إسلام عفيفي: جامعة «نيو إيجيبت» إضافة قوية لمنظومة التعليم العالي    أحمد موسى: رؤية الرئيس السيسي غيرت خريطة التنمية    استجابة للمواطنين| محافظ قنا يوجه بصيانة إنارة بطريق في نجع حمادي    دول البلطيق تتفق على إنشاء فضاء مشترك للنقل العسكري    انطلاق مباراة ليفربول ونيوكاسل في البريميرليج.. محمد صلاح أساسيا    انهيار منزل في مغاغة بسبب أعمال حفر مجاورة وإخلاء المنازل المجاورة احترازيًا    المادة ب 35 جنيها، فتح باب التظلمات لطلاب الشهادة الإعدادية بالغربية    يارا السكري تتألق بإطلالة كلاسيكية جذابة بحفل «المتحدة» | شاهد    رسالة قوية من السيسي لنظيره الإيرانى لتسوية الأزمة وعودة المفاوضات مع أمريكا    وكيل صحة شمال سيناء يتفقد جاهزية الحجر الصحي بمعبر رفح ومستشفى الشيخ زويد    انضباط في المعادي.. حملات لرفع الإشغالات ومصادرة التكاتك ومراقبة المخابز    أحمد الشناوي: مواجهة نهضة بركان صعبة والأخطاء ممنوعة    الأمن السوري يعتقل أبناء شقيق رستم الغزالي ضمن عملية أمنية واسعة    هل يتغير نصاب زكاة الذهب بعد ارتفاع أسعاره؟.. أمين الفتوى يوضح    نجوم منتخب مصر يزينون التشكيل المثالي لبطولة أفريقيا لليد    طبيب تغذية يُحذر من الإفراط في تناول مكملات الحديد: يؤدي إلى جلطات    اتحاد الكرة يلغى توقف شرب المياه في الدوري المصري    الأهلي يتأهل لنهائي السوبر المحلي ليد السيدات بعد الفوز على سبورتنج    إسلام عوض: رسائل الرئيس السيسي كشفت مخططات تفتيت المنطقة    "الجبهة الوطنية" يهنئ السيد البدوي بفوزه برئاسة حزب الوفد    باحث بالشؤون الإيرانية: طهران ترى أن كلفة الحرب أقل من الاتفاق مع واشنطن    رئيس حزب الشعب الأوروبي يطالب بإجراء محادثات حول إنشاء مظلة نووية أوروبية    الجوائز الأدبية.. منصات لاكتشاف «الأصوات الجديدة» وتجديد دماء الرواية العربية بكتارا    80 % زيادة متوقعة فى الحركة الوافدة من إسبانيا إلى مصر فى 2026.. وتعاقدات مبشرة من أسواق أمريكا اللاتينية    موعد منتصف شعبان وفضله.. وأفضل الأعمال    العضو المنتدب ل«ميدار»: حققنا خلال أقل من 3 سنوات ما كان مخططًا إنجازه فى 7 سنوات    كاهن كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس يستقبل الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط    أشرف سنجر ل اليوم: تحركات دبلوماسية مصرية مكثفة لاستقرار الشرق الأوسط    النواب يعود للانعقاد الثلاثاء والأربعاء، وتعديل قانون نقابة المهن الرياضية بجدول الأعمال    عروض ومحاكاة تكريمًا للدكتور أحمد عمر هاشم وإسهامات العلماء بجناح الأزهر بمعرض الكتاب    الإسكندرية تجهز وسائل النقل البديلة استعدادًا لتطوير ترام الرمل    الصحة: إنهاء قوائم الانتظار بإجراء 3.77 مليون عملية جراحية ضمن المبادرة الرئاسية    المطارات المصرية تشهد نشاطا مكثفا خلال ذروة الموسم السياحى الشتوى    رئيس الوزراء يتفقد أعمال تطوير ميدان الفريق «صفي الدين أبو شناف» بالمنيا    أعمال نجيب محفوظ قوة مصر الناعمة تعبر اللغات والحدود بعيون دبلوم دراسية كندية    محافظ سوهاج يتفقد مشروع المجمع السكني بأرض المشتل بحي غرب    القاهرة على رأس مجلس السلم والأمن الأفريقي.. دور محوري وسط أزمات القارة    غدًا.. صرف 500 جنيه إضافية من «بيت الزكاة والصدقات» لمستحقى الإعانة الشهرية    مصرع طالب في انهيار منزل بقنا    مولدوفا: توقف طارئ للكهرباء إثر مشكلات في الشبكة الأوكرانية    جامعة المنصورة تحصد ميداليات في دوري الجامعات والمعاهد    استمرار فك وإزالة كوبري السيدة عائشة لليوم الثاني    حلفاء أمريكا يعيدون ضبط علاقاتهم مع الصين.. وترامب كلمة السر    نقيب المحامين: ملتزمون بتوفير الضمانات اللازمة لإجراء انتخابات نزيهة    رئيس الوزراء يتفقد التشغيل التجريبي لمصنع شركة القناة للسكر بالمنيا    12 شهيدًا و49 مصابًا جراء هجمات الاحتلال على قطاع غزة منذ فجر اليوم    افتتاح النسخة التاسعة من مسابقة بورسعيد الدولية لحفظ القرآن الكريم    أكثر من 1,6 مليون خدمة طبية وعلاجية قدّمها مستشفى الرمد التخصصي ببورسعيد    ليفربول يستضيف نيوكاسل بحثًا عن أول انتصاراته في 2026 بالبريميرليج    مواقيت الصلاه اليوم السبت 31يناير 2026 بتوقيت المنيا    جامعة بنها تحصد 25 ميدالية في بطولة ألعاب القوى للجامعات    أستاذ وباحثون بقصر العيني يشاركون بإصدار مرجعي عالمي في وسائل التهوية غير الجراحية    وفاة طفل سقطت عليه عارضه خشبية داخل نادي شهير بطنطا    نادر هلال يقدم رؤية إنسانية جديدة في معرض «كاريزما»    أطباء مؤسسة مجدي يعقوب يكشفون أسرار التميز: ابتكارات جراحية عالمية تنطلق من أسوان    مصرع شاب وإصابة 3 آخرين في تصادم دراجتين ناريتين أثناء سباق بالقليوبية    أمسية شعرية تحتفي بالإبداع والتنوع بمعرض القاهرة الدولي للكتاب    حملة مرورية لضبط الدراجات النارية المسببة للضوضاء في الإسكندرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



إنهم يغتالون رابعة العدوية
نشر في شباب مصر يوم 13 - 07 - 2015


د. أحمد عبد الهادى
من كتاب (أسرار الصوفية ومملكة الدراويش فى مصر)
تأليف : د.أحمد عبد الهادى رئيس حزب شباب مصر
--------------------------------------------------
أغلقت التلفزيون محتجا على هذا السخف وهذا التشويه .. والعبث بالتاريخ بهذه الطريقة المقرفة التى كنت أتابعها من خلال هذا الفيلم التافه الذى يصور حياة رابعة العدوية كما لو كانت ما جنه وراقصة تمارس الدعارة والإبتذال .
هل يمكن أن نصل بتشويه الرموز الدينية إلى هذا الحد والمستوى .. وهذا الإبتذال حتى أنهم سخروا إمكانيات فنانة مثل نبيلة عبيد لتصوير حياة صوفية وعابدة أسست أول مدرسة فى العشق الإلهى بطريقة سخيفة توحى للمشاهد أنها كانت غارقة فى اللذات والشهوات قبل أن تتوب ؟
-------------------------
القانون يعاقب أى شخص يقوم بتقبيل زوجته على مرأى ومسمع من المارة فى الشارع بتهمة إرتكاب فعل فاضح فى الطريق العام فما بالك لو كان هذا الفعل الفاضح تم إرتكابه فى حق شخصية مثل رابعة العدوية ؟
إنهم لم يرتكبوا فعلا فاضحا بل نشروا هذا الفعل على الملأ فى شتى أنحاء العالم من خلال هذا الفيلم الذى كان له تأثيره بشكل ساعد على إنتشار هذه الأباطيل فى ذهن المشاهد العربى والإسلامى ..
واصبحت رابعة العدوية عابدة تائبة عن سقوط أخلاقى وملذات وغرائز غرقت فى بحورها ..
لقد إعتمد مؤلف الفيلم على قصص واهية تحكى حياة رابعة العدوية وتسرد تاريخها بناء على إستنتاجات واهية لا صلة لها بالحقيقة بالمرة لكتاب معروفين بكتاباتهم عن الوجودية ..
وقد إشتهر مخرج الفيلم باخراج أفلام الجنس والعرى والإثارة وإشتهر بعلاقاته الجنسية المتعددة .. ومات فى النهاية مقتولا . ولم يعرف سبب قتله حتى الآن ..
ويعتبر الدكتور عبدالرحمن بدوى واحدا من الذين ظلموا وشوهوا حياة رابعة بشكل مرز ومخجل تماما من خلاله كتابه شهيدة العشق الإلهى والذى قذفها بالفجور والخطايا.. لمجرد كلمات بسيطة ذكرها فريد العطار فى كتابه ( تذكرة الاولياء ) والذى قال العطار أن رابعة تابت عن عزف الناى فى حلقات الإنشاد الدينى وقبعت فى بيتها الذى حولته إلى خلوة تتعبد فيه .
وكأن عبدالرحمن بدوى كان ينتظر مثل هذه الكلمات وشيد عليها الكثير من الإستنتاجات .. حيث لم ير أن عزف الناى كافيا لكى تتوب منه رابعة وإنما إفترض إنها كانت حتما تمارس الخطيئة والفجور لكى تتوب عنه .. وإفترض بدوى إنها إنساقت خلف غرائزها .. وقطعت شوطا طويلا فى طريق الإثم وغرقت فى بحر الشهوات .
ويقول بدوى أن رابعة أوغلت إذن فى طريق الشهوات الجامعة ما وسعها الإيغال دون أن يقدم لنا أى دليل واحد على كلامه سوى إفتراضه بأن توبتها لم تكن من عزف الناى بلا شك وإنما يحتمل أن تكون التوبة مما هو أكبر من العزف ويؤكد ذلك بأن الإيمان الكبير ينطلق من إنحرافات كبرى .. مدللا على ذلك بأن عنف إيمان القديس بولس الذى كان نتيجة لعنف إنكاره للمسيحية وعنف إيمان القديس أغسطين الذى كان رد فعل طبيعى لعنف الحياة الشهوانية التى حياها قبل التحول للإيمان. وبناء على هذه الأوهام التى لا توجد الا فى عقل أمثال عبدالرحمن بدوى يقول أنه ما كان لرابعة أن تتطرف فى إيمانها وحبها لله إلا إذا كانت قد تطرفت فى حبها للدنيا .. ومن وجهة نظره فإنه من الشهوة العنيفة تنبثق الشرارة المقدسة للطهارة .
وتعتبر الكاتبة مايسة عبدالحافظ واحدة ممن تصدوا للإفتراءات التى ألصقت برابعة العدوية من خلال سلسلة حلقات كتبتها فى صحيفة الأهرام بعنوان (رابعة العدوية المفترى عليها ) والتى أكدت أنه قد حدث خلط بين رابعة العدوية .. وشخصية مطابقة لنفس إسمها ( رابعة بنت إسماعيل الشامية ) .. والتى ولدت بالشام ونسب إليها المؤرخون بعض أقوال رابعة العدوية.
وقد ولدت رابعة بنت إسماعيل هذه فى النصف الأخير من القرن الثانى الهجرى بينما ولدت العدوية فى آخر القرن الهجرى . وتؤكد مايسه عبدالحافظ أنه من مظاهر الخلط بين الشخصيتين أن الفيلم المصرى اشاع أن رابعة العدوية إلتقت بذى النون المصرى وأنه كان سبب هدايتها المزعومة بينما الواقع يؤكد أن التى إلتقت به هى رابعة بنت إسماعيل والتى أدارت معه حوارا صوفيا رفيعا وليس من أجل هدايتها . وذى النون توفى سنة 245ه وعمره ستون عام وهو بذلك يكون معاصرا لرابعة الشامية وليس لرابعة العدوية والتى توفيت قبل ميلاد ذى النون المصرى بخمس سنوات .
أما رابعة العدوية فقد عاشت خلال الفترة (717م-801م)
أبيها إسماعيل العدوى كان يقوم بدور المحفظ لأطفال البصرة . وكان قد أنجب ثلاثة بنات قبل رابعة وكان يتمنى أن يرزقة الله بولد .. وعندما جاءت بنت شعر بالحزن .. ولم يسمها أى إسم فأطلق عليها رابعة ... أى رابعة إخواتها ... ولم يكن بالمنزل أى شئ مما تحتاجة المرأة ساعة الولادة ... حتى السمن الذى يدهن به مكان الخلاص أوالخرقة التى يلف فيها المولود .. وفى ليلة مولدها رأى أبيها فى منامة الرسول يأمره بالتوجه إلى أمير البصرة ويقول له أنه كان يصلى مائة ركعة كل ليلة وفى ليلة الجمعة يصلى أربعمائة ركعة ولكنه نسيها فى الجمعة الأخيرة ويطالبة بدفع أربعمائة دينار له كفارة عن هذا النسيان . وبالفعل توجه إسماعيل لأمير البصرة الذى شعر بالدهشة لأن هذا الأمر لايعرفه سوى الأمير فقط . وأمر له بما طلب من نقود .
كان العدوى عابدا وقانتا لله ... قام بتحفيظ رابعة القرآن كله قبل بلوغها ... ومات أبيها ثم أمها وتركاها وحدها ... وفى أعوام المجاعة والقحط إختطفها اللصوص وباعوها كجارية لثرى قاسى القلب والذى كانت تخدمة رغم قسوتة ... ثم تقوم الليل عابدة لله رغم الإرهاب الذى تعانية ... ورآها سيدها ذات ليلة وهى تصلى لله عابدة قانتة .. مما جعله يخيرها بين المكوث عنده معززه أويطلق سراحها فاختارت الحرية .
وإنتظمت رابعة فى العزف على الناى فى حلقات الذكر كوسيلة للإنفاق على نفسها وفى نفس الوقت تلبى حاجة روحها العابدة مع المنشديين . ورحبت بها حلقات الإنشاد نظرا لسيرتها العطرة فى الماضى . وبعد إنتهاء حلقات الذكر كانت تأوى لمسكنها البسيط فى نهاية الليل فتقوم الليل حتى الفجر وتقرأ القرآن مابين صلاة الصبح وطلوع الشمس حتى تأخذ إغفاءة قصيرة حتى الضحى وأقبلت على مجالس العلم والفقهاء والمحدثين .
وعزفت عن الزواج رغم حسنها وجمالها حتى أن أمير البصرة محمد بن سليمان الهاشمى جمع وجهاء البصرة ليشيروا عليه بخطبة أفضل فتايات البصرة فأجمعوا على أن رابعة هى خير فتايات البصرة لكنها صدتة بأدب جم أذهل الجميع ... وكانت تعيش أيام حسن البصرى الذى سألها عن سبب عزوفها عن الزواج فقالت :
الزواج ضرورى لمن له الخيار . أما أنا فلاخيار لى فى نفسى . إنى نذرت نفسى لعبادة ربى .
وقد إتسمت رابعة بالقدرة على حفظ الأحاديث والفقة وعلم التفسير حتى أصبحت فى فترة وجيزة تنافس العلماء والفقهاء . حتى تحولت من تلميذة لحسن البصرى إلى أستاذة له ولكل علماء البصرة والمسلمين يتتلمذ على يديها الجميع . ولزمت عقر دارها بعدها للتفرغ للعبادة وتطوعت فتاة من البصرة إسمها عبدة بنت أبى شوال لخدمتها .
وتحول بيتها إلى مدرسة يتعلم فيها العلماء والأئمة الصالحون الذين يجلسون إليها ليتلقوا عنها المعرفة والحكمة .. وكان مجلسها يلتقى فيه كل علماء المسلمين وفقائهم .. ويتخذون من بيتها مسجدا يؤدون فيه الصلاة ليلا ... وكان بيتها مجرد جدران من الطوب اللبن .. . مفروش به حصيرة عتيقة .. ولايوجد به مخدة إنما مخدتها طوب أيضا ... وظل هذا الأثاث طوال حياتها ورفضت تغييره من خلال عروض تقدم بها أثرياء البصرة . وقد تركت لنا رابعة مواقف وأشعارا شهيرة جدا من بينها قولها :
أحبك حبين حب الهوى وحبا لأنك أهل لذاكا
فأما الذى هو حب الهوى فشغلى بذكرك عمن سواكا
وأما الذى أنت أهل له فكشفك للحجب حتى أراكا
فلا الحمد فى ذا ولاذاك لى ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا
وقد زارها بعض الصالحين وكان من عادتها إجراء حوار مع زوارها وسألت أحدهم :
لماذا تعبد الله ؟
لأنى أخاف النار
فإلتفتت إلى الأخر وسألته نفس السؤال فأجابها :
طمعا فى جنتة .
فقالت :
ما أسوأ العبد الذى يعبد الله رجاء الجنة أوخوف النار . إذ لم يكن ثمة جنة أونار أفلا تعبدون الله ؟
فسألها الحضور :
وأنت لماذا تعبدين الله ؟
أجابتهم :
أعبده لذاته ... أفلا يكفينى نعمة منه أنه يأمرنه بعبادتة ؟
وقال لها ثرى ذات يوم :
سلينى حاجتك
أجابته :
إذا كنت أستحى أن أسأل الدنيا ممن يملكها فكيف أسألها ممن لايملكها ؟
كانت رابعة إذا صلت العشاء قامت على سطح لها وشدت عليها درعها وخمارها ثم قالت :
إلهى نارت النجوم . ونامت العيون . وغلقت الملوك أبوابها وخلا كل حبيب بحبيبة وهذا مقامى بين يديك
ثم تقبل على صلاتها فإذا كان وقت السحر وطلع الفجر قالت :
إلهى هذا الليل قد أدبر . وهذا النهار قد أسفر فليت شعرى أقبلت منى ليلتى فأهنأ أم رددتها على فأعزى . فوعزتك هذا دأبى ما أحييتنى وأعنتنى . وعزتك لو طردتنى عن بابك مابرحت عنه لما وقع فى قلبى من محبتك
وكانت دائما إذا هبت من نومها تقول وهى فزعة :
يانفس كم تنامين ؟ وإلى كم تقومين ؟ يوشك أن تنامى نومة لاتقومين منها إلا لصرخة يوم النشور .
وبهذه الطريقة والمواقف والعلوم والفقه والتصوف وصلت سيرة رابعة إلى كل ربوع العالم الإسلامى حتى أصبح بيتها مقصدا لكل علماء المسلمين ولاتضن على أحد بعلم . وقد إحتجبت رابعة على الناس فلما عوتبت فى ذلك قالت لهم :
راحتى يا أخوتى فى خولتى
وحبيبى دائما فى حضرتى
لم أجد لى عن هواه عوضا
وهوان فى البرايا محنتى
وسألوها ذات يوم عن المحبة الإلهية فأنشدت :
وارحمتا للعاشقين
قلوبهم فى بثه ميدان المحبه هائمة
قامت قيامة عشقهم
فنفوسهم أبدا على قدم التذلل قائمة
إما إلى جنات وصل دائم
أونار صد للقلوب ملازمة
وكانت إذا رأت مريضا يشكون من أوجاعه تقول له :
لماذا لم تظهر إغتباطك بالصحة وأنت سليم معافى كما تظهر الآن ضيقك بالمرض وأنت سقيم عليل ؟
وقد وصل عبر كتب الطبقات والسير الكثير من الخوارق والكرامات التى تحققت لرابعة .. وهى فى مجملها دخيله على تاريخها .. وإذا كنا نؤكد ذلك فإنه لايعنى نفى قيمة رابعة فى عالم التصوف وتأسيسها أعظم مدرسة فى العشق الإلهى وإنما هى محاولة لنفى كل ما ألصقة بها مريدوها ومحبوها من خوارق تنفى قدرتها وإسهاماتها فى عالم التصوف .. ودورها فى هذا الإتجاه دون أن يدرى هؤلاء المحبون والمريدون .. فلايمكن مثلا أن نصدق حكاية تسوقها لنا كتب الطبقات تقول أن الحسن البصرى ذهب مع طائفتة لرابعة ذات ليلة وحينما هموا باشعال فتيل السراج لم يشتعل لأنه خاوى من الزيت فأدخلت رابعة أطراف أصابعها فى فمها وأخرجتها فانبعث منها نور كنور المصباح حتى مطلع الفجر .
وليس المطلوب منا أن نصدق وبسهولة حكاية أخرى تقول أن رابعة وهى فى طريقها للحج مات حمارها فى الصحراء فعرض عليها المسافرون حمل متاعها فرفضت ودعت الله فدبت الحياة فى حمارها فوضعت عليه متاعها ولحقت بالقافلة .
فبمثل هذه الحكايات ينسف المريدون والصوفية الكثير من قدرات رابعة الدينية وأستاذيتها فى عالم التصوف ويركزون على حكاية الخوارق هذه بما يخرج حياتها وسيرتها عن المضمون ويشوهها ويركز الإسلام كما لو كان هو دين الخوارق والكرامات ويؤدى لدس الكثير من الخزعبلات التى تنفى عنه عظمتة وكونه دين العقل والمنطق والعلم . وهذا لايعنى للمرة الثانية وحتى لايأخذها علينا البعض فرصة للصراخ بحجة أننا ضد كرامات أولياء الله الصالحين . ويزعمون فى هذه الحالة أننا ننكر تأكيد القرآن لهذه الكرامات . وإنما نحن ضد المتاجرة بمثل هذه الأشياء التى منحها الله لبعض الأولياء من أجل هدفا ما باعتبار أنه الإستثناء . وليس قدرة تمنح لكل من هب ودب .أويتم تسخيرها من أجل الترويج لدرويش بعينه .
والعقل نفسه لايمكن أن يصدق كل مايتوارد لنا عبر الكتب والدراسات وسير الأوليين ولابد من إعمال المنطق والعقل فيها حتى لاتدفعنا إلى منطقة خطيرة . فأى فائدة تعود على رابعة مثلا لو حكينا حكاية وردت لنا من كتب السير والتى يزعم فيها راويها أن رابعة كانت ذات يوم تفكر على شاطئ الفرات وإذا بالحسن البصرى يقبل ويلقى بسجادة على وجه الماء قائلا :
يارابعة تعالى نصلى ركعتين على الماء .
فبسطت سجادتها فى الهواء وصاحت :
ياحسن تعالى نحن هنا فى مكان آمن . وأبعد عن عيون الناس
منتهى الإستخفاف بالعقل وإساءة مابعدها إساءة لأعظم شخصيتين إسلاميتين فما فائدة المبارزة التى وردت لنا بين رابعة والبصرى فى الصلاة على الماء أوالهواء ؟
وماهى القيمة الكبرى التى يستفيدها الإثناء من هذه المبارزة ؟
وهل العملية تنافس على الماء أوالهواء ؟
ثم كيف يذهب البصرى مع رابعة بعيدا عن عيون الناس بمفردهما ؟
ثم ماهى حكاية الطيران أعلى الماء أوفى الهواء ؟
وأى عقل أومنطق يصدق هذه الخزعبلات ؟
إن كل الشواهد والأدلة تؤكد أن رابعة العدوية لم تحاول الإقتراب من تلك المنطقة المحظورة .. وهى منطقة الكرامات والخوارق والدليل على ذلك أنها كانت تحتاج لبعض البصل فجاء طائر لها من النافذة ومعه بين منقاريه بصلة فاستعاذت بالله مما حدث حتى لاتسول لها نفسها أن الله سخر لها الطير ؟
إذن الكرامة لايسخرها الله لعباده المختارين إلا لهدف عظيم . ولايتم تسخير هذه الكرامات من أجل تأكيد مكانة الشخص عبر المريديين والذين يصفون لنا عبر كتبهم الأولى أنها وحسن البصرى يتبارزان فيمن يصلى على الماء أوالهواء ؟ ... بل ويصورهما المريديين وهما فى لقاءات عديدة بمفردهما وفى مواقف خارقة أخرى حيث يتقول عليها بعض كتاب السير أنها خرجت تتأمل الكون فى الصحراء ( مع العلم بأنها لم تغادر منزلها إلا لحاجة شديدة فقط ) فاجتمعت حولها الحيوانات دون أن تعتدى على بعضها وحينما قدم حسن البصرى الصحراء فرت الحيوانات فحزن ... فسألته رابعة عما أكله اليوم قبل قدومة ؟ فقال :
بذور بصل مطبوخة بالشحم
قالت :
كيف لاتفر منك هذه الحيوانات وقد أكلت شحمها ؟
وبهذه الطريقة يغلف المريدون حياة رابعة بالخوارق مثلما غلفوا حياة الكثير من الصوفيين بها ... وقدموا المبررات للعامة فى إقران حياة الصوفية العظام بالكثير من الخوارق التى يروجها بعض المنتفعين لبعض مدعى الصوفية فتزاداد المنح والعطايا بين أيديهم كلما تزايدت حكاياتهم عن خوارق أى من الشخصيات الدينية .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.