قبل أن تقرأ: سوف تكتشف أننا نتصرف مع المبادئ بطريقة مزاجية فنأخذ مانريد وندع ما لا نريد وكأنها قابلة للتقسيم والتجزئة. بعض «الويكيليكسيين» وأعني بهم عددا من الساسة والأكاديميين الذين وردت أسماؤهم مؤخرا في وثائق ويكيليكس علي أنهم كانوا يتعاونون مع السفارة الأمريكية ويلبون دعوات «إفطار» أو «عشاء» أو يعقدون لقاءات «سياسية» أو غير ذلك مع أركانها الذين كانوا يفضلونها - وبإصرار - «سرية»، بعض هؤلاء أمسكوا بخناق ناقل الكفر وهي «الوفد» (جريدة ورقية وموقعا إليكترونيا)، وتركوا الأصل ولب الموضوع وهو ويليام أسانج صاحب موقع ويكيليكس الذي فضحت وثائقه كثيرا من المستور.. المفاجأة أن عددا ممن تناولتهم الوثيقة فضلوا الإمساك بخناقهم ومقاضاتهم مع أن ناقل الكفر - عن«أسانج» - ليس بكافر!! ووصفت هذا الأمر في مقال سابق بأنه «شيزوفرينيا مصرية».. فهؤلاء الأطراف أثبتوا جميعا أن «طلاب سلطة» وليس صحيحا أن لديهم إنكارا للذات، وليس صحيحا أيضا أنهم لا يريدون أن نستبدلهم بأقطاب ورموز الحزب الوطني المنحل.. مع الفارق ربما في درجات الفساد بين الاثنين، لأن فساد الوطني كان في العشاء والصباح والظهيرة وإلي أن يأتي المساء. كان فسادا في كل الأوقات وفي كل الظروف والمناسبات والمناقصات والمزايدات.!! - لماذا غضبتم إذا كان التعامل مع الأمريكيين أمرا عاديا كما قلتم؟واذا كان الأمر قاصرا علي حفلات عشاء فقط لماذا إذن كل هذه الضجة وكل هذه الهجمة علي الناشر وعلي الوكالة وعلي الصحف التي كشفت هذا السر؟؟ لماذا تغضبون الآن من النشر.. ألم تذهبوا لأنكم تعتبرون الأمر عاديا؟ لماذا تتذكرون الآن أن هناك حساسية شديدة من المصريين لمسألة التعامل والتعاون مع الأمريكان (عبدالناصر قالها زمان..!) باختصار.. إذا كان الموضوع حساسا فلماذا تضعون أنفسكم موضع الشبهات؟؟.. الغريب أن هؤلاء الساسة تركوا جماعات وحركات سياسية تواجه بمفردها هجمة الدولة الشرسة ضدها واتهامها بالعمالة وتلقي التمويلات الأجنبية من الدول الأخري وتبين فيما بعد أن هذه الحركات بريئة تماما من التهمة.. فيما دخلت هذه الأطراف الجديدة حظيرة الاتهامات.. في تطبيق مدهش للفلكلور المصري الشهير: لا تعايرني ولا أعايرك.. وفي قول آخر «كلنا في الهم شرق» أو كما قيل: يمهل ولايهمل. كثير من هؤلاء يتحدثون وبأعلي صوت في حناجرهم عن حاجتنا إلي الشفافية.. وإلي «الجلاسنوست».. ويبدو أن تلك حماسة الحديث أمام الكاميرات وبفعل سحر العدسات وتحت بريق الصورة الصحفية.. التي يري الكثيرون بلا استثناء أن بريقها الخاص قد يدفع الكاتب إلي توهم مواقف لم يأت بها أو ينوه عن بطولات لا يتوفع منه القيام بها.. مع أنها لا تعدو كونها مجرد خيال وحلم يقظة داعب عينيه.. لماذا لم يعلنوا إلي الشعب أنهم يرون أن من الخير ممارسة السياسة علنا مع الأمريكان ومع غيرهم.. لماذا يتنصلون من الفكرة (أو التهمة) وفي نفس الوقت يمارسون اللعبة آملين ألا يصيبهم رذاذها الرديء الكريه المفقد للمصداقية.. وبعد أن تكشف الأسرار ينتحبون ويولولون.. رجالا ونساء، والأسوأ من هذا أن يتركوا قضية القضايا وهي إجراء «لقاءات التعاون».. التي تمت ولم يجرؤ أحد علي نفيها.. وراحوا يتفرغون للنيل ممن كتبوا الخبر ونشروه؟؟ هل يريدون صحافة أم «شرابة خرج» أم يفضلونها علي طريقة: اكتب ما يملي عليك؟!. كلهم لديهم منابر صحفية يكتبون فيها وكلهم يعرف أن أمريكا تتدخل بالشأن المصري بشكل سافر وأن الأمريكي هو استعمار عالمي وأن القرنين السابق والحالي هما قرنان أمريكيان (بتعبير الأستاذ هيكل).. وبالتالي أسأل: ألم يجد أحد من هؤلاء.. خاصة ممن يكتبون في صحف سيارة مدعاة للحديث عن أي دعوة تلقاها من السفارة الأمريكية وأي حديث دار بينهم وبين السفيرة أو غيرها باعتباره مادة خبرية أو سياسية مهمة للبلاد والعباد، تكون كاشفة لتوجه.. موضحة لغموض.. مستجلية لحقيقة.. محذرة من مخاطر؟!لماذا كانوا يكفون علي الخبر ماجور أو أكثر في حين أنهم كانوا «يشرشحون للإخوان المسلمين» حينما تكتشف «روزاليوسف» - زمن عادل حمودة وأيضا في ظل رئيس تحريرها الحالي أسامة سلامة - عن لقاءات ومباحثات سرية عديدة جرت بين أمريكا والإخوان.. لماذا وكل سياسي أو أكاديمي من هؤلاء يعرف عنه العداء الشديد للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط - وفي غيره -كما أن أغلبهم يمتلك منبرا إعلاميا يطل علينا منه.. فهم إما يكتبون بانتظام في صحف جماهيرية.. أو يتعاقدون مع فضائيات سخية في الدفع ومتعطشة لكشف الأسرار وبالتالي يحتاجان - هو وهي - دوما لقضية مهمة يطرحانها.. وهل بعد الاتصالات الأمريكية بالساسة والأكاديميين والناشطين المصريين قضية تثير الشهية و«المتابعة المليونية» للإعلاميين من هذه القضية (أو الفضيحة - لا فرق) فيفردون لها الصفحات في الصحف ويخصصون لها الحلقات الخاصة في الإعلام؟؟ بعد أن قرأت: تأملوا معي فيما يلي هذا الكلام الخطير الذي لم نسمع من صاحبه في السابق وسمعناه منه بمناسبة اتهام صاحبه بأنه لبي مرة دعوة السفيرة.. يقول: «طلبت من القذافي أن يوقف تمويل شخصيات تدعي الكفاح الناصري لأن هذه الأموال تخرب الأحزاب».. ويقول أيضا عن التمويل الأجنبي: «عمل مرفوض وعار لأن عمليات التمويل قد تستخدم لضرب الشعوب».. والسؤال الآن: ألم يكن شعبنا يستحق من الدكتور حسام عيسي - صاحب الكلمات التي بين علامات التنصيص وأنا أجله وأنزهه عن مثل هذه الخطيئة - أن يطلعه علي حقيقة مرة كهذه.. وهي أن هناك متنطعين علي مائدة الناصريين ويقبضون باسم الكفاح الناصري بينما الحزب نفسه لا يملك المال لدفع رواتب صحفييه وعماله وموظفيه؟ ولماذا انتظر كل هذا الوقت ليكشف لنا في ثنايا دفاعه عن نفسه عن متاجرين بناصر والناصريين.. والسؤال الأعمق والأكثر مرارة الآن هو: من الذين كان يقصدهم حسام عيسي من المتمولين الناصريين حتي نفتح هذا الملف الذي فتحه هو علي استحياء وبعد حين ثم أغلقه.