لليوم الثاني.. استقبال النواب الجدد لاستلام كارنيهات العضوية    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمعاهد الأزهرية بسوهاج    5 يناير 2026.. الجنيه يواصل الارتفاع أمام الدولار في البنوك المحلية خلال تعاملات اليوم    تقلبات فى اسعار الاسمده اليوم الإثنين 5يناير 2026 بالمنيا    بيان أوروبي: تقويض إسرائيل عمل الأونروا يخالف قرارات محكمة العدل الدولية    الدنمارك تعارض.. هل جرينلاند وإيران الهدف التالي لترامب؟    تواصل الجهود المصرية لإدخال المساعدات للأشقاء في قطاع غزة    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    انطلاق أولى ورش مهرجان المسرح العربي في قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    ترامب: لا أشعر بالقلق من أن يؤدي الوضع في فنزويلا إلى تورط طويل الأمد    موعدنا اليوم.. منتخبنا أمام بنين في ليلة الحسم بكأس أمم إفريقيا 2025    البنك الأهلي ووادي دجلة في مواجهة مصيرية بكأس عاصمة مصر    الأهلي يدرس استكمال بطولة كأس عاصمة مصر بمدرب فريق الشباب    ميكالي يدخل حسابات الزمالك لخلافة أحمد عبد الرؤوف    وزير التعليم العالي يستقبل سفير طاجكستان بالقاهرة لبحث آفاق التعاون    وزير التعليم العالي يبحث مع سفير طاجكستان تعزيز التعاون في المنح الدراسية    حملات أمنية مكبرة تضبط مخدرات وأسلحة وتنفيذ أكثر من 60 ألف حكم    إعادة فتح الطريق الإقليمى بعد غلقه بسبب الشبورة المائية فى المنوفية    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    طلاب أولى ثانوى فى 11 محافظة يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعى    هيئة السكك الحديدية: خفض سرعة قطارات بحري بسبب الشبورة    وزارة «العمل» تعلن توفير 7293 وظيفة في 12 محافظة    المخرج حسني صالح يغير مكان وموعد تشييع جثمان والدته    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    منة عرفة تُبدل دورها في مسلسل «وننسى اللي كان»    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    الصحة: 2026 و2027 عاما التحدي لتحقيق معدل إنجاب 2.1 طفل    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    البابا تواضروس الثاني ووزير الثقافة يطلقان مبادرات للحفاظ على التراث القبطي    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    تقلب أسعار النفط مع تقييم تداعيات اعتقال مادورو وفائض المعروض العالمي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 5 يناير    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السيرة الذاتية في مصر القديمة

إنني حين أتحدث في هذا البحث عن السير الذاتية في تاريخ مصر القديمة ، أتحدث عن وثيقة تعد من أهم الوثائق التاريخية والأثرية التي عرفنا منها الكثير والكثير من تفاصيل تاريخ مصر القديمة . فكل أمير أو ملك أو موظف أو مواطن مصري في العصور القديمة كتب سيرة ذاتية تحدث فيها عن تاريخ حياته في عصر معين فهو بذلك يسجل لنا شيئًا كثيرًا من تفاصيل تاريخ وحضارة مصر القديمة في أحد عصورها السحيقة. ومن ثم فإن هذه السيرة – كما قلت – تعد من أهم الوثائق التاريخية والأثرية التي عرفنا من خلالها الكثير والكثير من تفاصيل تاريخ وحضارة مصر في تلك العصور.
وقد عزمت على تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة فصول :
الفصل الأول – تاريخ وبداية ظهور السيرة الذاتية في مصر.
وفيه يعرض الباحث بداية ظهور السيرة الذاتية في مصر وأقدم سيرة ذاتية مصرية وصلت إلينا، وإذا كان هناك محاولات من العصور السحيقة من أجل تأليف السيرة الذاتية وكيف تطورت السيرة الذاتية في مصر بعد ذلك والغرض منها.
الفصل الثاني – أهمية السيرة الذاتية لدارس التاريخ المصري القديم.
وفيه يتحدث الباحث عما يستطيع دارس التاريخ الاستفادة به من خلال دراسته للسيرة الذاتية.
الفصل الثالث – نماذج من السيرة الذاتية في مصر القديمة .
وفيه عمل الباحث على دراسة نموذج للسيرة الذاتية من كل عصر من عصور مصر القديمة مثل عصر الدولة القديمة وعصر الدولة الوسطى وعصر الدولة الحديثة والعصر المتأخر.
1
الفصل الأول
تاريخ وبداية ظهور السيرة الذاتية في مصر القديمة
إن آثار مصر القديمة تزخر بالعديد والعديد من السير الذاتية المعروفة لكل دارسي التاريخ القديم مثل سيرة القائد "وني" قائد الجيش المصري في عصر الأسرة السادسة، وسيرة القائد "سنوهي" قائد الجيش المصري في بداية عصر الأسرة الثانية عشرة، وسيرة "أحمس بن أبانا" قائد الأسطول المصري في بداية عصر الأسرة الثامنة عشرة، وسيرة القائد "أمنمحاب" .....إلخ.
ولكن أول سؤال يجب أن يجيب الباحث عنه في بداية حديثه عن تاريخ السير الذاتية في مصر هو : متى بدأ تأليف السيرة الذاتية في مصر؟ وما الغرض من تأليف هذه السير الذاتية؟
عندما نطلع على تاريخ مصر القديمة وتاريخ الأدب المصري القديم، نجد أقدم سيرة ذاتية عُثِرَ عليها في مصر القديمة هي سيرة القائد "وني" الذي ينتمي إلى عصر الملك ببي الأول حتى عهد الملك ببي الثاني، أي ينتمي إلى بداية عصر الأسرة السادسة في نهاية عصر الدولة القديمة(1). من هنا يمكن القول أن كتابة السير الذاتية بدأت منذ عصر الدولة القديمة.
ولكن حين ننظر إلى هذه السيرة الذاتية ونتأملها جيدًا، نجد أنها سيرة مكتملة الجوانب وفيها كل عناصر السيرة الذاتية. فهي تبدأ بتعريف صاحبها لنفسه، حيث يذكر اسمه ووظيفته ويذكر الملوك الذين عاش في عهدهم، وكذلك الأحداث التي يرويها عن نفسه وإنجازاته وبطولاته مرتبة ترتيبا تاريخيا من الأقدم إلى الأحدث ، وفيها من التفاصيل ما يكفي لمعرفة قصتها. فإذا كانت هذه السيرة قصة مكتملة الجوانب وبها كافة عناصر الرواية التاريخية أو السيرة الذاتية، فهذا يضع أمامنا سؤالاً هامًا جدًا هو : هل كانت سيرة "وني" هي أول محاولة يقوم بها المصري القديم لتسجيل سيرة ذاتية؟ أم أنه كانت هناك محاولات سابقة وكانت هذه السيرة وما بها من تطور في فن الرواية هي نتاج هذه المحاولات السابقة؟
من أجل الإجابة على السؤال يجب الرجوع إلى الوثائق الأثرية المصرية التي تنتمي إلى العصور السابقة لعصر الأسرة السادسة. عند النظر إلى هذه الوثائق التاريخية والآثار التي خلفها لنا المصريون، نجد أنَّ المصريين القدماء لم يتركوا لنا أية
الهوامش :
(1) سمير أديب، تاريخ وحضارة مصر القديمة، 1997 ، مكتبة الأسكندرية، ص98 .
2
سيرة ذاتية قبل عصر الأسرة السادسة، ولكن نجد أنهم تركوا لنا آثارًا ووثائق هامة جدا لها علاقة بالسير الذاتية. هذه الآثار هي الرسومات الموجودة على اللوحات والبطاقات التي تصور أحداثًا تاريخية حدثت في تلك الفترات. وأشهر هذه اللوحات بالطبع هي لوحة الملك "نعرمر" المحفوظة بالمتحف المصري والتي تصور انتصار ملك الجنوب "نعرمر" على مملكة الشمال حيث تصوره وهو يمسك برأس أسير من الشمال ويهم بضربه بمقمعة في يده، وتصور جنوده وهم يتنظمون خلفه وفلول جيش الشمال وهم يهربون. أيضًا يوجد قبل ذلك العديد من اللوحات التي تروي رسوماتها أحداثًا تاريخية مثل صلاية الليبيين أو التحنو، التي تنتمي إلى عهد الملك العقرب ملك مملكة الجنوب وهو يحارب قبائل غرب الدلتا أو قبائل الليبيين ويذبح زعمائهم وفيها صورة لصفوف من الحيوانات ربما كانت غنائم قتاله في غرب الدلتا.
طبعا من المعروف أن السيرة الذاتية تكون سيرة مكتوبة على الأقل ليقوم فيها صاحبها بتعريف القاريء باسمه ووظيفته ونسبه وإلى أي عصر ينتمي، وبالتالي لا تعتبر رسومات اللوحات والبطاقات سيرًا ذاتية على الأقل بالمعنى المفهوم الآن. لكن أيضًا من المعروف أن كاتب السيرة الذاتية يكون غرضه الأساسي منها هو تسجيل تاريخ حياته أو على الأقل أهم الأحداث التي ظهرت في حياته أو أهم الإنجازات والأعمال التي قام بها، وحين ننظر إلى لوحة الملك "نعرمر" أو صلاية الملك "العقرب" نجد أن الغرض الأساسي من هذين الأثرين هو تسجيل إنجازات وأعمال عظيمة قام بها كل من الملك العقرب والملك نعرمر، وكما أن السيرة الذاتية تروي تفاصيل الأحداث عن طريق الكتابة والكلمات، فإن اللوحات والبطاقات أيصًا تروي تفاصيل الأحداث ولكن عن طريق الرسم والصور. من الطبيعي أن يتسائل المرء إذا كان ملوك عصور ما قبل الأسرات مثل الملك العقرب والمل نعرمر يسعون إلى تسجيل سيرهم الذاتية وأهم إنجازاتهم، فلماذا لم يسجلوها كتابةً؟
الجواب هنا واضح وهو أن المصريين في تلك الفترة لم تكن الكتابة منتشرة بينهم حيث نجد معظم الوثائق مرسومة وليست مكتوبة، فمن الطبيعي لملك يريد أن يسجل تاريخه وسيرته الذاتية في ظل عدم وجود الكتابة أو انتشارها أن يقوم بتسجيل سيرته الذاتية عن طريق الرسم.
بناء عليه، يمكن استنتاج أن أولى أو أقدم محاولات تأليف السيرة الذاتية في مصر القديمة، قد بدأت في عصر ما قبل الأسرات وليس في عصر الأسرة السادسة لكن أقدم سيرة ذاتية عُثِرَ عليها هي سيرة القائد "وني" التي سجلها على جدران مقبرته بأبيدوس(1) ويوجد الآن جزء منها محفوظ بالمتحف المصري بالقاهرة.
الهوامش
(1) المرجع نفسه، ص98 .
3
صلاية الملك العقرب المحفوظة بالمتحف المصري.
صلاية الملك نعرمر المحفوظة بالمتحف المصري بالقاهرة.
4
هكذا تم معرفة ما هي أقدم المحاولات التي تمت لتسجيل السير الذاتية في مصر القديمة، لكن قبل التحدث عن عناصر بناء السيرة الذاتية في مصر القديمة وعن تطورها في بقية عصور مصر القديمة، يبقى سؤال أخير حول بداية ظهور السيرة الذاتية في مصر القديمة. منذ عهد الملك "نعرمر" أي بداية عصر الأسرة الأولى بدأ انتشار الكتابة في مصر، وبين عصر الأسرة الأولى وعصر الأسرة السادسة مئات السنين. لماذا إذًا لم تظهر سيرة ذاتية بعد انتشار الكتابة طوال هذه السنين رغم أن المصري القديم كان يسعى إلى تسجيل سيرته الذاتية حتى من قبل اكتشاف الكتابة؟
عندما فكَّرَ الباحث في هذا السؤال لم يجد أمامه سوى افتراضّيْنِ رئيسيَّيْنِ هما :
1- إما أن الكتابة لم تكن قد انتشرت وتطورت بين الناس بالقدر الكافي الذي يوحي إلى الناس بكتابة سيرهم الذاتية، وأن المصريون استعاضوا عن كتابة السير الذاتية بتسجيل أهم الأحداث التي تمت في حياتهم وأهم إنجازاتهم عن طريق الرسم والتصوير، كما كان يفعل أجدادهم في عصور ما قبل التاريخ.
2- أو أن هناك سيرًا ذاتية كُتِبَتْ قبل سيرة "وني" ولكنها فُقِدَتْ أو لم يتم العثور عليها حتى الآن.
ويرجح الباحث الرأي الأول لبعض الأسباب الهامة منها
1- أن الكتابة حين بدأت في الانتشار منذ عصر الأسرة الأولى كانت تنتشر تدريجيا، ففي البداية انتشرت في كتابة أسماء الملوك، كما يظهر في لوحة الملك نعرمر وصلايات ملوك الأسرتين الأولى والثانية مثل الملك "واجت" والملك "دن". وفي عصر الأسرة الخامسة ظهرت كتابة النصائح والحكم مثل نصائح "بتاح حتب" كما ظهرت نصوص الأهرام مثل نقوش هرم الملك "أوناس" آخر ملوك الأسرة الخامسة، ثم ظهرت سيرة القائد "وني" في بداية عصر الأسرة السادسة(1)، مما يدل على أن الكتابة المصرية كانت تنتشر وتتطور تدريجيا.
2- أن المصريين القدماء لم يستغنوا عن الرسم والتصوير في تسجيل تاريخهم بعد اكتشاف الكتابة حتى نهاية العصر الفرعوني.
3- أن المصريين القدماء في عصر الدولة القديمة كانوا يسجلون كتاباتهم بأسلوب مختصر ولم يسهبوا في رواية تفاصيل الأحداث إلا في العصور التالية.
الهوامش
(1) سليم حسن، مصر القديمة، الجزء 17 ، مكتبة الأسرة 2000 ، ص9 .
5
حين ننظر إلى سيرة "وني" – التي تعتبر الآن أقدم سيرة ذاتية تم العثور عليها في تاريخ مصر القديمة – نرى أنه بها ترتيب خاص لرواية القصة. فالسيرة يتحدث صاحبها عن نفسه وكل أحداثها تُرْوَى بصيغة المتكلم ليُظْهِرَ صاحبها أنه هو الذي كتبها وأنه تتحدث عنه هو وليس غيره. أما عن بناء القصة فيها فهي كالتالي:
1- يبدأ كاتب السيرة بالتعريف بنفسه للقاريء. فهو يذكر اسمه والألقاب التي حملها والوظائف التي شغلها واسم الملك الذي ظهر أو ترقى في الوظائف في عهده.
2- يمهد الكاتب لرواية قصة حياته وأعماله بأن يتحدث عن بداية عمله في الوظائف الحكومية، ثم يذكر تباعًا الأعمال التي قام بها وجعلته مقربًا من الملك شيئًا فشيئًا حتى صار مفضلاً لديه.
3- يروي المؤلف الأحداث التي تمت في عهده والأعمال التي قام بها طبقًا لتاريخ حدوثها من الأقدم إلى الأحدث.
4- في نهاية كل حدث أو عمل يرويه المؤلف، يذكر باختصار رد الفعل الملك بعدما يعلم بما فعل هذا البطل.
5- يتحدث المؤلف عن كل الأعمال البطولية التي قام بها في حياته وليس عن عمل واحد، حتى لو كانت هذه الأعمال لا يوجد وحدة في الموضوع تربط بينها مما أدى إلى أن تصبح السيرة الذاتية مشتملة على العديد من القصص البطولية وليس قصة واحدة، وكل هذه القصص لا يربط بينها سوى رابط واحد فقط، هو أن بطل هذه القصص كلها رجل واحد.
6- السيرة مكتوبة على جدران مقبرة وليس على ورقة بردي، وربما يرجع السبب في ذلك إلى عدم انتشار أوراق البردي بكثرة في ذلك الوقت، وإلى رغبة المؤلف في بقاء تفاصيل القصة أكبر وقت ممكن وإلى بقائها واضحة أمام عيون كل من يدخلون المقبرة. فورقة البردي سريعة التلف بعكس الحجر.
7- تتحدث السيرة عن بطولات صاحبها فقط ولا تذكر أية بطولات لأي شخص من المعاصرين له لدرجة أن القاريء يشعر أن صاحب السيرة هو الوحيد الذي صنع البطولات في هذه الأحداث ولا أحد سواه.
8- السير الذاتية تُكْتَبُ نثْرًا لكن بعضها يتخلل أحداثه أبيات من الشعر يؤلفها صاحب الملحمة حين يعبر عن فخره الشديد بشيء أو حدث أو شخص أو عمل بطولي معين.
لم تكن سيرة "وني" هي السيرة الذاتية الوحيدة التي عُثِر عليها في تاريخ مصر القديمة، بل ظهر بعدها العديد من السير الذاتية التي وصل بعضها إلى مستوى الملحمة، وظل المصريون القدماء يكتبون سيرهم الذاتية حتى نهاية العصر الفرعوني. ويبدو أن العناصر الموجودة في بناء القصة في سيرة "وني" كانت هي
6
القواعد التي اتبعها كل المصريين القدماء في كتابة السير الذاتية. إذ ما من سيرة ذاتية في مصر القديمة تخلو من هذه العناصر، غير أن أسلوب الكتابة في كل سيرة
يختلف عن السير الأخرى تبعا للأسلوب الأدبي لكاتب السيرة وللغة الكتابة في عصره.
وقد شهدت السيرة الذاتية بعد ذلك تطورا ملحوظًا عن سيرة "وني". فسيرة "وني" تتحدث عن حياة قائد مصري، لكن ظهر فيما بعد سير ذاتية تتحدث عن الملوك أنفسهم مثل سيرة الملك "تحتمس الثالث"، وسيرة الملك "بيعنخي" على جبل برقل. كذلك كانت سيرة "وني" تروي القصة بإيجاز دون إسهاب في التفاصيل لكن السير اللاحقة صارت تسهب في تفاصيل أحداث القصة مثل سيرة القائد المصري "أحمس بن أبانا" حين تحدث عن حصار "أواريس"(1)، وسيرة الملك "تحتمس الثالث" حين تحدثت عن معركة مجدو، وسيرة القائد "أمنمحاب" حين تحدث عن قتاله مع الملك "تحتمس الثالث"(2). كذلك اختلفت السيرة الذاتية للملك عن السيرة الذاتية للفرد العادي في بعض النقاط الهامة منها :
1- أن كل أحداث سيرة الفرد العادي تُرْوَى بصيغة المتكلم مثل سيرة "وني" وقصة "سنوهي"، أما أحداث سيرة الملك فإما أن تُرْوَى كلها في صيغة الغائب مثل قصة "بيعنخي" أو يُرْوَى بعض أحداثها بصيغة الغائب والبعض الآخر بصيغة المتكلم مثل سيرة "تحتمس الثالث" على جدران معبد الكرنك. ومعظم سير الملوك تسير كل أحداثها أو معظمها في سيرة الغائب.
2- سيرة الفرد العادي لا تقدم مدحًا لبطل القصة بل تقتصر على إيضاح بطولاته وتقدم مدحًا قصيرًا للملك، أما سيرة الملك فإنها تسهب في مدح الملك بشكل كبير جدا.
من خلال كل ما سبق يتضح لنا أن محاولات كتابة السير الذاتية بدأت منذ بداية تاريخ مصر القديمة وأن السيرة الذاتية في مصر كان لها قواعد أساسية ظل المصريون يتبعونها طوال تاريخ مصر القديمة، كما قاموا بتطويرها شيئًا فشيئًا بعد ذلك.
الهوامش
1- Miriam Lichtheihm, Ancient Egyptian literature vol.2, p. 12
2- المرجع نفسه ، ص29 .
7
الفصل الثاني
أهمية السيرة الذاتية لدارس التاريخ القديم
للسيرة الذاتية أهمية كبيرة لدارس التاريخ المصري القديم، فمن خلالها يستطيع الدارس الاطلاع على جوانب عديدة من تاريخ وحضارة مصر القديمة مثل الناحية السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.
فمن الناحية السياسية تحدثنا السيرة الذاتية عن الوضع السياسي لمصر في تلك الفترة سواء في الداخل أو الخارج. فسيرة "وني" – مثلا – نعرف من خلالها أن بلاد السودان وليبيا كانت خاضعة لمصر، وأن هناك مشكلات خارجية كانت تهدد مصر من ناحية الشرق مما أدى إلى خروج الجيش المصري للقتال على حدود سيناء والاستيلاء على فلسطين وضمها إلى الحكم المصري(1). كما أن سيرة القائد "أحمس بن أبانا" توضح أن مصر في نهاية الأسرة السابعة عشرة وبداية الأسرة الثامنة عشرة كانت تحت الاحتلال الأجنبي وكان الجيش المصري يقاتل من أجل تحرير مصر ونجح في ذلك(2).
ومن الناحية الاقتصادية توضح السيرة الذاتية سواء للملك أو لضابط في الجيش أو لموظف مدني الحالة الاقتصادية التي كانت تسود البلاد في ذلك الوقت. فسيرة "وني" وسيرة "حرخوف" توضحان أن مصر في عصر الأسرة السادسة اتجهت إلى التجارة الخارجية مع البلاد الأفريقية(3)، وحوليات الملك "تحتمس الثالث" تُظْهِرُ مدى الازدهار الاقتصادي الذي تمتعت به مصر في عصر الأسرة الثامنة عشرة وهذا واضح من قائمة الغنائم التي حصل عليها "تحتمس الثالث" جراء حملاته وانتصاراته في آسيا(4).
ومن الناحية العسكرية توضح السيرة تنظيمات الجيش وأسلحته وأساليب قتاله وحالته بين جيوش العالم خاصة إذا كانت السيرة تتحدث عن ضابط مصري أو ملك مصري خاض قتالاً ضد أعدائه. فسيرة "وني" تذكر أن القائد وني أدخل تطويرات في الجيش المصري مثل ضم جنود من السودان وليبيا إلى صفوف الجيش(5).
الهوامش:
1- المرجع نفسه، الجزء الأول ، ص 18 .
2- المرجع نفسه ، الجزء الثاني، ص12 .
3- المرجع نفسه ، الجزء الأول ، ص23 .
4- المرجع نفسه ، الجزء الثاني، ص29 .
5- سليم حسن، مصر القديمة، الجزء الأول، مكتبة الأسرة 2000، ص276 .
8
ومن الناحية الاجتماعية توضح السيرة وضع الطبقات الاجتماعية في مصر القديمة والعلاقة بين الطبقات وبعضها. فمثلا يقول "أحمس بن أبانا" في سيرته أنه كان جنديًا في الأسطول المصري أثناء قتال الملك "أحمس الأول" ضد الهكسوس في أواريس وحين أظهر شجاعة وأحرز عددا من البطولات ظل يترقى في الوظيفة العسكرية حتى صار ضابطًا في الأسطول المصري(1)، مما يوضح أن الترقيات والوصول إلى المناصب في الجيش المصري وقتئذ كان مفتوحًا للجميع بشرط إبداء الشجاعة والكفاءة في القتال.
أما من الناحية الدينية، فإن حديث صاحب السيرة عن معبود معين سواء بالمدح أو الذم يوضح مكانة هذا المعبود لدى المصريين، وإذا كان هناك معبودات أجنبية دخلت مصر أو أن هناك معبودات مصرية عُبِدَتْ خارج مصر. وخير مثال على ذلك، قصة رحلة "ونأمون" إلى لبنان لإحضار خشب الأرز وما يذكره عن انتشار عبادة آمون في لبنان في ذلك الوقت(2).
من خلال ما سبق يتضح لنا بما لا يدع مجالا للشك قيمة وأهمية السير الذاتية في معرفة جوانب عديدة من حضارة وتاريخ مصر وقت تأليف السيرة والعصر الذي عاش فيه صاحبها، وهناك من أصحاب هذه السير أناس لا نعرف شيئًا عن تاريخهم إلا ما ذكروه بأنفسهم في سيرهم الذاتية مثل القائد "وني" في عصر الأسرة السادسة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.