«اللى مش عارف المؤسسة بتاعته فيها إيه... يغادر»، لم تكن تلك جملة عابرة، بل رسالة حاسمة، وما أكثر رسائل الحسم التى أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسى منذ توليه الحكم، خارجيًا كانت بمثابة خطوط حمراء، وداخليًا جرس إنذار؛ وما يجمعهما عهد ووعد بمكانة مرموقة تليق بمصر. «الرئيس الإصلاحي» -هكذا أراه- كان خطابه شديد الوضوح، أن إصلاح مؤسسات الدولة ليس خيارًا بل ضرورة واجبة من أجل مستقبل أفضل، وأنه لا مكان لمن يأبى أن يكون من المصلحين.
حديث الرئيس عبدالفتاح السيسى عن إصلاح مؤسسات الدولة جاء قبل أسبوع خلال الاحتفال بالذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، مؤكدًا أن الدولة المصرية تمضى بخطى ثابتة مدروسة، وبإرادة لا تلين، وعزيمة لا تنكسر، فى الطريق الصحيح، ونحو المزيد من الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وضمان الاستغلال الأمثل لمواردنا وثرواتنا، بهدف رفع مستوى معيشة المواطن المصرى، وتوفير الحياة الكريمة التى يستحقها. وأكد أنه يتم بذل أقصى الجهد لبناء أجيال واعدة، وتأهيل كوادر شابة فى مختلف المجالات ليكونوا القاطرة التى تدفع الدولة، إلى آفاق أرحب من التطور والتقدم، وتضع مصر فى المكانة المرموقة، التى تليق بها بين الأمم. وأشار الرئيس إلى أن المشاكل التى حدثت فى عام 2010 وما قبله كانت إرهاصا لحالة مصر، فمؤسسات الدولة كانت تعانى، وبالتالى لا بد من إصلاح مؤسسات الدولة بهدوء وخطة وتطور من خلال بذل أقصى الجهد، موضحا أن هناك برامج لتطوير كل مؤسسات الدولة، مشيرا إلى أن مدة الإصلاح طويلة، وهناك برامج متطورة ذات جدارة، تهدف إلى التطوير، وتابع: «كل مؤسسة لا بد أن يكون لها نقد ذاتى أمين… فالتحول من التخلف للتقدم يأخذ وقتا طويلا». وشدد الرئيس على ضرورة مراعاة حسن الإدارة والرشادة فى إدارة مؤسسات وأجهزة الدولة، ومواصلة العمل على إصلاح مؤسسات وأجهزة الدولة، وضرورة الالتزام بمعايير موضوعية ومجردة بشكل مطلق فى التعيين بأجهزة الدولة. وخلال اجتماع الحكومة، الأربعاء الماضى، لفت الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء، إلى تشديد رئيس الجمهورية فى كلمته بالاحتفالية على ضرورة الاهتمام المستمر بإصلاح مؤسسات الدولة من خلال خطط واضحة، وبرامج متطورة ذات جدارة لتطويرها. وفى هذا السياق، شدد رئيس مجلس الوزراء على أهمية أن نكون جميعا كمسئولين مهتمين بإصلاح كل المؤسسات التابعة لنا، وأن نتأكد فى الوقت نفسه من وصول هذه الإصلاحات إلى مختلف المستويات بتلك المؤسسات، وحتى أصغر موظف بها، باعتبار أن هذا هو التحدى الحقيقى أمامنا. أزمة مقاومة التغيير من جانبه، قال الدكتور رضا فرحات، نائب رئيس حزب المؤتمر، أستاذ العلوم السياسية، إن الدولة المصرية لا تزال فى بداية الطريق نحو الإصلاح المؤسسى، وحديث الرئيس السيسى عن هذا الملف لم يكن مفاجئًا؛ فالشعب المصرى اعتاد على الوضوح والشفافية من الرئيس حيث أصبحت سمة فى كل خطاباته، فهو يتحدث بلا محاذير، وكل ما يشغله هو تحقيق الأفضل للمصريين. وأضاف «فرحات» -فى تصريحات ل«روز اليوسف»- أن مؤسسات الدولة تحتاج مزيدا من الوقت لإصلاح أساليب الإدارة، فمقاومة التغيير سمة دائما ما تظهر وقت الإصلاح والتطوير وإدخال طرق حديثة للإدارة، خاصة فى ظل البيروقراطية التى تمكنت من بعض المؤسسات على مدار عقود سابقة. وأكد أستاذ العلوم السياسية، أن بدء الدولة فى العملية الإصلاحية أمر جيد جدًا فى حد ذاته، وما تم إنجازه من تطوير للبنية التشريعية والتحديث الرقمى وتنمية الوعى داخل الجهاز الإدارى للدولة أعطى مؤشرًا إيجابيًا للغاية بأن القادم أفضل. وتابع: «المواطن سيشعر بنتائج الإصلاح حين ينعكس عليه فى جودة تلقى الخدمات، وهذا أمر يحتاج لمزيد من الوقت». وأشار «فرحات» إلى أن هناك عددا من المؤسسات التى حققت أداء طيبًا خلال الفترة الماضية، مثل وزارة الداخلية وما شهدته من تحول رقمى وطفرة فى تقديم الخدمات، وكذلك سرعة الاستجابة للبلاغات والشكاوى، وتطوير الخدمات المرورية ومراقبة الطرق والشوارع بالكاميرات والرادارات حفاظًا على حياة المواطنين، والأمر ذاته فى وزارة العدل وما شهدته من طفرة كبيرة من خلال ميكنة منظومة التقاضى، وكذلك وزارة الأوقاف وتدريب الأئمة بالأكاديمية العسكرية بهدف صناعة عقول دينية مستنيرة، كما يقدم الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء مجهودات كبيرة من خلال المسابقات التوظيفية التى تستهدف اختيار عناصر مؤهلة بشكل كبير للمؤسسات المختلفة. بناء هيكل إصلاحي فى ذات السياق، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن كلمة الرئيس السيسى مختلفة من حيث الخطاب والمضمون، فكانت كاشفة ومجيبة لكثير من تساؤلات الشارع حول أداء بعض المؤسسات، فكثير من المواطنين كان لديهم هاجس بشأن ضرورة إصلاح المؤسسات، متابعًا: «الرئيس تحدث بلسان الناس». وأضاف «سلامة» –فى تصريحات ل«روز اليوسف»- أن الأمر المهم الآن أن تستشعر تلك المؤسسات بأن هناك قصورا ما فى أدائها، وعليه تتم الاستجابة للإصلاح، مشيرا إلى أن «المشروع الإصلاحي» سيواجه بتعقيدات كثيرة ومقاومة شديدة من داخل المؤسسات ذاتها؛ بسبب البيروقراطية وعدم رغبة البعض فى التغيير. وأشار أستاذ العلوم السياسية، إلى أن كل مؤسسات الدولة لا بد أن تبدأ فى بناء هيكل إصلاحى يتناسب مع المرحلة القادمة، يكون عنوانه الشفافية؛ أملًا فى تحقيق تطلعات المواطنين، متابعا: «المواطن سيشعر بالرضا حين يجد تلك المؤسسات تعمل لصالحه وتتبنى نهجًا يتواءم مع مصالحه». تطوير منهجي وأكد الدكتور أحمد عبد المجيد، عضو مجلس النواب، أن كلمة الرئيس السيسى جاءت بمثابة تأكيد جديد على أن الدولة المصرية تمضى بثبات فى طريق الإصلاح بعزيمة لا تنكسر، وبمنهج واعٍ يقوم على البناء لا الهدم. وأوضح «عبد المجيد» أن الرئيس السيسى وضع إطارًا وطنيًا جامعًا لمفهوم الإصلاح الحقيقى، القائم على تطوير مؤسسات الدولة بالعمل الجاد والصبر، بعيدًا عن الصدام أو الفوضى، مؤكدًا أن هذا النهج هو الضمانة الأساسية للحفاظ على استقرار الدولة ومقدراتها. وأشار إلى أن الحفاظ على كيان الدولة ومؤسساتها هو الأساس لأى عملية إصلاح ناجحة، فالهدف لم يكن أبدًا الهدم أو الاستبدال، بل التطوير من الداخل وبأبناء الوطن أنفسهم. فيما أوضح إبراهيم مجدى حسين، عضو مجلس النواب، أن تأكيد الرئيس على أن «الإصلاح له مدى زمنى طويل ولا يكون بعنف أو تكسير» يعكس رؤية قيادية ناضجة، ترفض الحلول الانفعالية أو القرارات الصادمة، وتؤمن بأن الإصلاح الحقيقى لا يُقاس بالسرعة بل بالاستدامة، وبالقدرة على البناء دون هدم الثقة داخل مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن دعوة الرئيس كل مؤسسة لممارسة «نقد ذاتى أمين» تمثل حجر الأساس لأى إدارة رشيدة. 0 1