نهاية المطاف إلى توقيع اتفاقية الجلاء في عام 1954 وتوجت بجلاء آخر جندي بريطاني في مصر في 18 يونيو 1956، في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وهي اتفاقية وقعت بعد احتلال دام نحو 74 عاماً شهد ثورات ومقاومات شعبية بدأت بثورة الزعيم أحمد عرابي ضد الإنجليز وكفاح الزعيمين مصطفى كامل ومحمد فريد، ثم ثورة 1919 التي كسرت جمود الحركة الوطنية وتوجت مساعيها بإعلان استقلال مصر في 15 مارس 1922. تقول د. لطيفة إن" تصريح 28 فبراير كان أحد بواعث جلاء الإنجليز عن مصر في 1956 بموجب توقيع اتفاقية الجلاء". السياق العالمي لاستقلال مصر ولا يمكن إسقاط إعلان استقلال مصر 1922 من سياقه الزمني، تلك الفترة التي خرجت فيها قوى الحلفاء وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا والولاياتالمتحدة وإيطاليا واليابان منتصرة في الحرب العالمية الأولى على ألمانيا والدولة العثمانية والإمبراطورية النمساوية المجرية وبلغاريا، وهي – أيضاً - الحرب التي أنتجت قوة عظمى جديدة هي الولاياتالمتحدةالأمريكية، ذلك العملاق الذي تصاعد نفوذه وأصبح مهدداَ لنفوذ القوى العظمى الكلاسيكية كإنجلترا وفرنسا. تقول: "بعد الحرب العالمية حدثت قلاقل وهزات في كل الدول التي تقع تحت حماية بريطانيا بما فيها مصر، فرأت بريطانيا أنه من مصلحتها التنازل عن بعض الأمور لتضمن بقاء نفوذها ومصالحها في البلاد، وحماية اتصالاتها في قناة السويس، خصوصاً أن مستعمراتها بعد الحرب كبدتها ميزانية ضخمة، فسعت إلى تخفيض إنفاقها العسكري في تلك المناطق، وكان تصريح 28 فبراير ثمرة ذلك". وتضيف "صعود الولاياتالمتحدةالأمريكية ، جعل بريطانيا تخشى على نفوذها في مصر خوفاً من تقلص هذا النفوذ وذهابه إلى القوى الصاعدة حديثا". هذا الأم أشار إليه منذ 100 عام المستر هربرت في جلسة مجلس العموم البريطاني قبل إعلان المجلس موافقته على استقلال مصر بساعات ، إذ قال "يجب أن نحتفظ بالقناة مهما كلفنا ذلك ولا أفيض الكلام في هذا الموضوع لأنه جلي واضح. ولن نسمح بأن تتخذ أية دولة مركزنا أو تتخذ نفوذاً يقارب نفوذنا في مصر". من سلطنة إلى مملكة بعد أسبوعين من تصريح 28 فبراير صدر إعلان استقلال مصر والذي نشر بالجرائد المصرية وتضمن موافقة مجلس النواب الإنجليزي على إلغاء الحماية والاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة. يعتبر من أبرز نتائج هذا الإعلان تحول مصر من سلطنة إلى مملكة، ثم إعداد دستور جديد وانتخاب برلمان. وعن دلالات تحول مصر إلى مملكة تعقب د. لطيفة على ذلك بأنه لما فرضت بريطانيا الحماية على مصر في عام 1914 عزلت بريطانيا الخديو عباس حلمي الثاني، ولت بعده حسين كامل الذي بدوره طلب منحه لقب "الملك"، فرفضت لندن طلبه بدعوى أنه لا يجوز أن يكون ملكاً وهناك ملك آخر في بريطانيا، ومنحوه لقب سلطان، فسعد حسين كامل بهذا اللقب لأنه بذلك ساوى نفسه باللقب مع السلطان العثماني الذي كان في طريقه للزوال. وظلت الأمور على هذا المنوال حتى قدوم فؤاد الذي كانت له مجهودات واضحة في الجمعيات الخيرية والنشاط الاجتماعي، ولما حصل الاستقلال منح نفسه لقب الملك وأدى ذلك إلى تغير نظام القصر تماماً وأصبح شبيها بعض الشيء بالنظام الملكي في إنجلترا، بحسب د. لطيفة. تختم حديثها إلى "الشروق" بأن ثورة 1919 مثل كل الثورات أحدثت تحولات في البنية المجتمعية إذ ظهرت بعد الاستقلال في 15 مارس 1922 كيانات جديدة وتوجهات جدية لتحديث اجتماعي وثقافي مثل قفزة حضارية لتعويض مصر ما فاتها تحت الاحتلال والحماية، بالإضافة إلى إنشاء العديد من المعاهد والجمعيات والجامعات والنقابات والمتاحف والمدارس، وأصبحت الصحافة تتمتع بحرية أكبر، كما تطورت الآداب والفنون خاصة الموسيقى وظهرت السينما "كل هذا يندرج تحت اسم الوعي المجتمعي الذي فجرته ثورة 1919" وفقاً لقولها.