وزير التعليم العالي يكرم نائب رئيس جامعة المنصورة لشئون خدمة المجتمع    البطريرك أفرام الثاني يؤكد أهمية تعزيز الوحدة المسيحية في الاجتماع المسكوني بكاتدرائية مار أفرام السرياني بإسطنبول    1450 فرصة عمل برواتب تبدأ من 10 آلاف جنيه بمشروع محطة الضبعة.. تفاصيل    «التضامن» تطلق الخط الساخن 17673 لخدمة العمل الأهلي    وزير الري يبحث آليات تشغيل محطات الرفع الخاصة بالمشروعات القومية    فصل التيار الكهربائي عن مناطق بمدينة بيلا بكفر الشيخ غدًا لمدة 3 ساعات    وزير الخارجية يتوجه إلى باكستان لبحث العلاقات ومناقشة التطورات الإقليمية    المفتي: الصمت عن الجرائم الواقعة على الشعب الفلسطيني تقاعس يضاعف الآلام    حارسة الحدود السورية.. بيت جن تستعيد أمجادها القتالية وتكبد جيش الاحتلال خسائر فادحة    توروب يمنح لاعبي الأهلي راحة سلبية من التدريبات خمس أيام    موعد مباراة بيراميدز وباور ديناموز الزامبي بدوري الأبطال.. والقنوات الناقلة    إخماد حريق نشب داخل شقة سكنية فى مصر القديمة    السيطرة على حريق فى مخلفات خشبية داخل مدرسة المحلة الميكانيكية    تداول فيديو لأب يتهم ولية أمر تلميذ بدهس ابنته عمدًا أمام مدرسة بالشروق    مد فترة سداد رسوم حج الجمعيات الأهلية.. إنفوجراف    "مفتقدينه"، ساويرس يرد على روائي إماراتي بشأن الراحل خالد صالح    افتتاح أعمال تطوير مستشفى قصر العيني التعليمي الجديد «الفرنساوي»    الصحة: تقديم خدمات مبادرة العناية بصحة الأم والجنين لأكثر من 3.6 مليون سيدة    أعراض ارتفاع ضغط الدم عند الأطفال وطرق الوقاية    الكشف والعلاج مجانا.. القومى للبحوث يطلق قافلة طبية لبولاق الدكرور    مواعيد مباريات اليوم السبت 29 نوفمبر 2025 والقنوات الناقلة    وزارة العمل: مهلة ل949 منشأة لتوفيق أوضاع عقود العمل.. وتحرير 514 محضر حد أدنى للأجور.. و611 محضرًا لمخالفات عمل الأجانب    3 سيناريوهات تحدد اليوم مصير 187 طعنًا على نتائج انتخابات النواب    أسعار الذهب في مصر اليوم السبت 29 نوفمبر 2025    بدء قمة رؤساء برلمانات المتوسط لبحث الأمن والتنمية وإعادة إطلاق "برشلونة"    الطقس اليوم.. مفاجأة في درجات الحرارة ومناطق تقترب من الصفر وشبورة خطيرة    تفاصيل أسئلة امتحان نصف العام للنقل والشهادة الإعدادية من المناهج    الشؤون النيابية تحيى يوم التضامن مع فلسطين: حل الدولتين ينهى الصراع للأبد    أم كلثوم خارج الحدود المصرية.. حكاية فيلم أمريكي عن الست    "دولة التلاوة" .. حلقة جديدة اليوم علي قنوات الحياة و سي بي سي والناس    سعر الدولار في البنوك المصرية اليوم السبت 29 نوفمبر 2025    بعد قليل.. رئيس الوزراء يقوم بجولة لمتابعة إعادة إحياء القاهرة التاريخية    أحمد دياب: سنلتزم بتنفيذ الحكم النهائي في قضية مباراة القمة أيا كان    موعد مباراة برشلونة وألافيس في الدوري الإسباني.. والقنوات الناقلة    الصحة: 66% من الإصابات التنفسية إنفلونزا.. ومبادرات رئاسية تفحص أكثر من 20 مليون مواطن    إصابة فلسطينيين اثنين في قصف إسرائيلي على قطاع غزة    اليوم.. الزمالك في اختبار صعب أمام كايزر تشيفز بالكونفدرالية    بالأقدمية أم بالاختيار؟.. تعرف على ضوابط الترقية في قانون الخدمة المدنية    أسعار الحديد والأسمنت فى الأسواق اليوم السبت    آخر تطورات سعر الذهب في سوق الصاغة| عيار 21 وصل لكام؟    الاستثمار الرياضي يواصل قفزاته بعوائد مليارية ومشروعات كبرى شاملة    الشهادة الجامعية ب 6 آلاف جنيه.. سقوط الكيانات التعليمية الوهمية    مأساة ورد وشوكولاتة.. بين الحقيقة والخيال    الزوجان استدرجا تاجر الأدوات المنزلية لبيتهما واستوليا على أمواله وهواتفه    «قناع بسوسنس الأول».. درّة نادرة تتلألأ في قاعات المتحف المصري    وصول هاني رمزي لمهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح    طيران نيوزيلندا: استدعاء طائرات إيرباص يتسبب بتعطل بعض الرحلات اليوم السبت    عالم الأزهر يكشف مخاطر الخوض في حياة المشاهير على السوشيال ميديا    توروب: الحكم احتسب ركلة جزاء غير موجودة للجيش الملكي    ننشر قائمة فئات المعلمين غير المستحقين لحافز التدريس    استشارية تربية تكشف تأثير الذكورية المفرطة على العلاقات الزوجية والأسرية    مولد وصوان عزاء| محمد موسى يهاجم مستغلي طلاق المشاهير    خبير تربوي: الطبيعة الفسيولوجية للرجل لا تبرر السيطرة المفرطة    وزير الثقافة يحيي روح الحضارة المصرية خلال مناقشة دكتوراه تكشف جماليات رموز الفن المصري القديم    استقالة مدير مكتب زيلينسكى تربك المشهد السياسى فى أوكرانيا.. اعرف التفاصيل    تكريم حفظة القرآن الكريم بقرية بلصفورة بسوهاج    المفتى السابق: الشرع أحاط الطلاق بضوابط دقيقة لحماية الأسرة    في الجمعة المباركة.. تعرف على الأدعية المستحبة وساعات الاستجابة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ما الذي يجلب الدب إلى كرمك! كيف تنتقم الجغرافيا وهذا الكتاب.
نشر في شموس يوم 31 - 03 - 2020

العزلة الشتوية أخرجت أعظم أعمال كلّ من: تولستوي صاحب رواية “أنا كرينا”، وميخائيل شولوخوف صاحب “الدون الهادئ”، وديستوفسكي صاحب “الجريمة والعقاب”.. ففي مواسم الشتاء الروسي الطويل، كانت البيوت تتحول إلى صويمعات للأدب الراقي، فيما المكتبات المنزلية تعمها الفوضى وقد توزعت أيقوناتها على الطاولات والأسرّة.. كتب نفيسة متفاوتة المستويات، يخالطها الصغار والكبار كأنها كائنات حية تنتمي إلى الأسرة.. والمواقد تحتفي بمجالس أهل البيت وتمنحهم طاقة الصبر والبقاء في ليالي البرد القارص. والنار فيها تعلك الحطب وتحرض العقول على السباحة في الخيال.. والقناديل بأضوائها الخافتة تحاور أشباح الظل التي تراقصها الرياح المتناوحة خارج الأبواب المُوصدة وهي تتسلل من شقوقها المسحورة.
العالم اليوم يختلف كثيراً.. فنوافذه المعرفية كثيرة.. كأنها شرفات مفتوحة على الفضاء العالمي بكل تفاصيله سواء كان ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو الشبكة العنكبوتية واليوتيوب، ناهيك عن الفضائيات التي تنقل إليك أخبار العالم ومستجداتها مباشرة.. ورغم ذلك يبقى أجمل هذه النوافذ، كتاب تختلي به فيفضي إليك بما في بطنه من درر، وخاصة في عزلتك التي فرضها وباء الكورونا.. وفي سياق ظروف العزل البيتي بسبب انتشار وباء الكورونا، يداهمك خير جليس في هذا الزمان، دون أن يحمل إلى عزلتك العدوى القاتلة.. الكتاب الذي ما لبث رفيقي في السراء والضراء..
اليوم انتهيت من القراءة الثالثة لكتاب تصدر مكتبتي الخاصة بعنوان “انتقام الجغرافيا”
وهذا عرض وتحليل للكتاب الذي صدر عام 2015 عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب في الكويت الكتاب القيم “انتقام الجغرافيا” تأليف (روبرت د. كابلان)، ترجمة د. إيهاب عبد الرحيم علي، والذي يقع في 447 صفحة من القطع المتوسط.
(روبرت كابلان)، كاتب وصحفي بجريدة (اتلانتك) الأمريكية، كما انه كبير الخبراء (الجيوسياسيين) فى معهد (ستراتفورد) للمعلومات الدولية، ونشر نحو 14 كتابا عن السياسات الخارجية الأمريكية والعلاقات الدولية الأمر الذي أهله لخوض تجربته الميدانية عبر جغرافية القارات ليخرج إلى القراء بهذا المشروع الذي يتنافى مع رؤية العولمة في أن العالم سيتوحد في إطار قرية صغيرة، من خلال استدلال مفكريها على الشواهد المعاصرة التي أحدثتها التكنلوجيا الحديثة المتسارعة بقلب النظم القديمة في التواصل الإنساني عبر العالم الذي بات وكأنه بلا حدود. ف(كابلان) يرى غير ذلك.. متجاهلاً التاريخ ومعتمداً على ثبات التأثير الجغرافي بتنسيق شكل العالم الذي يتحدى السياسات والنزاعات والفكر (الكولونيالي) لترسيخ المعالم السياسية بما تفرضه الحقائق الجغرافية على الأجندات. وفي هذه الرؤية قد تتفق مع الكاتب أو تختلف.. لأن الجغرافيا تحولت إلى ظلِّ للفضاء الرقمي.. والعقول أصبحت مسلوبة إلى عالم افتراضي أكثر تأثيراً.. وأصبحت له محددات منطقية، تشمل: حكومات رقمية وعلاقات دولية وأسواق مفتوحة مثل “أمازون” الأمريكية و”علي بابا” الصينية، ودور نشر رقمية للكتب والصحف ناهيك عن العملات الرقمية إلكترونية، التي تم تصميمها بحيث يتم تبادلها بين الأشخاص في معاملات افتراضية مثل البيتكوين أو الإيثيروم.
فالعالم يتغير نحو الفضاء الرقمي الذي تتفاعل من خلاله العقول، بينما تتحول الجغرافيا في سياقه إلى ظل لوجود الإنسان الواقعي ورفاهيته. في المحصلة الجغرافيا منذ نشوء الحضارة تعتبر هدفاً استراتيجياً وظيفياً بما تحتويه من ثروات، ووسيلة دفاعية بحكم التضاريس.. ولكن الإنسان تمكن من تطويع الجغرافيا لطموحاته فقهر المسافات والجبال العالية والمهاد والبحار من خلال شبكات الطرق العملاقة والأنفاق والجسور. وخلافاً لما ذهب إليه مؤلف الكتاب فإن العالم تحول إلى قرية صغيرة تستظل تحت عالم افتراضي مفتوح.. وفي المستقبل قد تتحول الدول إلى شركات ضمن مشروع تنموي عالمي إذا ما تقدمت الصين في مشروعها النهضوي التوسعي القائم على الشراكة الإقليمية والقارية بعد تقوّض النمط الاستعماري الاحتلالي الغربي. ولو راجع المؤلف كتابه القيم في ظل تضافر الجهود العالمية لمواجهة فيروس الكورونا ربما لتوصل إلى نتيجة فحواها بأن علاقة الجغرافيا بالصراعات البينة آخذة بالأفول لصالح فرضية “الشراكة المفتوحة” مستقبلاً.. وهي مجرد تكهنات.. فماذا يقول “كابلان” في كتابه المهم “انتقام الجغرافيا”.
يتألف هذا الكتاب من ثلاثة أبواب رئيسية تعكس في مجموعها الاهتمام الثلاثي، كما قد نسميه من جانب مؤلف الكتاب:
(1) الباب الأول يحمل عنوان “أصحاب الرؤى” بمعنى الصفوة من المفكرين الذين شغفوا بالجغرافيا درسا وكتابة وبحثا وتحليلا معتمدين على تجاربهم الشخصية وترحالهم عبر الجغرافيا في أطراف العالم لقياس النتائج غير معتمدين على أمهات كتب التاريخ التي تسوق رؤيتها عبر تأثير التاريخ ومسؤوليته في تشكيل فسيفساء العالم السياسي والاجتماعي.
(2) الباب الثاني يحمل عنوان “أول خارطة لمطالع القرن الواحد والعشرين”.
(3) الباب الثالث الأخير يحمل عنوان “مصير أميركا” والذي يربطه بكندا شمالاً والمكسيك جنوباً.
الكتاب شيق في طرحة لفكرة أهمية التضاريس الجغرافية في تشكيل الوعي الجمعي باتجاه الانسجام مع الحواجز الجغرافية في كينونة المجاميع البشرية مبرهناً بالشواهد الواقعية أن تحطيم سور برلين كان استجابة لوحدة ألمانيا الجغرافية بينما عجزت السياسات عن فصل الوحدة الاجتماعية بين الباكستان وأفغانستان التي تحفظ بنيتها الجبال الشاهقة رغم الفصل بينهما سياسياً.. ولعل اليمن المليء بالحواجز الجغرافية قد جعلته كياناً غير متماسك لاعتبارات تشتته المركزي بفعل التقاطعات الجغرافية التي هيأت لنشوء عدة أقاليم غير منسجمة. وقد تبدى ذلك اليوم بسيطرة الحوثيين على البلاد دون قدرة حكومة المركز على استرداد البلاد.
في هذا الكتاب المثير يطرح المؤلف منظوراً جديداً لعرض الاضطرابات العالمية وفهم ما ينتظر القارات والبلدان في جميع أنحاء العالم في المستقبل اعتماداً عل جملة من الأفكار والآراء ولاكتشافات الجغرافية والتوصيفات الجيوسياسية الحديثة التي تتحكم بالسياسات التي تفرض حلولاً تعجيزية على الحواجز الجغرافية ذات القرار الحاسم الأخير في أي لعبة على الأرض وقد ركز في بحثه على التأثير الجغرافي في السياسات متجاهلاً دور التاريخ في ذلك.
قد تكون الجغرافيا هي التي تحدد شخصية شعب ما، وتشكل المجتمع الذي يعيش فيها؛ ولكن الجغرافيا يمكنها أيضا أن تشكل التاريخ ومصائر الشعوب. بل ويمكن بدراسة الجغرافيا أن نفهم الحروب التي ستقع في المستقبل، وكيف يمكن التصدي لها. ولكن منذ سقوط حائط برلين في نهاية الثمانينات، والذي كان يمثل العائق من صنع البشر، وبعد سيادة عقيدة العولمة وسقوط الحدود بين الدول وتصور (فوكوياما) لنهاية التاريخ حيث تسود الديمقراطية في كل مكان، نسينا العوائق الطبيعية التي لازالت تحيط بنا وتقسمنا. ونسينا أن العولمة ليست نظام يضمن السلام والأمن الدولي، بل هي مجرد مرحلة اقتصادية وثقافية للتنمية. هذا ما أراد (روبرت كابلان) أن يثبته في كتابه الأخير الذي صدر بعنوان “انتقام الجغرافيا” والذي قام فيه برحلة عبر التاريخ من الماضي البعيد ليعود إلى الحاضر ليحاول فهم المستقبل. فمن الماضي أوضح كيف كانت الجغرافيا تتحكم في التاريخ وفى العلاقات بين الدول والشعوب مشيرا إلى محاور عديدة عبر هذا التاريخ، ويشير كيف استطاع خبراء الجغرافيا توضيح ما عجزت عن فهمه العولمة. فكان يقوم بدراسة المناطق الساخنة في العالم من خلال دراسة مناخها والطبوغرافيا فيها وقربها من الأراضي التي تشهد صراعات.
مثال ذلك أن جبال العراق كانت تحد كثيراً وبفاعلية من سلطة صدام بشكل عام مؤكداً على أن الجبال تعكس قوة قديمة، تحمى بين ممراتها أحيانا ثقافات محلية في مواجهة العقائد التحديثية الشرسة التي غالبا ما كانت تغزو الأراضي المسطحة، حتى وان قامت تلك الجبال أحيانا بمنح الميليشيات الماركسية والمافيا في عصرنا الحديث المأوى من أعدائهم. وينقل (كابلان) كلمات (جيمس سكوت)، خبير علم الإنسان بجامعة (ييل)، حول شخصية “شعوب الجبال الذين قد ينظر إليهم على أنهم هاربون أو لاجئون أو على أنهم مجتمعات معزولة؛ فقد عاشت خلال ألفي عام تحاول الهروب من رجال الدولة الذين يطبقون سياساتهم في مناطق السهول”. أما في أفغانستان وباكستان، فكان للجبال دروس أخرى. تلك الجبال التي وصفها البريطانيون أولا بأنها “الحدود الشمالية الغربية” لم تكن حدودا بالمعنى المفهوم على مدى التاريخ كما قال البروفيسور (سوجاتا بوس) بجامعة (هارفارد)، “ولكنها، كما وصفها، قلب سلسلة من الجبال الهندية الفارسية، والجبال الهندية الإسلامية، وهى السبب الذي من اجله قامت كل من أفغانستان وباكستان بتشكيل كيان عضوي كامل، يساهم في تقسيمهم الى دول من خلال جغرافيا غير متجانسة”. كان للجبال قصة أخرى في أوروبا، فقد كتب المؤرخ (جولو مان) كيف إن الألمان عاشوا دائما داخل سجن كبير شكلته الجغرافيا. ثم أرادوا التحرر منه من خلال احتلالهم قلب أوروبا ما بين الشمال وبحر البلطيق وجبال الألب. ولكن بالنسبة لهم الشمال كان محدد بالجبال والجنوب بالمياه، فكان المهرب الوحيد لهم هو الاتجاه إلى الشرق والى الغرب حيث لا توجد عوائق جغرافية. أما في العراق، فيرى (كابلان) كيف أن جبال العراق قامت دوما بالحد من سلطة صدام حسين الرئيس العراقى السابق، وقد حاول صدام ان يقاوم تلك العقبة بكل الإجراءات التعسفية التي يستطيعها. يقول (كابلان) إن صدام حسين في فترة الثمانينات غضب بسبب الحرية التي منحتها تلك الجبال للأكراد عبر التاريخ والقرون، فقام صدام بهجوم شامل على الأكراد العراقيين والتي عرفت بحملة الأنفال. وبالرغم من إن صدام استطاع أن يثبت بأن الجغرافيا لا تستطيع منع الإنسان تماما من تغيير مصير البشر، إلا أن تلك الجبال كانت السبب الأساسي لتلك المأساة. وبسبب تلك الجبال ابتعدت منطقة كردستان من الدولة العراقية إلى حد بعيد. الربيع العربي والجغرافيا تمر حاليا منطقة الشرق الأوسط، من المغرب وحتى أفغانستان في أزمة فيما يتعلق بالعلاقة مع السلطة المركزية. فقد أصبحت النظم القديمة المستبدة غير مستقرة، في الوقت الذي لازال الطريق نحو الديمقراطية غير مستقيم. في المرحلة الأولى من تلك الاضطرابات العظيمة ظهر هزيمة الجغرافيا أمام قوة تكنولوجيا الاتصالات الحديثة. فقد خلقت التكنولوجيا الحديثة المتمثلة في القنوات الفضائية والشبكات الاجتماعية ومواقع الانترنت مجتمعا واحدا من المعارضين عبر العالم العربي: وهكذا وجد نوعا من التكتل الاجتماعي ضد الأوضاع السياسية بكل من مصر واليمن وتونس والبحرين، ولكن مع استمرار التمرد، أصبح من الواضح أن كل دولة قامت بوضع تصورها هي لثورتها، والذي من ناحيته تأثر بتاريخها وجغرافيتها العميقة. فكلما تعرفنا على تاريخ وجغرافية أي من دول الشرق الأوسط، كلما قلت دهشتنا من تطور الأحداث فيها. يقول (كابلان) انه قد يكون من الصدفة جزئيا أن الثورة بدأت في تونس. فان الخرائط القديمة تظهر تمركز مستوطنات في المنطقة التي توجد فيها تونس اليوم، شيدت بجوار مساحة شاسعة خالية إلى حد ما والتي تمثل الجزائر وليبيا اليوم. وبسبب وجودها عند سواحل البحر المتوسط وبالقرب من صقلية، فان تونس أصبحت هي المأوى السكاني في منطقة شمال أفريقيا، ليس فقط خلال عصر قرطاجة والرومانيين، ولكن أيضا عبر عصور البيزنطيين والعرب والأتراك. وفى حين كانت كل من الجزائر غربا وليبيا شرقيا مجرد مساحة جغرافية ذات تعبيرات غامضة، فإن تونس كانت دوما مركزا لحضارات قديمة.
أما بالنسبة لليبيا، فقد كانت المنطقة الغربية منها والتي بها طرابلس، تتجه عبر التاريخ نحو تونس، بينما اتجهت منطقتها الشرقية، بنغازى، نحو مصر. لذلك فقد كانت المنطقة الأقرب إلى قرطاجة طوال ألفى عام، تتمتع بمستوى عال من التنمية، لان العمران بدأ في تونس قبل ألفي عام، بينما كانت الهوية البدوية التي قال عنها ابن خلدون أنها كانت تمنع الاستقرار السياسي، تضعف التنمية في المنطقة الشرقية. في عام 202 قبل الميلاد، عندما انتصر (سكيبيو) على هانيبال بالقرب من تونس، قام بحفر خندق حدد نهاية الأراضي المتحضرة. هذا الخط لازال حتى اليوم قائما في الشرق الأوسط، وهو لازال واضحا في بعض المناطق فهو يمر من طبرق على الساحل شمال غربي تونس إلى الجنوب ثم يتجه إلى الشرق نحو (صفاقس)، ميناء آخر على المتوسط. أما المناطق التي تقع خلف هذا الطريق فلم تشهد فيها آثار رومانية وهي اليوم الأكثر فقراً والأقل تطورا، وفيها أعلى نسبة من البطالة. أما مدينة (سيدى بوزيد) التي بدأ منها التمرد في تونس في ديسمبر عام 2010، فهي تقع خلف خط (سكيبيو) مباشرة.
يقول (كابلان) انه يحاول هنا أن يعطى للأحداث التي وقعت مؤخرا، في المنطقة البيئة لجغرافية والتاريخية لها: فقد بدأ التمرد العربي من اجل الديمقراطية في المجتمع الذي اعتبر تاريخيا أكثر المجتمعات العربية تقدما، وأكثرها قربا من أوروبا؛ ولكن أيضا بدأ التمرد بشكل خاص في هذا الجزء من البلاد الذي ظل منذ التاريخ القديم منسيا وعانى كثيرا من نتائج سوء التنمية. هذه المعلومات يمكنها أن تضيف عمقا على ما حدث في المناطق الأخرى: سواء كان ذلك في مصر، دولة أخرى شهدت على حضارات قديمة وتاريخ طويل عرفت فيه نظام الدولة؛ أو اليمن التي تعتبر القلب السكاني لشبة الجزيرة العربية، والتي ظلت تحاول توحيد أراضيها، ولكنها كانت دوما تصطدم بطبوغرافية جبلية ممتدة عملت على إضعاف الحكومة المركزية وبالتالي دعمت أهمية النظام القبلي والجماعات الانفصالية؛ أو سوريا التي أدى شكلها المبتور على الخريطة إلى احتواء انقسامات داخلية على أساس الهوية العرقية والطائفية. إن الجغرافيا تشهد على أن تونس ومصر يتمتعان بتماسك تدعمه الطبيعة؛ بينما تشهد الجغرافيا في كل من ليبيا واليمن وسوريا على أنهم اقل تماسكا. لذلك يمكن القول إن كل من تونس ومصر احتاجا إلى أشكال بسيطة نسبيا من النظام الاستبدادي حتى يبقيهما في وحدة متماسكة، بينما تحتاج ليبيا وسوريا إلى أشكال مختلفة عديدة من الاستبداد.
ولكن الجغرافيا جعلت من الصعب دوما حكم اليمن. فان اليمن حسب قول الخبراء، تعتبر مجتمعاً “مجزءا، تتداخل في طبيعته الجبال والصحاري. لذا فهو مجتمع ظل يتأرجح ما بين المركزية والفوضى، وهو مجتمع حسب قول الخبراء، يحكمه بالضرورة نظام يقوم على “استنزاف الحياة منه”، ولأنه يعاني من “هشاشة داخلية” فهو يفشل دائما في إقامة مؤسسات تدوم. إن القبائل هنا قوية والحكومة المركزية ضعيفة بالمقارنة بهم. والصراع من اجل بناء نظم ليبرالية في مثل تلك المناطق لن ينفصل عن هذا الواقع. بينما تتابع الاضطرابات ويبدو العالم وكأنه خارج السيطرة، ومع تصاعد التساؤلات حول كيفية يمكن للولايات المتحدة وحلفائها الرد على تلك الأوضاع، فان الجغرافيا تمنح وسيلة لكي على الأقل نفهم شيئا مما حدث. فعلينا أن ننظر في الخرائط القديمة، ونقرأ تحليلات من خبراء الجغرافية وعلماءها القدماء الذين عاشوا في العصور السابقة، يمكننا أن نرى مستقبل هذا الكون في القرن الواحد والعشرين. فبالرغم من التطور التكنولوجي الذي ألغى الحدود بين الدول، إلا أن جبال الهند لازالت تمثل عائقا ضخما. لقد شهد عالمنا تغييرات جغرافية كثيرة عبر تاريخه، وشهد صعود وسقوط نظم ديكتاتورية عديدة، مما يؤكد دوما على هشاشة تلك النظم. ولكن يقول (كابلان): إن الشيء الوحيد المستقر والباقي هو وضع الشعوب على الخريطة؛ لذا ففي زمن الاضطرابات الشيء الوحيد المهم هي الخرائط. فعندما تتحرك الأرض السياسية بعنف من تحت أقدامنا، تظل الخريطة، حتى ولو لم تكن مؤكدة، هي نقطة البداية لتحديد منطق تاريخي حول ما يمكن أن يأتي به المستقبل.
ويرى بعض النقاد الأمريكيين مأخذاً في توجيه المؤلف اهتمامه الأميركي من الشمال إلى الجنوب، بمعنى من كندا شمالا إلى المكسيك جنوباً، وهو يدعو واشنطن إلى إتباع هذا النسق وذلك النهج بالطول خلال السنوات القليلة القادمة، بدلا من أن تتحرك أميركا بالعرض إلى حيث أولت اهتماماتها شرقا إلى أوروبا وآسيا ومن ضمنها بالطبع الشرق الأوسط والبحر المتوسط والقارة الأفريقية بشكل عام.
ولكن (روبرت كابلان) يتصور خلافا لناقديه أن ثمة منافسة تشهدها الفترة المقبلة بحيث تمتد من المحيط الأطلسي غربا إلى المحيط الهادئ في أقصى الشرق، فإن العالم يصبح بحاجة من ثم إلى عنصر توازن.
والمعنى هو أنه فيما قد تؤدي الجغرافيا، اتساقاً أو انتقاماً إلى كيان من نوعية “أوراسيا العضوية الموحدة” فالأمر يومئذ يقتضي كفة للتوازن تتمثل بدورها في كيان يوصف على النحو التالي: أميركا الشمالية العضوية والموحدة، بحيث تضم كلاً من كندا والولايات المتحدة، ثم المكسيك.
ويقدم الكتاب رداً متبصراً على المفكرين الذين يشيرون إلى أن العولمة ستنتصر جغرافياً؛ ومن ثم يُظهِرُ كيف يمكن للوقائع الخالدة والحقائق الطبيعية أن تساعد في منع وقوع الكوارث التي تلوح في أفق القرن الحالي.
الكتاب في غاية الأهمية.. ورغم قراءتي له فقد التجأت إلى دفئه من جديد من أجل قراءة ثالثة أكثر تأنياً.. وهي من الدروس المستفادة من العزلة التي فرضها وباء الكورونا عل العالم.
30 مارس 2020


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.