فى أسبوعٍ شهد تداولًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعى، تصدّرت واقعة الاعتداء على إمام مسجد بإحدى قرى محافظة الدقهلية المشهد العام، بعدما أظهر مقطع مصوَّر لحظة الاعتداء عليه أثناء استعداده لإمامة المصلين فى صلاة الفجر. الواقعة التى حدثت فى «قرية النظّارة» أثارت موجة غضب واستنكار، وفتحت باب التساؤل: هل يمكن أن تتحول الإمامة فى بعض المساجد إلى ساحة لتصفية الخلافات الشخصية؟ تفاصيل الواقعة بحسب ما تم تداوله، فإن الإمام فوجئ بتدخل ثلاثة من أبناء عمومته، لتنشب مشادة كلامية بينهم داخل المسجد، سرعان ما تطورت إلى اعتداء جسدى، على خلفية خلافات عائلية سابقة لا علاقة لها بالشعائر الدينية أو بطريقة أداء الصلاة. وأكدت مصادر أمنية أن التحقيقات الأولية أوضحت أن الواقعة تعود إلى نزاع شخصى، وقد باشرت النيابة العامة التحقيق عقب ضبط المتهمين، فى إطار الإجراءات القانونية المتبعة. وفى سياق متصل، لا تتوقف الإشكالية عند حدود الخلافات العائلية أو الاعتداءات الفردية، إذ تشهد بعض المساجد فى مناطق متفرقة محاولات من قِبل أفراد لفرض إمامة أشخاص بعينهم، على خلاف ما تقرره وزارة الأوقاف المصرية باعتبارها الجهة المختصة قانونًا بتنظيم شئون المساجد وتعيين الأئمة. وتتخذ هذه المحاولات صورًا متعددة؛ منها ممارسة ضغوط اجتماعية على الإمام المعتمد لحمله على التغيب، أو الصمت إزاء تصدّر شخص آخر للإمامة دون تكليف رسمى، أو التغاضى عن تكرار الأمر باعتباره «أمرًا واقعًا». الخطورة فى هذا المسار لا تتعلق فقط بمخالفة اللوائح، بل بفتح الباب أمام عودة أنماط من الخطاب غير المنضبط، أو تمكين أصحاب أفكار متشددة من التسلل مجددًا إلى المنابر، تحت ستار الشعبية أو الدعم المحلى. وهو ما يتعارض مع جهود الدولة خلال السنوات الماضية لضبط الخطاب الدينى، وتحصين المساجد من الاستقطاب الفكرى أو التوظيف الأيديولوجى. الإجراءات الرسمية وعقب انتشار الفيديو، أعلنت وزارة الأوقاف المصرية فتح تحقيق للوقوف على ملابسات الحادث، والتأكد من سلامة الإجراءات المتبعة فى إدارة المسجد، مع التشديد على ضرورة الحفاظ على هيبة المنبر وحرمة بيوت الله. كما تحركت الأجهزة الأمنية بسرعة ضبط المتهمين، وبدأت النيابة العامة التحقيقات، فى رسالة واضحة بأن الدولة تتعامل بحزم مع أى تجاوز داخل دور العبادة، أياً كانت دوافعه. هل تتحول الإمامة إلى ساحة صراع؟ الرسالة الدينية والاجتماعية يمثل الإمام فى الوجدان المصرى رمزًا دينيًا وروحيًا، يتقدّم الناس فى صلاتهم، ويُذكّرهم بقيم الأخلاق والسكينة، ويضطلع بدور تربوى واجتماعى داخل مجتمعه المحلى. ومن ثمّ، فإن الاعتداء عليه داخل المسجد لا يُنظر إليه كخلاف فردى فحسب، بل كمساسٍ بحرمة المكان وقدسيته. تمكين إمام المسجد إن نصرة الإمام فى مصر لا تعنى الانحياز لشخصٍ ضد آخر بقدر ما تعنى الانتصار لقيمة احترام بيوت الله وصون هيبة الشعائر. والرسالة الأهم التى خرجت من هذه الواقعة أن المجتمع المصرى، رغم ما قد يشهده من خلافات، يظل متمسكًا بقدسية المسجد ورافضًا لتحويله إلى ساحة صراع. ويبقى الرهان الحقيقى على ترسيخ ثقافة الاحتكام للقانون، وحل النزاعات بعيدًا عن المنابر، حتى تظل المساجد كما أرادها الله: بيوتًا للسكينة، لا ساحاتٍ للخصومة. 1