يمثل معرض القاهرة الدولى للكتاب فى كل عام ظاهرة فريدة على المستوى العالمى، فهو المعرض الأول فى العالم على مستوى الإقبال الجماهيرى، وعدد زيارات الأفراد إليه، والأنشطة الثقافية والتجارية التى تقام على هامشه، ولا شك أن سر هذا التفرد هو الشعب المصرى الذى لا يفقد أبناؤه أبدًا حيويتهم، وقدرتهم على الحركة، والالتفاف حول ما يرونه مفيدًا ونافعًا، والإقبال على ما يحبونه ويشعرون بفائدته لهم ولأبنائهم، وهذه كلها معايير تنطبق على معرض القاهرة للكتاب الذى نمت علاقة المصريين به جيلاً بعد جيل، فحولوه من مناسبة تخص النخبة المثقفة إلى عيد جماهيرى للثقافة والمعرفة فى جميع المجالات. هذا الإقبال الشعبى الفريد الذى يتنامى عامًا بعد عام منذ دورة المعرض الأولى عام 1969 هو ما يمنح المعرض تفرده فى العالم وفى المنطقة العربية، حيث تقيم بعض الدول الشقيقة معارض للكتاب لا يتجاوز عدد زوارها عدد زوار جناح واحد فى معرض الكتاب فى ساعات اليوم الأولى.. وتلجأ بعض الحكومات العربية لتعويض الناشرين عن انخفاض المبيعات بطرق مختلفة، أما فى مصر فإن الشعب هو الممول الأول لدور البيع والمعارض والصناعة بشكل عام.. وأستطيع أن أستشهد ببعض ذكرياتى الشخصية فى ثمانينيات القرن الماضى كواحد من أبناء هذا الشعب العظيم الذين ارتبطوا بمعرض القاهرة الدولى للكتاب ،وكان المعرض مدخلهم لعالم الثقافة الواسع ومن ثم لعالم الصحافة والإعلام.. وأذكر أن زيارة معرض الكتاب القديم فى مدينة نصر كان أول خروج لى من حى شبرا الذى ولدت فيه، وكنت وقتها على أعتاب الفتوة أو المراهقة.. فى عام 1986 تقريبًا، وأذكر أن ميزانيتى للمعرض لم تتعد وقتها جنيهات قليلة كانت هى مصروفى الأسبوعى، حيث رفض والدى أن يمنحى ميزانية خاصة للمعرض تنفيذًا لقناعة جيله من الآباء الذين يرون أن القراءات الخارجية تشغل الطالب عن الدراسة وأن وقتها هو إجازة الصيف، ذهبت إلى المعرض لأول مرة لأشعر نفس شعور (أليس)فى بلاد العجائب، وتتدفق دفعات الأدرينالين والدوبامين فى عقلى كلما دخلت سرايا من سرايات العرض المختلفة وطالعت كنوز الكتب والمعرفة، وأذكر أن أجنحة المؤسسات الصحفية القومية فى ذلك التوقيت كانت لها ريادة كبيرة فى نشر الكتب، حيث لم تكن حركة النشر الخاصة قد توسعت بعد، وكان معها بكل تأكيد الهيئة العامة للكتاب أكبر وأعرق ناشر حكومية، بالجنيهات القليلة هذه اقتنيت رواية للروائى الكبير جورجى زيدان من جناح دار الهلال وكذلك سيرة مختصرة للظاهر بيبرس، ورواية مترجمة للروائى جاك لندن، وكتابًا للروائى يوسف السباعى من جناح الأهرام.. إلخ، وقد كنت حتى وقت قريب أحفظ أسماء وأشكال أغلفة الكتب التى اشتريتها وقتها وكأننى اشتريتها بالأمس.. وأظن أن حالى فى هذا حال ملايين المصريين من الشباب والكبار الذين حافظوا على زيارة المعرض واشتروا كتبًا منه بقروشهم القليلة فحولوه إلى ظاهرة عالمية على مرّ السنوات، وأثر هو فيهم أثرًا ثقافيًا كبيرًا، وفتح لهم أبوابًا واسعة على عوالم المعرفة والإبداع والسياسة والدين.. وكل المجالات.. وكان من الأنشطة العظيمة المصاحبة للمعرض ذلك البرنامج الثقافى الحافل والذى كانت تخصص قاعة مستقلة كانت تعرف باسم (سرايا الندوات)، وكانت اللقاءات الفكرية مع كبار مفكرى مصر وقتها تتسم بالشجاعة والحرية النسبية وكانت أداة عظيمة للتوعية والإعلام فى عصر ما قبل الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعى، وكان د. سمير سرحان رئيس اwلهيئة العامة للكتاب يتعمد بذكاء محسوب استضافة كبار المفكرين ممن لا يظهرون كثيرًا فى التليفزيون الرسمى، مما يجعل ظهورهم فى ندوات الهيئة أمرًا نادرًا يستحق الإقبال التليفزيونى، وبشكل شخصى أدين لمحاضرة ألقاها الكاتب العظيم أحمد بهاء الدين فى المعرض بتغيير مسار حياتى.. حيث كنت فى مرحلة المراهقة المبكرة متأثرًا بدعايات المتطرفين الكاذبة عن تعرضهم للتعذيب فى السجون وأن لديهم حلولاً لكل مشاكل الأمة! وأنهم هم أهل الإسلام! وأن الإسلام الذى يتاجرون به هو الحل.. وكانت هذه الأكاذيب تذاع ليلاً نهار فى الثمانينيات ويقتنع بها آلاف السذج والأبرياء الذين كنت واحدًا منهم.. لكن هذا المفكر العظيم فى محاضرته فنّد كل أكاذيب من كانوا يسمون أنفسهم (المتطرفين )بأسلوب راقٍ، ودعا إلى عدم تسميتهم ب(الإسلاميين) كما كان شائعًا وقتها، وإنما ب (المتطرفين ) لأنهم يتطرفون فى فهم الدين، وفنّد مواقفهم من المرأة والفن، وكشف أكاذيبهم فى جميع المجالات..فصدمتنى محاضرته، وأخذت أبحث فى كل النقاط التى طرحها، وتعلمت أن أنظر نظرة نقدية لما أسمعه وألا آخذه على أنه من المسلمات فتغير مصيرى بعدها إلى الأبد، واكتشفت كم الأكاذيب التى كان يروجها هذا التيار حتى تخصصت بعد ذلك فى دراستها وكشفها، كانت قائمة اللقاءات تمتد لتشمل ساحر القصة القصيرة يوسف إدريس الذى كانت موهبته فى الكلام لا تقل عن موهبته فى القصة القصيرة، والدكتور أسامة الباز المستشار السياسى للرئيس وقتها والمثقف الموسوعى الذى درس فى جامعة هارفارد أكبر جامعات العالم، وكان يجمع بين العمق والقدرة على تبسيط الأفكار وطرحها بشكل شعبى.. وكانت الأمسيات الشعرية فى ذلك الوقت عيدًا للشعر العربى وفيها وبها أنهى الشعراء العرب المقاطعة الرسمية لمصر حتى قبل عودة العلاقات الرسمية.. فقد كان معرض الكتاب يستضيف فى موسم واحد شعراء مثل محمود درويش، نزار قبانى، عبدالوهاب البياتى، سعدى يوسف، بلند الحيدرى، سعاد الصباح، سميح القاسم..وكلهم من عظماء الشعراء على امتداد تاريخ الشعر العربى.. وكنا نسهر خصيصًا لنحضر أمسيات شعراء العامية العظام الذين كانت تخصص لكل منهم أمسية منفردة وعلى رأسهم الخال عبدالرحمن الأبنودى والشاعر المشاغب أحمد فؤاد نجم.. والمعنى أن أمسيات معرض الكتاب الثقافية شكلت وعى أجيال كاملة من مواليد الستينيات والسبعينيات والثمانينيات فى زمن ما قبل الفضائيات والسوشيال ميديا وأتاحت لهم اللقاء برموز الثقافة والمعرفة ومدت الجسر الطبيعى بين الجمهور المصرى والمبدعين العرب الذين يستطيعون أن يبدعوا فى أى بلد فى العالم لكنهم لن يجدوا جمهورًا يسمعهم ويرحب بهم يقدر عدده بعشرات الآلاف والملايين إلا فى مصر.. أما عبقرية معرض الكتاب الحقيقية فهو أنه كان قادرًا على التطور وإعادة خلق جمهوره رغم مرور السنوات والتطورات المختلفة، فظهور القنوات الفضائية ووسائل التواصل لم يقلل من تدفق الجمهور على المعرض وحرص المثقفون على المشاركة فى البرنامج الثقافى، ونمو حركة النشر الخاصة بعد 2011 أعطى زخمًا جديدًا للمعرض فى اتجاه مختلف، ونمو وسائل التواصل الاجتماعى جعلها تلعب دورًا فى نشر أخبار المعرض والمشاركين فيه لحظة بلحظة ومن قلب الحدث، وقد تنبأ بعض المتشائمين بأن يتأثر المعرض بنقله من مقره القديم إلى المقر الحديث فى مركز المعارض الدولى فإذا بالنقل يؤدى إلى تضاعف أعداد الجمهور ومزيد من الحيوية والزيادة فى أعداد المشاركين، هذه الحيوية سرها هو الشعب المصرى العظيم، حفيد المتحضرين العظام، وإرث الشغف بالمعرفة، الراغب فى المشاركة، المحب للحياة إذا ما استطاع إليها سبيلاً..فإلى هذا الشعب كل التحية، فهو نجم معرض الكتاب وكل معرض كتاب، وكل عام ونحن بخير. 0