قتيلان و6 جرحى بإطلاق نار في كنيسة أثناء تشييع جنازة بولاية يوتا الأمريكية    فانس: الدنمارك لم تقم بواجباتها تجاه أمن جرينلاند وقرار السيطرة عليها بيد ترامب    فانس: غرينلاند ركيزة أساسية للأمن العالمي والدفاع الصاروخي    طقس "خليط شتوي"، درجات الحرارة تتجاوز ال 30، رياح وأمطار رعدية ليلا، وأمواج عاتية تضرب البحر المتوسط    وزير الثقافة ينعى المفكر والفيلسوف الكبير الدكتور مراد وهبة    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 8 يناير    بن فرحان وروبيو يبحثان في واشنطن آخر مستجدات المنطقة وجهود الأمن والاستقرار    المجلس الانتقالي الجنوبي يشن هجوما حادا على السعودية    رمضان 2026.. رياض الخولي وسامي مغاوري على قنوات «المتحدة»    رامي وحيد يكشف حقيقة تقديم جزء ثانٍ من فيلم «حلم العمر»    وزير خارجية البحرين يبحث مع نظيريه القبرصي والأوكراني مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية    ما نعرفهاش، أول رد من اتحاد التنس على فضيحة اللاعبة هاجر عبد القادر في مسابقة دولية    عنصر من إدارة الهجرة الأمريكية يقتل سائقة في مينيابوليس خلال حملة هجرة مثيرة للجدل    واشنطن تفرض إشرافًا صارمًا على إيرادات النفط الفنزويلي    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    ريهام سعيد تثير الجدل بمنشور عن أزمة لقاء الخميسي    "بروفة" الأوسكار، "وان باتل أفتر أناذر وسينرز" يتصدران ترشيحات جوائز ممثلي هوليوود    بعد أزمة بغداد، وائل جسار يتألق في مهرجان الفسطاط الشتوي بحضور كامل العدد (فيديو)    السيطرة على حريق نشب في منطقة زراعية بمحيط معبد كوم أمبو    غيبوبة سكر.. أمن القاهرة يكشف ملابسات العثور على جثة مسن بمصر الجديدة    رئيس الوزراء الأردني يؤكد تعزيز الشراكة مع البنك الأوروبي لدعم مشروعات التنمية    مؤتمر فليك: هذه الطريقة التي أريد أن نلعب بها.. وغياب لامال ليس للإصابة    مدرب بورنموث: لسوء الحظ سيمينيو خاض آخر مباراة معنا    مصطفى شكشك: أتمنى إتمام الانتقال إلى الأهلي فى يناير    اعمل حسابك في هذا الموعد، انقطاع المياه عن بعض المناطق بالجيزة لمدة 8 ساعات    عبر المكبرات.. المساجد تهنئ الكنائس والمسلمون حاضرون في أعياد الميلاد بقنا    محمد زهران بعد خسارته: الناس زعلانة فى المطرية لأنى كنت هخدمهم وأجيب حقهم    الطفل ريمون توفيق يوضح كواليس مشاركته فى the blind date show    أمم إفريقيا - منتخب الجزائر يستضيف ويكرم مشجع الكونغو الديمقراطية    اتحاد منتجي الدواجن: المخاوف من وصول الأسعار إلى 90 جنيهًا قبل شهر رمضان مبالغ فيها    القصة الكاملة لواقعة رئيس مدينة مع بائع طعمية بقنا    إحالة رؤساء القرى والجمعيات الزراعية بالطريق الزراعي بالقليوبية للتحقيق    مصرع طفلة رضيعة بمركز طهطا بسوهاج فى ظروف غامضة    رئيس جمعية الرفق بالحيوان بالقاهرة يحذر من تفاقم أزمة الكلاب الضالة ويطالب بحلول عاجلة    صراخ وتجمهر.. التفاصيل الكاملة لمشاجرة بين أهالي مريض وأمن مستشفى كفر شكر    بعد انهيار عقار القناطر الخيرية.. فصل المرافق عن العقار المنهار    الاتحاد الجزائري يكرم مشجع الكونغو المعروف بالتمثال البشرى    كيف تصدى القانون لجريمة التحرش في وسائل النقل؟.. القانون يجيب    البابا لاون الرابع عشر يفتتح الكونسيستوار الاستثنائي بالفاتيكان    محافظ سوهاج ومدير الأمن يختتمان الجولة بتهنئة الأخوة الأقباط بعيد الميلاد    وزير الإسكان يُعلن طرح حزمة من الفرص الاستثمارية بمدن العبور والعاشر من رمضان وطيبة الجديدة    محمد بركات: خبرة لاعبي منتخب مصر حسمت مواجهة بنين    عضو اتحاد الكرة: تريزيجيه يسابق الزمن للحاق بمواجهة كوت ديفوار    محاكمة مسؤولي اتحاد السباحة بعد وفاة السباح يوسف .. اليوم    البيت الأبيض يعلن إعادة ضبط شاملة للسياسة الغذائية الفيدرالية لتعزيز الصحة العامة والوقاية    سلامة الغذاء: منتج حليب الأطفال سما غير مسجل بمصر.. والسحب الاحترازي لمنتجات نستله المتداولة    الصحة: الخدمة في مراكز علاج الإدمان الحكومية المرخصة مجانية.. وبيانات المرضى سرية    نقابة الصيادلة عن سحب تشغيلات من حليب نستله: المشكلة تكمن في المادة الخام    ضبط سيدة تنصب على المواطنين بدعوى توظيف الأموال    مدير مستشفى أمراض الباطنة بطب قصر العيني تتابع جاهزية الأقسام خلال إجازة عيد الميلاد المجيد    حمدي قوطة يتقدم بأوراق ترشحه رسميًا فى انتخابات رئاسة حزب الوفد    هل تصح صلاة المغرب بين أذان وإقامة العشاء؟.. أمين الفتوى يُجيب    عبور الوعى إلى تخوم المعرفة    ما حكم أرباح الوديعة البنكية والإنفاق منها على البيت؟ أمين الفتوى يجيب    طريقة عمل البسلة والجزر باللحمة بمذاق رائع    هل يفضل طاعة الوالدين على السفر والعمل؟.. "الإفتاء" تًجيب    بمناسبة عيد الميلاد المجيد.. توزيع ورود وحلوى على المحتفلين بكنيسة مارجرجس بدسوق| صور    وزارة الأوقاف تحدد خطبة الجمعة بعنوان " قيمة الاحترام" "والتبرع بالدم"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نصوص نثرية من فلسطين
نشر في شموس يوم 12 - 04 - 2021


فريدا كالو: الغزالة المرشوقة بالسهام
في داخل كل امرأة فريدا كالو نقية.. وفيَّة.. صابرة.. عاشقة.. ومخلصة.. وفي داخل كل رجل دييغو ريفيرا.. عاهر.. خائن.. متهتك.. ونذل. معادلة صعبة وظالمة ولكنها إرادة الحياة.. أو نصيب الأنوثةِ من لعنة الذكورة.. في البدايات كتبتُ قصيدة لفريدا.. الغزالة المرشوقة بالسهام في لوحتها ذات البعد الأسطوري.. قصيدة كان الدافع لكتابتها فيلم وثائقي عن حياتها.. لم أسبر في القصيدة غور هذه الفنانة الجامحة والمرأة اللغز.. كانت محاولة لتتبع نداءات فريدا وأحلامها السريَّة في كلِّ أنثى، فيما بعد تكشَّفت لي عوالم هذا الكائن الجريح، بالغ الرهافة والحساسية.. المقهور كعصفورة وحيدة أو حمامة سطت أفعى ضخمة على فراخها. لاحقا قرأت الكثير عنها وعن علاقاتها العاطفية المرتبكة والغامضة، وأشفقت على فريدا الطاهرة.. النبيلة.. العاشقة.. المتمردة والمبدعة، التي أعطت حبيبها النذل أقصى ما يبحث عنه رجل لدى امرأة.. لنستمع إلى نبض قلبها المنتفض غضبا وحزنا وعشقا ومرارة وهي تخاطبه في احدى رسائلها "لا أخشي الألم وأنت تعلم ذلك جيداً، فالألم كما تعلم مُقترن بي دائماً، وعلى الرغم من أعترافي بأنني عانيت كثيراً عندما خُنتني، في كُل مرة فعلت فيها ذلك، وليس فقط عندما خنتني مع أختي ولكن مع العديد من النساء الأخريات. أسأل نفسي كيف أنخدعوا بك؟ أنت تعتقد بأنني غاضبة بشأن كريستينا ولكنني أعترف بأن ذلِك لم يكن بسببها، بل كان بسببي أنا وأنت .أولاً بسببي لأنني لم أستطع أن أفهم ما كُنت تبحث عنه لدى الأخريات، وما هو الشيئ الذي كانوا قادرين على إعطائك إياه ولم أستطع أنا. دعنا لا نخدع أنفُسنا يا عزيزي دييغو، فلقد أعطيتك كُل ما يُمكن أن يقدمه إنسان، وكلانا يعرف ذلِك جيداً.كيف بحق الجحيم تمكنت من إغواء هذا الكم من النساء بينما أنت إبن عاهرة قبيح".
*
مريد البرغوثي: حارس ظلِّ الأنهار
أهيَ صدفة أن يرحل شاعرُ الحبِّ والمنافي في يوم الحبِّ..؟!
وانفرطت سُبحة القلب والقصائد يا مريد...مريد البرغوثي ليس آخر ناطحة لسحابنا الشعري فحسب، هو سليلُ سندياننا السماوي المقدَّس وحارسُ ظلِّ الأنهار وأزهار فلسطين.
هو من قالَ محمود درويش أنه أحبَّ مرحلته الأخيرة..
وأنا أحببتُ مرحلته الأخيرة وما قبلها.. شاعر من طراز خاص.. أحد أهم الأصوات الشعرية الفلسطينية، وصاحب تجربة من أجمل تجارب الشعر الفلسطيني وأقربها إلى المكاشفة المفتوحة على المختلف واليومي. مبدع متفرد.. ذو نفس عالية.. يمتلك لغة شعريَّة طازجة.. بالغة الرهافة والخصوصية، ومخيِّلة جامحة فيها ما فيها من الآلام والآمال والجراح والعذابات. مسكون بفضاءات بريَّة وطنه وهو بعيد في منافي أوروبا أو في القاهرة التي أحب، ولكنه يعرف ما يريد من الشِعر، كيفَ يشذِّب قصيدته بعناية ودقة بستاني عاشق، وكيفَ ينحت عبارته بإزميل الماء والضوء، شاقاً لقصيدته الطريق الأصعب والأجمل في زحمة الأصواتِ الكبيرة.. المتمردة والممتدة، من غير أن يكون قالبا جاهزاً لنوع شعري معيَّن أو صدى مجاوراً لتجارب مجايليه. كأنه نجم شعري بعيد، يصلنا ضوؤه بعد ملايين السنين الضوئية، أو أرض مجاز بكر، تنبت السهل الممتنع وبروق الأحلام المكتوبة، وقصب الحنين إلى النبع.استيقظ يا صاحبي كي ترى رام الله أو كي تحلم.. أو كي تكمل قصيدتك المضمَّخة بعطر البن على شرفةِ الأبديَّة..
فها هيَ قصائدُ الشهوات الجميلة بعدكَ ينقصها ملح الأنوثة "شهوةٌ لتلاوين نشوتنا
فهيَ خضراء غابيَّةٌ فى ذراعيكِ عند انغلاق العناق علينا / حبيسينِ فى واسع من فضاء النوايا / سجينينِ مثل العصافير فى ريشها / وهىَ تلهو وتلعب فى الجو هابطة صاعدة
شهوة لتلاوين لذتنا / وهيَ دائرة من بداياتها لبداياتها عائدة / وهيَ زرقاء فضيةٌ حين تلمع رعشاتها فى العظام / وتغدو أنيناً وتغدو رنينا"
آخر طيور فلسطين النادرة وآخر شعراء السلسلة الذهبية الكبار وداعا.
*
رمادُ عذابات الشعر
على الشاعر أن يرمي بخيباته من نافذةِ الأمل أو يدرِّب نفسه على الانكساراتِ والخسران.. فما قيمة بطولات الكلام في زمن حروب المادة وجشع البشر؟! ولكن خسارات الشعر على ما فيها من قسوة وجودية لا تخلو من العذوبة ومن اللذة والفرح.. سأكتب.. لقارئة أو لقارئ في البال.. ولن يعني لي شيئا أن أستثنى من لوائح الجوائز والمسابقات.. لن يضيرني ذلك بشيء.. فلم أعد أعلِّق أملاً على اكتمال المشاريع فلا شيءَ كاملاً كما قال الرائع حسين البرغوثي بغصَّة وبحزن وهو يودِّع هذه الحياة.. لن يعني لي شيئا أن أستبعد من لوائح سلاسل الشعر في خمسة دور نشر عربيَّة، ولن يجعلني بالضرورة أستسلم لبيات شعري أو صمت خصب أو يأس مورق.. في السنوات القليلة الماضية نشرتُ سبعة كتب ما بين شعريَّة ونثرية على نفقتي الخاصَّة في مصر.. ليست هي بالطبع كل المحصول.. ولكنها كتب لو لم أنشرها شخصيَّا وعلي نفقتي، لما تخلَّصتُ من تبعات عبئها الوجودي ومن همِّ نشرها حتى هذه اللحظة. لم يكن أمامي خيار حينها لأساوم دور النشر على رماد عذاباتي.. الشاعر هو دونكيشوت عصري يتجاهل عن قصد قوانين لعبة الحياة المعاصرة.. يركبُ فرساً من ريحِ خيالاته ويطاردُ فرساناً وهميين في ذاكرة الزمان المعطوبة.. ويبارز طواحين هواء لا تتجلَّى إلا لعينيه هو. دونكيشوت محكوم بوهمه وانكساراته وانسلاخه عن سيرِ الحياة السريع والمحموم وعن رقصِ الأيام الصاخب.. يكتبُ لقرَّاء وهميين ويصارعُ طواحين هواء محايدة وخفيَّة عن أنظار الآخرين. لن أكون ضمن دوائر المسابقات وسلاسل نشر الشعر المجانيَّة.. لكم سلاسلكم ولي سلاسلي.. أنا الذي نأيتُ بنفسي في الماضي والحاضر عن حبائل التدجين وغواياتهِ. وطالما ألحَّ عليَّ الكثير من الأصدقاء الشعراء أن أتقبل منحة هنا أو هبة هناك في مجال التفرغ للكتابة الإبداعية، وكانوا شبه أوصياء عليَّ.. وخيَّبت أملهم واحدا واحدا واختلقتُ لهم الأعذار التي لا تحصى.. مع الشكر والتقدير والمحبة الحقيقية لهم جميعا.. ولكن ماذا أفعل..؟ وأنا ضد تدجين الأدب والشعر والإبداع.. نعم قد أكون في حاجة لعزلة في مكتبة.. ولتبادل الثقافات والكتابة.. لكن أنا لم ألزم نفسي مرة أن تكتب في أوقات معيَّنة أو مواضيع مقرَّرة كمنهاج مدرسي، أو تغنِّي في أقصى حالات صمتها الفادح.. ولم أكبح شوقها الطفولي الحقيقي للحنين والعودة الى البيت من مسافات بعيدة وفي ساعات متأخرة من الليل. فضاء الإبداع الحر هو ما عودت روحي على السباحة والرقص الوجداني فيه.
في نصي هذا كان الوجع الحقيقي ملموسا ومسموعا.. لكنه وجع مشوب بالفرح المؤجَّل الخفي باقتراب صدور ديواني الجديد عن وزارة الثقافة الفلسطينيَّة "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار".. الفرح الذي أخفيته عن قصد وأرجأته إلى حين صدور الديوان بشكل فعلي.. وقلت في نفسي "الله كبير".. لا بدَّ أنه سينصفني.. فمشقة طريق الشعر تكفي.. ولا وقت لندب قلة الحظ في جداول وقوائم واستراتيجيات دور النشر التجارية.. ما دامَ الآتي أجمل.. ويسندُ روحي مبدعون حقيقيون كثر.. ولا يجدي النظر إلى الحياة من ثقب إبرة.. وشمس فلسطين لا يحجبها غربال رثٌّ قديم. والدنيا تتسع للأصدقاء الرائعين.. للأوفياء والمريدين الصادقين.. كما أنها تفيض بالزائفين والمتطفلين والأنبياء الكذبة.
فريدا كالو: الغزالة المرشوقة بالسهام
في داخل كل امرأة فريدا كالو نقية.. وفيَّة.. صابرة.. عاشقة.. ومخلصة.. وفي داخل كل رجل دييغو ريفيرا.. عاهر.. خائن.. متهتك.. ونذل. معادلة صعبة وظالمة ولكنها إرادة الحياة.. أو نصيب الأنوثةِ من لعنة الذكورة.. في البدايات كتبتُ قصيدة لفريدا.. الغزالة المرشوقة بالسهام في لوحتها ذات البعد الأسطوري.. قصيدة كان الدافع لكتابتها فيلم وثائقي عن حياتها.. لم أسبر في القصيدة غور هذه الفنانة الجامحة والمرأة اللغز.. كانت محاولة لتتبع نداءات فريدا وأحلامها السريَّة في كلِّ أنثى، فيما بعد تكشَّفت لي عوالم هذا الكائن الجريح، بالغ الرهافة والحساسية.. المقهور كعصفورة وحيدة أو حمامة سطت أفعى ضخمة على فراخها. لاحقا قرأت الكثير عنها وعن علاقاتها العاطفية المرتبكة والغامضة، وأشفقت على فريدا الطاهرة.. النبيلة.. العاشقة.. المتمردة والمبدعة، التي أعطت حبيبها النذل أقصى ما يبحث عنه رجل لدى امرأة.. لنستمع إلى نبض قلبها المنتفض غضبا وحزنا وعشقا ومرارة وهي تخاطبه في احدى رسائلها "لا أخشي الألم وأنت تعلم ذلك جيداً، فالألم كما تعلم مُقترن بي دائماً، وعلى الرغم من أعترافي بأنني عانيت كثيراً عندما خُنتني، في كُل مرة فعلت فيها ذلك، وليس فقط عندما خنتني مع أختي ولكن مع العديد من النساء الأخريات. أسأل نفسي كيف أنخدعوا بك؟ أنت تعتقد بأنني غاضبة بشأن كريستينا ولكنني أعترف بأن ذلِك لم يكن بسببها، بل كان بسببي أنا وأنت .أولاً بسببي لأنني لم أستطع أن أفهم ما كُنت تبحث عنه لدى الأخريات، وما هو الشيئ الذي كانوا قادرين على إعطائك إياه ولم أستطع أنا. دعنا لا نخدع أنفُسنا يا عزيزي دييغو، فلقد أعطيتك كُل ما يُمكن أن يقدمه إنسان، وكلانا يعرف ذلِك جيداً.كيف بحق الجحيم تمكنت من إغواء هذا الكم من النساء بينما أنت إبن عاهرة قبيح".
*
مريد البرغوثي: حارس ظلِّ الأنهار
أهيَ صدفة أن يرحل شاعرُ الحبِّ والمنافي في يوم الحبِّ..؟!
وانفرطت سُبحة القلب والقصائد يا مريد...مريد البرغوثي ليس آخر ناطحة لسحابنا الشعري فحسب، هو سليلُ سندياننا السماوي المقدَّس وحارسُ ظلِّ الأنهار وأزهار فلسطين.
هو من قالَ محمود درويش أنه أحبَّ مرحلته الأخيرة..
وأنا أحببتُ مرحلته الأخيرة وما قبلها.. شاعر من طراز خاص.. أحد أهم الأصوات الشعرية الفلسطينية، وصاحب تجربة من أجمل تجارب الشعر الفلسطيني وأقربها إلى المكاشفة المفتوحة على المختلف واليومي. مبدع متفرد.. ذو نفس عالية.. يمتلك لغة شعريَّة طازجة.. بالغة الرهافة والخصوصية، ومخيِّلة جامحة فيها ما فيها من الآلام والآمال والجراح والعذابات. مسكون بفضاءات بريَّة وطنه وهو بعيد في منافي أوروبا أو في القاهرة التي أحب، ولكنه يعرف ما يريد من الشِعر، كيفَ يشذِّب قصيدته بعناية ودقة بستاني عاشق، وكيفَ ينحت عبارته بإزميل الماء والضوء، شاقاً لقصيدته الطريق الأصعب والأجمل في زحمة الأصواتِ الكبيرة.. المتمردة والممتدة، من غير أن يكون قالبا جاهزاً لنوع شعري معيَّن أو صدى مجاوراً لتجارب مجايليه. كأنه نجم شعري بعيد، يصلنا ضوؤه بعد ملايين السنين الضوئية، أو أرض مجاز بكر، تنبت السهل الممتنع وبروق الأحلام المكتوبة، وقصب الحنين إلى النبع.استيقظ يا صاحبي كي ترى رام الله أو كي تحلم.. أو كي تكمل قصيدتك المضمَّخة بعطر البن على شرفةِ الأبديَّة..
فها هيَ قصائدُ الشهوات الجميلة بعدكَ ينقصها ملح الأنوثة "شهوةٌ لتلاوين نشوتنا
فهيَ خضراء غابيَّةٌ فى ذراعيكِ عند انغلاق العناق علينا / حبيسينِ فى واسع من فضاء النوايا / سجينينِ مثل العصافير فى ريشها / وهىَ تلهو وتلعب فى الجو هابطة صاعدة
شهوة لتلاوين لذتنا / وهيَ دائرة من بداياتها لبداياتها عائدة / وهيَ زرقاء فضيةٌ حين تلمع رعشاتها فى العظام / وتغدو أنيناً وتغدو رنينا"
آخر طيور فلسطين النادرة وآخر شعراء السلسلة الذهبية الكبار وداعا.
*
رمادُ عذابات الشعر
على الشاعر أن يرمي بخيباته من نافذةِ الأمل أو يدرِّب نفسه على الانكساراتِ والخسران.. فما قيمة بطولات الكلام في زمن حروب المادة وجشع البشر؟! ولكن خسارات الشعر على ما فيها من قسوة وجودية لا تخلو من العذوبة ومن اللذة والفرح.. سأكتب.. لقارئة أو لقارئ في البال.. ولن يعني لي شيئا أن أستثنى من لوائح الجوائز والمسابقات.. لن يضيرني ذلك بشيء.. فلم أعد أعلِّق أملاً على اكتمال المشاريع فلا شيءَ كاملاً كما قال الرائع حسين البرغوثي بغصَّة وبحزن وهو يودِّع هذه الحياة.. لن يعني لي شيئا أن أستبعد من لوائح سلاسل الشعر في خمسة دور نشر عربيَّة، ولن يجعلني بالضرورة أستسلم لبيات شعري أو صمت خصب أو يأس مورق.. في السنوات القليلة الماضية نشرتُ سبعة كتب ما بين شعريَّة ونثرية على نفقتي الخاصَّة في مصر.. ليست هي بالطبع كل المحصول.. ولكنها كتب لو لم أنشرها شخصيَّا وعلي نفقتي، لما تخلَّصتُ من تبعات عبئها الوجودي ومن همِّ نشرها حتى هذه اللحظة. لم يكن أمامي خيار حينها لأساوم دور النشر على رماد عذاباتي.. الشاعر هو دونكيشوت عصري يتجاهل عن قصد قوانين لعبة الحياة المعاصرة.. يركبُ فرساً من ريحِ خيالاته ويطاردُ فرساناً وهميين في ذاكرة الزمان المعطوبة.. ويبارز طواحين هواء لا تتجلَّى إلا لعينيه هو. دونكيشوت محكوم بوهمه وانكساراته وانسلاخه عن سيرِ الحياة السريع والمحموم وعن رقصِ الأيام الصاخب.. يكتبُ لقرَّاء وهميين ويصارعُ طواحين هواء محايدة وخفيَّة عن أنظار الآخرين. لن أكون ضمن دوائر المسابقات وسلاسل نشر الشعر المجانيَّة.. لكم سلاسلكم ولي سلاسلي.. أنا الذي نأيتُ بنفسي في الماضي والحاضر عن حبائل التدجين وغواياتهِ. وطالما ألحَّ عليَّ الكثير من الأصدقاء الشعراء أن أتقبل منحة هنا أو هبة هناك في مجال التفرغ للكتابة الإبداعية، وكانوا شبه أوصياء عليَّ.. وخيَّبت أملهم واحدا واحدا واختلقتُ لهم الأعذار التي لا تحصى.. مع الشكر والتقدير والمحبة الحقيقية لهم جميعا.. ولكن ماذا أفعل..؟ وأنا ضد تدجين الأدب والشعر والإبداع.. نعم قد أكون في حاجة لعزلة في مكتبة.. ولتبادل الثقافات والكتابة.. لكن أنا لم ألزم نفسي مرة أن تكتب في أوقات معيَّنة أو مواضيع مقرَّرة كمنهاج مدرسي، أو تغنِّي في أقصى حالات صمتها الفادح.. ولم أكبح شوقها الطفولي الحقيقي للحنين والعودة الى البيت من مسافات بعيدة وفي ساعات متأخرة من الليل. فضاء الإبداع الحر هو ما عودت روحي على السباحة والرقص الوجداني فيه.
في نصي هذا كان الوجع الحقيقي ملموسا ومسموعا.. لكنه وجع مشوب بالفرح المؤجَّل الخفي باقتراب صدور ديواني الجديد عن وزارة الثقافة الفلسطينيَّة "نساءٌ يرتِّبنَ فوضى النهار".. الفرح الذي أخفيته عن قصد وأرجأته إلى حين صدور الديوان بشكل فعلي.. وقلت في نفسي "الله كبير".. لا بدَّ أنه سينصفني.. فمشقة طريق الشعر تكفي.. ولا وقت لندب قلة الحظ في جداول وقوائم واستراتيجيات دور النشر التجارية.. ما دامَ الآتي أجمل.. ويسندُ روحي مبدعون حقيقيون كثر.. ولا يجدي النظر إلى الحياة من ثقب إبرة.. وشمس فلسطين لا يحجبها غربال رثٌّ قديم. والدنيا تتسع للأصدقاء الرائعين.. للأوفياء والمريدين الصادقين.. كما أنها تفيض بالزائفين والمتطفلين والأنبياء الكذبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.