"إسماعيل" يشارك في ندوة جامعة أسوان حول التحديات التي تواجه الأمن القومي المصري    رئيس جامعة دمياط يتفقد القاعات الدراسية في اليوم الأول للفصل الدراسي الثاني    رئيس حزب الوفد يحل جميع اللجان الإقليمية والنوعية    وفد النيابة الإدارية يزور مقر جامعة الدول العربية    مجلس النواب يعقد جلسة عامة الثلاثاء المقبل لأمر هام    باسل رحمي: نحرص على تمثيل أكبر عدد من القطاعات الإنتاجية في المعارض العربية والدولية    البورصة تحقق قمة تاريخية جديدة وتربح 29 مليار جنيه بختام التعاملات    الرقابة المالية ترفع مبلغ التغطية التأمينية لصندوق التأمين على طلاب التعليم الأزهري إلى 30 ألف جنيه    إجراءات جديدة للشركات الناشئة بشأن المعاملات الضريبية.. المشاط تكشف    أسامة السعيد: العلاقات المصرية الصومالية استراتيجية شاملة    مجلس السلام بقيادة أمريكا يعقد أول اجتماع له بواشنطن في 19 فبراير    الشوط الأول| المصري يتأخر أمام كايزر تشيفز في الكونفدرالية    رابطة الأندية تكشف نظام قرعة الدوري في الدور الثاني    بتشكيله الجديد| أشرف صبحي يلتقي بالمجلس العلمي للرياضة المصرية    القبض على طالب تحرش بطفل في مدخل عقار بالبساتين    «طفل الدارك ويب».. جنايات شبرا الخيمة تسدل الستار بحكم الإعدام    الطقس غدًا.. ارتفاع في درجات الحرارة وأجواء حارة نهارًا والعظمى بالقاهرة 28 درجة    ترقية 28 أستاذا وأستاذ مساعد بهيئة التدريس بجامعة طنطا    على غرار دولة التلاوة.. إطلاق مسابقة قرية التلاوة في الأقصر.. صور    استعدادا للصيام، وزارة الصحة توجه نصائح غذائية وقائية    حسن عبد الله: المركزي ليس مسئولا عن قوة العملة دوره وضع الإطار التنظيمي    خلال الأسبوع الجاري.. انطلاق ملتقى الفنون التشكيلية بقصر الإبداع وعروض نوادي المسرح بالقناة وسيناء    وزير الثقافة السوري يشيد بجهود هيئة الأدب والنشر والترجمة بمعرض دمشق 2026    إزالة 37 حالات بالبناء المخالف على الأراضي الزراعية بالشرقية    مصدر بالتعليم: إلغاء الأسئلة المتحررة في امتحانات اللغة العربية للمرحلتين الابتدائية والإعدادية    «إيجيبت أنود» تستعد لتشغيل خط الإنتاج الثاني وتصدير شحنة جديدة    مراسل إكسترا نيوز يرصد استمرار استقبال المصابين الفلسطينيين من قطاع غزة    وحدة تكافؤ الفرص بالأقصر تعلن عن مسابقة الأم المثالية لعام 2026 للموظفات    النيابة العامة تُوفِد أعضاءً لإلقاء دورات تدريبية بالمملكة المغربية| صور    خدمة في الجول - طرح تذاكر الجولة 14 المؤجلة من الدوري    محافظ الدقهلية فى زيارة مفاجئة لعيادة التأمين الصحى بجديلة يشدد على الانضباط الوظيفى    روي فيتوريا مديراً فنياً لنادي الوصل الإماراتي    الاستعلام عن نتيجة التظلمات وترتيب قوائم الانتظار ل 330 مهندسًا بوزارة الري    مصر تسيطر على جوائز الاتحاد الدولي للخماسي الحديث وتحصد 6 جوائز عالمية في 2025    القبض على سائق طمس اللوحة المعدنية لسيارة أثناء سيرها بالجيزة    ارتفاع بالحرارة ونشاط رياح مثير للأتربة.. الأرصاد تكشف تفاصيل طقس الأيام المقبلة    وكيل أوقاف سوهاج يعقد اجتماعا لقيادات الدعوة استعدادا لشهر رمضان المبارك    بدء تلقى تظلمات طلاب الشهادة الإعدادية بسوهاج اعتبارًا من 11 فبراير    مشعل يؤكد رفض حماس تسليم سلاحها    من التبرع إلى غرفة العمليات.. شروط استيراد جلد المتوفين ونسب نجاح زراعته    جائزة نيلسون مانديلا لتعزيز الصحة: تكريم عالمي للإنجازات الاستثنائية في الصحة العامة    الثالث منذ الصباح.. شهيد برصاص الاحتلال شرق دير البلح    الأوقاف: المصريون ينفقون أكثر من 10 مليارات جنيه سنويا على الدجل والشعوذة    انطلاق الانتخابات البرلمانية في تايلاند وسط رهانات على الإقبال الشعبي    النيابة تأمر بعرض السيدة المعتدي عليها من ابنتها بالشرقية على الطب الشرعي    طفل يتيم يتحول إلى بطل حلبة.. أحمد العوضي يغير جلده فى «علي كلاي» برمضان 2026    تفاصيل رحلة شتوية 48 ساعة قضتها تيفانى ترامب وزوجها بين معابد الأقصر.. صور    سعر الريال السعودى مقابل الجنيه اليوم الأحد 8- 2- 2026    تحذير علمي: الجدري القاتل قد يشعل جائحة جديدة عبر فيروسات مشابهة    رئيس الحسين إربد: عرض بيراميدز أقل بقليل من الأهلي لضم فاخوري    الأوقاف: لا صحة لمنع إذاعة الفجر والمغرب والتراويح بمكبرات الصوت في رمضان 2026    نيويورك تايمز: إيران تعيد بناء منشآتها الصاروخية بوتيرة متسارعة مقابل تعثر إصلاح المواقع النووية    الزمالك ضيفًا على زيسكو الزامبي لحسم التأهل لربع نهائي الكونفدرالية    مصر تدين الهجمات على قوافل المساعدات الإنسانية والمنشآت الطبية والنازحين في السودان    وفد أزهري يخطب الجمعة في ثلاثة مراكز بإيطاليا ويعقد لقاءات علمية مع الجاليات العربية في ميلانو    بمشاركة مصطفى محمد.. نانت يسقط أمام ليون ويواصل الاقتراب من مناطق الخطر    بعد مقترح برلماني.. عالم أزهري يضع 7 ضوابط شرعية للتبرع بالجلد بعد الوفاة    أول تحرك برلماني بشأن ضوابط استخدام مكبرات الصوت بالمساجد في شهر رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فِي ذِكْرَاه العَائِدَهْ ... الأديب التُّونِسي "محمود المِسْعدِي" ... مُبْدِعٌ جَدِيرٌ بإحْتِرَام الحَيَاة ْ... !
نشر في شموس يوم 14 - 12 - 2012

إذا أمْعَنَّا النَّظرَ وأجَدنَا تَسَلُّلَ التَّوقُّع في سَنَا يَاسَمِين ما رَسَمَه الأدِيب التُّونِسي "محمود المسعدي" مِنْ نَجَمَاتٍ مِنْ فَرْطِ حُلْمِهَا تَكَادُ تُضِيءُ ، لإنْتَبَهْنَا أنّ هَذا المُبْدع كان فيلسوفا راقِيًّا في أحوال الحياةِ وشاعرًا ، مَزَاهِرُ الشّذى فيه نَضَّاخَة الأكْمَام والأبْعَاد ، مُبدع أرادَ تَخْلِيصَ الفِكْر مِنْ أوثَان فُجَاجهِ ... أرادَ بدَهْشَةِ كِتَابَاتهِ أن يَتَمَادى فِيه الإنْغِمَارُ تَلَطُّفًا والإحْسَاسُ بجَوَانِح الأ ُقْحُوَان وأطْيَاف إنْعِتَاق كَفَاتِحَةِ تَاج وأسَاسْ ... أرادَ أنْ يَكُونَ مَلْمَحًا إسْتِثْنَاءا ... فَأسَّسَ مَنْشَأ مُتَفَرِّدا ... وإنْتَشَى في يَنَابيع رُبوعهِ كَوْنٌ حَدَاثِيٌّ رَخِيمٌ ، حَاوَرَ مِنْ خِلالِهِ طُلُولَ عَقْلِهِ ووَازَنَ بَنَفْسَجات شَدْوهِ وأخَذ برَمْز جُلُّنَار بَحْرهِ وبَاطِن سَوْسَن خَثَارَات لَذاذات فِكْرهِ إلى عَالَم جَمِيل رَحْبٍ يَطْمَحُ أنْ تُزْهِرَ الأمْطَارُ مِن بُدُورهِ كَفَيْرُوز التَّوَامُض والفِرَاسَةِ والزَّعْفَرَان .. عَالَمٌ لنْ يَفْهَمَ تِلالَ بَوْحِهِ إلاّ مَنْ أعْلَى البَصِيرة النَّافِذة التوّاقة إلى أمَل الخَلاص مِنْ بَرَاثِن القَدِيم الجَالِس قُدَّامَ بَوتَقَة المَوْتِ القَادِم مِنْ شَجَر التَّفَجُّع والإضْمِحْلال .. عَالَمٌ لنْ تُفَتَّحَ مَرَاميهِ إلا لِمَنْ صَادقَ التَّمَعُّنَ الجَيِّدَ والخَيَالَ الثَّاقِبَ ورَمَزَ لِصَوَابِ المَكَان لِلإلْتِحَافِ بِكَيْنُونةِ الوُجُودِ والشَّاهِدة والحَياة ...
وبرغم أنَّه أ ُتّهمَ بإشْتِعَالاتٍ وُجُوديّةٍ عَبَثيّة يَتَقدّمُ بهَا الفَيَضَانُ في أحَافِير التَّرَاشُق بذبُول التّراتِيل جَرَّاءَ خَلْط نَدَهَاتِ الصَّحْو بخَيْلاء الغُمُوض رقَّط وحَرَّرَ ما به من صِنْو زئبق ودُمُوع تُرَابْ ، فَقَدْ كان هذا الإتِّهَامُ رَهْبَة إخْفَاق في الإحَاطَة بتَوَاشيح أدَبهِ بمَا تُقَرُّ به عَيْنُ العَقْل القريب مِن تَبَاهُج الإدْرَاكِ وفَوَانِيس الإلْتِمَاع ..
وكُلُّ مَنْ لَمْ يُحَاكِ ما به مِنْ أنْسنة وأ ُبْنُوس صُعُود وإنْفِتَاح فِضَّة وإسْطِرلاب ماء ، وكُلُّ مَن لم يُدَرِّبْ أقانِيمَ زَهْوهِ وجُمَانة تُكَاشِفُ الهَوَائِج على المُخَاطَرة ، وكلُّ مَن لم يَصْبر على " المسعدي " وعلى دُخُول مَمَرَّاتِ طَالِع الخيال في نُسَيْمَات حَريرهِ تَسَرَّعَ لَحْظ الوَقْتِ في كَعْبِ إخْتِلاجه وتَسَربَلَتْ شِفَاهُ الوَقْع / أغْصَانُ الطَّشِيش فِيهِ جَيَّاشة ، مُكْتَظَّة بتَمَاوُج المَتَاهَة وحَيْرة الغُمُوض وطَلاسم الفِكْرةِ والبَيَان ...
أقُولُ برغم مَنْ يَتَمَشَّى في مَحَاجر اليُبْس فهُناكَ مُدِلٌّ يُورقُ بَيْدرهُ بَهْجَة وعِنَاقًا ، وبرغم هَيْدَبٍ تَتَنَصَّتُ النَّوَاعِيرُ فِيهِ على جَدَائِل الإنْتِمَاء ، وبرغم أنَّ ضَجَّة إتِّهَام " المسعدي " بالوُجُوديَّةِ العَبَثِيَّة التي طَرَأتْ على مُغَالَبَةِ وعَقِيق التَّمَاثُل النَّظِير ... وكَثَّفُوهُ بعَتِيق إسْتَيْأسَ وقَطَرَتْ نَوَاطِيرهُ وتَفَرَّع مَرشُوقُ الكَلام وقَالُوا تَأثَّرَ بما أدْرَكَ مِنْ " ألْبَار كَامُو " أو " سَارتر " أو هَوْسٌ جَهْمٌ أفْقَدَ زَمَانَ الحُروفِ تَلَمُّسَ دفْقة أو وقْدة مَا تَحَرَّرَ عَلَنًا أو رشاقة ، فإنَّ " المسعدي " كان مُبْدِعا خلاّقا مُغَامِرًا لا تَذوي خَلجَات الخُطَاف فِيه ولَيْسَتْ تَتَغَرَّبُ دَوالي اللآلىء فيه أو تُطْمَرُ ، طَرَّ زَ لَنَا كِتابة مُضَمَّخة الدِّيبَاج والتَّوزُّع ، قَلِيلُونَ مَنْ يَجْرُؤُونَ على سَرْمَدِ مَيَامِينِهَا أو حتَّى طَلّ المَسَاس بأطْرَافِ إحْتِمَالاتِهَا ...
إذنْ هَا هُوَ ذا " المسعدي " يُنَاسِبُ كلَّ إبْداع بطرفٍ ... يُنَضِّدُ الفلسفة على إعْتِبَار أنَّهَا نَقِيضٌ للشِّعْر أو على الأقلّ مُقَاربة تَتَقَاطَرُ إخْتِلافا ومُغَايَرة لِفَهْم هذا العالَم ، وبرغم أنّ الفَنَّ القَصَصِيّ يَكَاد يُجَانِب فُجَّة الإثنين مَعًا فَقَدْ أجَادَ " المسعدي " المَسْكَ بخُيُوط التَّمَيُّز والتَّمَايُز وأحْسَنَ حَبْكَ الإشْتِغَال على تَفَاريح الإنسان والكَيْنُونة وسَبْر أغْوَار أبْكَار مَا بالأحْلام مِنْ الوُجُود بمَسَالِك طَوَّع التَّفَيّؤ في زُمرها بعَبْقريّة.
سَوْسَنَ الفلسفة على أنّها إعْتِمَارُ أ ُسْلُوب وفُسْتُقُ تَحْلِيل وشَامة إسْتِقْرَاء تَنْهَلُ من بَاب الفَرَضِيَّات ومَشْرَب البَرَاهِين ونَيْسَم الأسباب ومَبْسَم النّتائج في تَقرِّي تَفْسِيرهَا لِبَوَارج الظَّواهر أو في تَهَجِّي طَرْحِها لِبَارح الأسئلة ... وعَزَفَ الشِّعْرَ مُعْتَمِدًا أسَاسًا على كَمَان الإسْتِعَارة ومَنَارة المَجَاز وسِحْر أسْرَاب غزلان الصُّوَر التي تُبَاغِتُ البَيَاض في شَتَاتِهِ فتَكْسر حَاشِيَّة قَوَانِين العَقْل وتََتَجَاوزُ عَتبَات قواعد اللُّغة القريبة مِنَ الإنْضِبَاط ...
ومَشَّط وَهَجَ الفَنّ القَصَصِيّ على أنّه مَسْكٌ باللَّحْظَةِ المُوَاتِيَّة وخُرُوجٌ عن الإعْتِيَادِ المُعَادِ والمُكَرَّر، وتَألُّقٌ لإسْتِكْشَافِ البَوَاطِن الحِسِّيَّة لِشَخْصِيَّات الأحْدَاث، (عَناصِرٌ ثلاثة ، يَكُونُ لِقاؤهم في خَيَال واحدٍ وإبْداعُهُمْ في تَخْييل مُتَعَدِّدٍ ) مُعْتَمِدًا في كلِّ هذا على سُلُوكِيّات ظواهر تَخْفَى على العَقْل المُجَرَّد إذا لَمْ نَذهَبْ به بعيدا إلى شُمُولِيّة التَّوقّع والتِّبْيَان وبذلك إسْتَطَاع أن يُرَتِّبَ حَيْرَتهُ الفلسفيّة / الشّعريّة والقصصيّة إبْدَاعًا مُتَمَاسِكَ الفَوْضَى والجَمَال ...
إذنْ بَنَى " المسعدي " كَونَهُ بالإعْتِمَادِ على وَمْض الشِّعْر ورَغْوَةِ الفلسفة التي تَنْقَسِمُ في عَالَمِهِ إلى فلسفة مع حَكْي مَسْمُوع يَكَادُ يَكُون مَرئيًّا لِشَفِيفِ نَضَارَتِهِ ، فهو بَحْثٌ وتَحْصِيلٌ لِلْحِكْمَةِ مِنْ خِلال الفلسفة وسُمُوٌّ ورفْعَة وإبْدَاع مِنْ خِلال الشِّعْر، وهو إمْتَاع ومُؤَانَسَة من خلال قَصٍّ وحَكْيٍّ يَبْحَثُ له دائِمًا عن نِهايةٍ ولكِنَّه أبَدًا لا يَنْتَهِي ... لِيَجْعَلَ كلّ هذه العناصر الثّلاثة تَلْتَقِي في آنْ أو في رَاويَّهْ ... أو تَلْتَقِي في لُجَّة واحدة لِتُؤَسِّسَ كَونًا لَمْ نَعْتَدْ تَشَاخُصَ بُرهَته فكَانَ في بدايَاتِهِ غَريبًا عصيًّا حتَّى على أفْذاذ الأدَبِ واللُّغة ، وها نحن في كلّ حِين في مُقَاربة تُبَاركُ أصْدَاء الإهْتِمَام وكَامِن الإنْتِمَاء ... وهَلْ لنا أنْ نَتَخَيَّرَ ما في حَضْرَةِ كِتَابَاتِهِ مِنْ ذوق يَأتَنِسُ البَذرة قَبْلَ الثَّمْرَة ْ ... !!!
هكذا كان إبداع " المسعدي " مع تَوَفُّر وتَوَافُر أدَوَاتِهِ الإبْداعيّة وهو لَعَمْري تَفَرُّد يُذكَرُ فَيَنْدلِقُ خَاتَمًا حَافِلا بألَق الطُّيُوبِ وشَمِيم الأعْمَاق فَيُلْزمُكَ أنْ تَنْتَبهَ له ولا تَمُرّ دُونَ أنْ تَسْألَ عَن أحْوَال القَلْب ونَعِيم العَقْل وبَقَايَا الحَيَاةِ فِيكَ ... فكانَ التَّمَرُّد على وَاجم المُعْتَادِ والنَّفَاذِ إلى بَاطِن الوجْدَان وإفْشَال كلّ عَقْل إقْتَنَعَ بمَسِير مَحْو يَكُونُ آخِره لَيْلٌ مُدقعٌ بعِبْءِ الجُمُودِ وكَاسِر الغَثَيَان ...
وكأنِّي به يَقُولُ لنا ...
أنا أ ُنْبئُكُمْ عن تَقَاعُدِ التُّفاح مِنْ صَيْرُورَةِ ذاتهَا ... أنا أ ُنْبئُكُمْ عن مَاءٍ طَاعِن في الحُبِّ ... أنا أ ُنْبئُكُمْ عَن تَعَاطُفِ حََيْوَنة التُّرَابِ مع كُرُومِهَا ...
أنا أ ُنْبئُكُمْ عن صَحْرَاء الوُجُودِ قَبْلَ أنْ تُعْربَ عن أسَفِهَا ... وتُوقِظ فِيكُمْ الجُمُوحَ أو جَمْرَكُمْ المُبَقَّع أو المُقَمَّط بأمْر رُشْدِهَا ...
كَأنِّي بالمسعدي الآنَ يَقُولُ لنا ...
" هَذا صُبَّارٌ لِلْمَاء ولنْ تُفْلِحَ إنْ أرَدْتَ المَسْكَ بأنْدَائِهِ ...
وهَذهِ قَانِيَّة مُبْصِرَة مِنْ أحْلام طُفُولَتِهَا تَمْرَحُ وتُسَرِّحُ شَعْرَ جَدَاولهَا على مَقْعَدٍ مِنْ حَرير فَيَّاض في قَلْبِ سُلالَتِهَا ...
وهَذهِ شَمْسِي تَجيءُ مُتَأخِّرة عَن قَلْبهَا ... !!! مَنْ عَلَّمَهَا أنْ تُضِيء خَارجي ... ومَنْ سَانَدَهَا على إتِّقَاء مُهْجَتِي ... ؟؟؟
أنَا سَأ ُودِّعُنِي اللَّحْظة عَلَّنِي أجدُنِي دَاخِلَ مَلْهَاة هَوَاجسِي أو عَلَّنِي أمُوتُ قَبْلِي وأنَا وَحِيدٌ في رمَال الفُؤادِ ...
سَأ ُمْسِكُ بي الآنَ كَيّ لا تَضِيعَ مِنِّي نَفْسِي فَأنَا حِينَ خَرَجْتُ مِنْ مَبَادِىء الرُّوح تَنَعَّمَ وفَرحَ وتَنَغَّمَ فِِيَّ قَبَس المَكَان ... "
لا أقُولُ هذا رَسْمٌ على المَاءِ ...
بَلْ أقُولُ هو حَفْرُ ضَفَائِر المَاء ... وهذا هو " المسعدي " إنْ أرَدْتَ أنْ تَعْرفَهُ ...
إنَّهُ مُبْدِع إنْتَبَهَ لِخَلَل في مَزَايَا نَوَافِذِ الكَلِمَات ، فَأخَذ بأيَادِي مَغَانِيهَا لِتَتَسَنَّى لنا رُؤيَتهَا مِنْ بَعِيد ...
مُبْدِع يُشَاكِسُنَا في عُقْر قُلُوبنَا ومَصَابيح عُقُولنَا ولا يَتْعَبُ بَلْ يُوَاصِلُ فَيَبْنِي لنَا أحْجَارًا تَفْهَمُ عِزَّ الذهَابِ إلى تَوَتُّر الأشْيَاء فَتُغْدِقُ عَلَيْنَا شُمُوسًا تَصِلُ إلى كَيْفِيَّةِ نَفْسهَا قَبْلَهَا ... وتُضِيءُ حُسْنهَا بلَمْسِهَا ...
مُبْدِع رَائِدٌ وفَيْلسُوفٌ نَوَّرَ خَارطة هَدِيل عَقْلِه وحَرَّكَ حَافِلَ شُمُولِيَّتِهِ ووَحَّدَ تَبَاعُدَ المَرْجَان بأفْلاذِ تَقَشُّر الوَصَايَا والنَّجَمَاتْ ... غَامَرَ فَأجَادَ لازَوَردَ المُغَامَرة وكَتَبَ فَإنْسَاقَتْ لهُ تَحَايَا الكَلِمَات وجَاءَتْهُ تَوقُّعَات السُّهُول والصُّوَر طَائِعَة فَأحْدَثَ كَونَهُ الجَمِيل وقَالَ أ ُدْخُلُوا لو إسْتَطَعْتُمْ ... ومَا أجْمَلَ أنْ تُحَاولَ مَسْكَ حُلْم يَعْتَلِيكَ ويَعْتَريكَ رَذاذهُ عَسَلا مُزَوّقًا بالحُرِّ والقَسْطَلْ ... !!!
لَقَدْ ظُلِمَ " المسعدي " حِين أ ُتُّهِمَ بالإقَامَةِ في مَجَاهِل الوُجُودِيَّةِ العَبَثِيَّةِ وهو الذِي أتَمَّ حِفْظ القُرآن قَبْلَ بَدْء تَعْلِيمهِ الإبْتِدائيّ .. فَكَيْفَ يُتَّهَمُ مَنْ حَفِظ القُرآن وجَالَ في تَمَام نَفَائِسِهِ بغَيَاهِبِ الوُجُودِيّة العَبَثِيّة ؟
وهَلْ مِن السَّهْل أنْ يَكُونَ المُفَكِّرُ العَربيّ المُسْلِم على نَحْو مِنَ الشُّرُودِ والتَّمَرئِي خَارجَ بُنُودِ الذاتِ وتَدَلُّل الإنْسِيَاق إلى مَرَاتِيج الإنْغِلاق الحَبيس بنَاطِرَاتِ الخَلْط والتِّيه ؟
ولِمَنْ عَابَ على " المسعدي " أ ُسْلُوبَهُ أو مَنْهَجَهُ أو بَيَانهُ ، أقُولُ أنَّ السَّدِيدَ وشَامِخَ الوُجُودِ أنْ يَكُونَ الوَاحِد فِينَا مُوَرَّدَ التَّفَكُّر والكِتابَة ولو كان مَبْحُوحَ الطّوَى والتَّصَيُّف ، أمَّا تَرَدّم الأشْيَاء وتَرهُّل تَلَمُّظهَا فهو حَقيقة الضَّيَاعات التي تُعْلِنُ عَنْ شَفِيفِ حَلِيبهَا ...
وفي هذا أقُولْ ...
رَجُلٌ يَتْعَبُ ... ويَكْتُبُ ...
ورَجُلٌ يَتْعَبُ ... ولا يَكْتُبُ ...
ورَجُلٌ لا يَتْعَبُ ... ولا يَكْتُبُ ...
فَيَا حَبَّذا لَو نَتْعَبُ ... ونَكْتُبُ ...
أقُولُ رَحِمَ الله " المسعدي " الذي حَثَّنَا على التَّفْكِير والتَّفَكُّر والتَّدبُّر وأخْلَصَ لنا نَبَاريس أعْمَالِهِ فَجَعَلَنَا في كلِّ مَرّة نَلِجُ عَالَمَهُ ونَتَنَاولُ حَبَّات نشاطاتهِ إلاَّ وكانت الأسْئلة سَيِّدة المَكَان وقُمْصَان الذاكِرة وخَلاص قِيعَان المَاء والسَّادِرة التي لا تَكُون أبَدًا عَاطِلَة ... عَن الحَيَاة ْ... !!!
... / ...
* هوامش:
محمود المسعدي ( 23 جانفي 1911 16 ديسمبر 2004 ) .
* حياته في سطور:
كاتب ومفكِّر تونسي ولد بولاية نابل ( تونس ).
درس وأتمّ حفظ القرآن قبل أن يلتحق بمرحلة التّعليم الإبتدائي . في العام 1933 أتمّ دراسته الثّانويّة بالمعهد الصّادقي بتونس مُلتحقا في العام ذاته بكليّة الآداب بجامعة السّربون ليتخرّج منها سنة 1936 . بدأ حياته العمليّة بالتّدريس الجامعي في كلّ من تونس وفرنسا .
إلى جانب التّدريس الجامعي إنخرط المسعدي في الحياة السّياسيّة حيث كان مناضلا ضدّ الإستعمار الفرنسي ولعب دورا كبيرا في شؤون التّعليم بالبلاد التّونسيّة حينذاك.
أمّا بعد الإستقلال وفي سنة 1956 تولّى وزارة التّربية القوميّة التّونسيّة حيث أ ُقِرّت في عهده مجانيّة التّعليم لكلّ التّونسيين وأ ُسِّست الجامعة التّونسيّة .
وفي سنة 1976 تولّى وزارة الشّؤون الثّقافيّة التّونسيّة ليُنهي مشواره السِّياسي كرئيس لمجلس النّواب .
إضافة إلى كلّ هذه المسؤوليّات فَلَمْ ينس المسعدي نشاطه الثّقافي ، حيث أشرف عام 1944 على مجلّة " المباحث " كما أشرف في العام 1975 على مجلّة " الحياة الثّقافيّة التّونسيّة " إلى جانب ما كان له من حراك وافر في منظّمتيّ اليونسكو والأليكسو ومجمع اللّغة العربيّة في الأردن .
* مؤلّفاته :
" حَدَّثَ أبو هريرة قال ": ( سنة 1939 ليُعاد طبعه كاملا سنة 1973 . تُرجم إلى الألمانيّة سنة 2009 ) .
" السدّ " : ( سنة 1940 ليُعاد طبعه كاملا سنة 1955 . تُرجم إلى الألمانيّة سنة 2007 ) .
" مولد النسيان ": ( نُشر سنة 1945 وتُرجم إلى الفرنسيّة سنة 1993 والهولنديّة سنة 1995 والألمانيّة سنة 2008 ) .
" من أيّام عمران " .
" تأصيلا لكيان ": جُمعتْ فيه كلّ متفرقات كتاباته الأدبيّة والفكريّة طوال حياته.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.