في 11 أغسطس عام 2015 رحل الفنان نور الشريف، عن عالمنا بعد صراع مع مرضٍ لعين، أصاب رئته، وفقد الوسط الفني برحيله والفن العربي عامةً واحد من أعمدته القوية، فنان ارتبط اسمه بأعمال متميزة، وعُرف بثقافته الواسعة وآرائه القوية، لم يكن على الهامش ولكن في قلب جميع القضايا، بدأ رحلته التمثيلية من مدرسة قادن الإعدادية بحي السيدة زينب حتى تجاوز الحدود وأصبح أبرز نجوم الوطن العربي. نتذكر سويا في ضوء هذه الذكرى جانبا مهما من جوانب شخصية الفنان نور الشريف الممثل المسرحي، الذي بدأ من خشبته وسحرته السينما ثم أصبح أحد نجوم الدراما التلفزيونية المصرية، من خلال أحد المقالات التي كتبها حسن عطية، أستاذ الدراما بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وسرد فيها اهتمام الشريف بالمسرح خلال مسيرته الفنية. نور الشريف الأول دائما قدم محمد جابر، أوراقه إلى قسم التمثيل ووجد نفسه أخيرا يقف بإحدى قاعات المعهد الذي كان مقره في الزمالك حينها وعليه أن يقدم مشهدا باللغة الفصحى وآخر بالعامية وثالث ارتجالي، أمام لجنة مكونة من حمدي غيث وعبدالرحيم الزرقاني ومحمد توفيق وكمال يس والناقد دريني خشبة، ووجد اسمه أول كشوف المقبولين. ويقول عطية: "ظل شعار الأول دائما اجتهادا وتفوقا هو الهادي للفتى محمد جابر الذي صار اسمه الفني نور الشريف بنصيحة من شقيقته عواطف بعد أن أثبت وجوده في دور صغير بعرض وابور الطحين عام 1965 مع فرقة مسرح الحكيم للكاتب نعمان عاشور والمخرج نجيب سرور وسبقها بعامين محاولة الصعود لفضاء المسرح وهو في مقتبل الدراسة بجملتين بين المجاميع بمسرحية الشوارع الخلفية عام 1963، من إعداد نعمان وصفي وإخراج سعد الدين أردش، ولفت هذا نظر المخرج كمال عيد الذي رشحه وهو مازال طالباً لبطولة مسرحية روميو وجوليت لشكسبير بعد اعتذار كرم مطاوع عن القيام بالدور، ولكن للأسف لم تر المسرحية النور". تخرج الشريف بقسم التمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية بدفعة ضمت أسماء مهمة وأعلنت نتيجته بعد أسابيع قليلة من نكسة يونيو 1967 وعلم بحصوله على المركز الأول الذي يؤهله للتعين معيدا بالمعهد. خطفته السينما ولكنه ظل مخلصا للمسرح يقول عطية رغم انشغال نور بالتمثيل في السينما والتلفزيون اللذين خطفاه من معشوقه الأول، إلا أنه حرص على العمل بالمسرح ممثلا ومخرجا بل ومشاركا في الإنتاج أحيانا وداعما للمواهب الشابة، لأن المسرح هو فضاء العمل المتجدد يوميا وساحة اللقاء مع جمهور متغير كل ليلة، وعمل على الارتفاع بقامته وقامة المسرح معا، فحصد العديد من الجوائز والتقديرات منها حصوله على درجتي الدكتوراه الفخرية في الآداب، الأولى من جامعة كيدل بري الأمريكية والثانية من جامعة ويلز البريطانية، وجاء في حيثيات منحه الدكتوراه الأولى أنه ارتفع بمستوى الأداء التمثيلي إلى نوع من الأدب. قام نور الشريف ببطولة مجموعة كبيرة من العروض المسرحية، والتي اختارها بعناية ومسئولية، وتكشف القراءة لتتبعها الزمني عن تطوره الفكري والجمالي ومدى صلته الوثيقة بمجتمعه، وفق وصف دكتور حسن عطية. تنوعت هذه العروض بين المقدمة الأطفال مثل الأمير الطائر للكاتب الهندي ملك راج، وهو أول عمر يقدمه لفرقة مسرح الطفل المُنشأ حديثا وقتها، وقدم عروضا تعيد قراءة الأساطير والحكايات التاريخية والفنتازيا، مثل "شمشون ودليلة" عام 1971، والعرض الفنتازي بعد أن يموت الملك 1974، وست الملك لفرقة المسرح القومي 1978، والفارس والأمرية في العام التالي، ولعبة السلطان عام 1982، ولفرقة أكاديمية الفنون قام ببطولة مسرحية كاليجولا 1991. وقدم أيضا أعمالا معاصرة، مثل لن تسقط القدس عام 2002، مع فرقة المسرح القومي، ويا غولة عينك حمرا عام 2004، وشارك بعروض مع المسرح الخاص مثل العيال الطيبين 1972، وباكلريوس في حكم الشعوب 1978. وذكر عطية أن نور الشريف أخرج 3 مسرحيات فضلا عن بطولاتها، وهي سهرة مع الضحك عام 1982، عبارة عن ثلاث مسرحيات قصيرة لعلي سالم، ومسرحية المتفائل والمؤلف في شهر العسل، وأخرج محاكمة الكاهن كا لشباب مسرح الهناجر عام 1993، ومسرحية الأميرة والصعلوك عام 2005. ويصفه عطية في نهاية حديثه: "هو فنان مثقف يدرك مسئوليته تجاه وطنه ويبحث عن ذاته في مجتمعه ويكتشف مجتمعه على صفحة ذاته ويغامر بحثا عن المجهول ليحوله لمعلوم ويضعه بين أيدي جمهوره فيثير الدهشة مع كل عمل يقدمه ويثير الجدل حول كل رسالة يرسلها لمجتمعه في أدق لحظاته الزمنية".