عندما قررت الولاياتالمتحدةالأمريكية فرض رسوم جمركية على سلع أوروبية بقيمة 7٫5 مليار دولار، على خلفية سماح منظمة التجارة العالمية لواشنطن بالمضى قدما فى خطوتها ردا على دعم الاتحاد الأوروبى لشركة «إيرباص» لصناعة الطائرات.. كان هذا الأمر هو قطعة البازل الأخيرة فى حرب تكسير العظام بين واشنطن والاتحاد الأوروبى. إذ يعد هذا القرار بمثابة فشل للمفاوضات التجارية التى بدأت بين الجانبين، فى إبريل الماضى، والتى جاءت بعد تهديد الرئيس الأمريكى بفرض رسوم على واردات السيارات الأوروبية، بهدف تعديل ميزان التجارة بين الجانبين والذى يميل لصالح الأوروبين. ونظرا لأهمية هذه الحرب وتأثيرها العميق على مستقبل الاقتصاد والتجارة الدولية، نستعرض فى هذا التقرير أهم أسباب هذه الحرب، ومدى تأثيرها على العلاقات بين أكبر تكتل اقتصادى فى العالم وبين الاقتصاد الأكبر فى العالم. تداعيات القرار الأمريكى من الجدير بالملاحظة أنه قبل صدور هذا القرار، هاجم برلمانيون أوروبيون، الشهر الماضى، انسحاب الولاياتالمتحدة من اتفاقيات بارزة ومهمة، من بينها اتفاقيات تجارية، ووصفوا ذلك بأنها «حرب تجارية وانتهاج سياسة أحادية تضر بالعلاقات مع أوروبا». بعدها قررت الولاياتالمتحدة فرض رسوم جمركية على بضائع بقيمة 7.5 مليار دولار، تستوردها من الاتحاد الأوروبي، وذلك بعد صدور حكم لصالحها من منظمة التجارة العالمية، يعطيها إذنا باتخاذ تدابير تجارية انتقامية ضد الاتحاد الأوروبى . واعتبر هذا الإجراء أحدث فصل فى معركة استمرت 15 عاما بين الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبى بشأن الدعم الحكومى غير المشروع لعملاقى صناعة الطائرات، بوينغ وإيرباص. ويتيح حُكم منظمة التجارة العالمية لواشنطن فرض رسوم جمركية على بضائع من الاتحاد الأوروبى، تتراوح بين الطائرات والمنتجات الزراعية والملابس، اعتبارا من 18 تشرين الأول/أكتوبر. وعقب هذا القرار أعلن مسئول فى مكتب الممثل التجارى الأمريكى أن الولاياتالمتحدة ستفرض رسوما عقابية على الاتحاد الأوروبى اعتبارا من 18 أكتوبر الجارى، موضحا أن واشنطن ستفرض على الاتحاد الأوروبى زيادة جمركية بنسبة 10 بالمائة على الطائرات، وليس قطع غيارها، وبنسبة 25 بالمائة على سلع أخرى بما فيها المنتجات الزراعية والصناعية. وقال المسئول إن قرار منظمة التجارة العالمية يجيز زيادة الرسوم بنسبة مائة بالمائة، لكن واشنطن قررت عدم الذهاب إلى هذا الحد، سعيا منها لإيجاد حل للنزاع القائم منذ 15 عاما. حجم التجارة ترتبط الولاياتالمتحدةالأمريكية، بعلاقة تجارة استثنائية مع الاتحاد الأوروبى والتى تعد الأكبر فى العالم، حيث تصل قيم التجارة البينية نحو تريليون دولار سنويا. ومنذ تولى الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب الرئاسة فى 2017، وهو يسعى إلى تقليص العجز التجارى بين الطرفين والذى يأتى فى صالح الاتحاد والذى يتجاوز 100 مليار دولار سنويا. وفى أحدث تقرير، صدر فى يناير الماضى، ارتفع الفائض فى تجارة الاتحاد الأوروبى مع الولاياتالمتحدة، والعجز فى تجارته مع الصين، وهو ما قد يؤجج الحرب التجارية بين أكبر ثلاثة كيانات اقتصادية فى العالم. وأشار مكتب الإحصاءات التابع للاتحاد الأوروبى «يوروستات» إلى أن فائض التجارة السلعية بين الاتحاد الأوروبى والولاياتالمتحدة ارتفع إلى 11.5 مليار يورو «13 مليار دولار» فى يناير، من 10.1 مليار قبل عام. فيما زاد العجز التجارى للاتحاد الأوروبى مع الصين إلى 21.4 مليار يورو، من 20.8 مليار قبل عام. ويشكل الفائض التجارى لصالح الصين فى المعاملات مع الاتحاد الأوروبى مصدر توترات تجارية بين الجانبين، وتبنى التكتل موقفا أكثر تشددا تجاه بكين، ووضع على سبيل المثال خطة من عشر نقاط لتحقيق توازن فى العلاقات الاقتصادية ودفع الصين للانفتاح. الرسوم الجمركية كانت أوروبا ضمن أهم المستهدفين من الحرب التجارية التى شنها الرئيس الأمريكى، على شركاء أمريكا التجاريين والتى شملت كلا من: اليابان وكندا والمكسيكوالصين وكوريا الجنوبية، وذلك بسبب العجز التجارى الكبير فى تجارة واشنطن مع هذه البلدان والذى يصل إلى 800 مليار دولار سنويا. فيما توصلت الولاياتالمتحدة وكندا، فى أكتوبر السابق، إلى اتفاق مبدئى يشمل المكسيك، والذى يقضى بتعديل اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية « نافتا». بينما وقعت واشنطن وطوكيو، نهاية الأسبوع الماضى، اتفاقية تجارة ثنائية، والتى من المتوقع أن تفتح المجال أمام الصادرات الزراعية الأمريكية فى السوق اليابانية، وهو ما سيسمح بتقليص العجز التجارى مع اليابان والذى كان يصل إلى 67 مليار دولار سنويا. واردات السيارات على الرغم من أن الحرب قد بدأت بفرض رسوم على الطائرات وبعض السلع الزراعية والصناعية، غير أن المعركة الحقيقية تتمثل فى فرض رسوم جمركية على واردات أمريكا من السيارات، خاصة السيارات الألمانية. ويستند التهديد الأمريكى لصناعة السيارات الأوروبية، على تقرير صدر عن وزارة التجارة توصل إلى أن واردات السيارات الأوروبية تمثل تهديدا للأمن القومى الأمريكى. واستخدمت واشنطن مسألة الأمن القومى لفرض رسوم مرتفعة على الصلب والألومنيوم المستورد، مما استدعى على الفور ردا مماثلا من الاتحاد الأوروبى وكندا والمكسيكوالصين. وفى إحدى خطواته الأكثر تشددا ضد شركاء تجاريين للولايات المتحدة، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 بالمئة على سيارات أوروبية، مستهدفا بشكل خاص ألمانيا التى يقول إنها ألحقت الأذى بصناعة السيارات الأمريكية. شركات التكنولوجيا فى الجانب الآخر من المحيط الأطلسى، يضغط الاتحاد الأوروبى منذ فترة طويلة على شركات التكنولوجيا الأمريكية، وعلى رأسها آبل وجوجل وفيسبوك. وتعد الغرامة الموقعة على شركة آبل، والتى تقدر ب13 مليار يورو، إحدى أهم الأوراق الأوروبية، التى تسعى من خلالها للضغط على الولاياتالمتحدة. واستأنفت شركة «آبل» قبل أيام على الحكم الذى صدر عليها فى 2016، والذى يقضى بدفع هذه الغرامة، التى تأتى ضمن الضرائب المستحقة للمفوضية الأوروبية. أما بالنسبة لجوجل، فقد فرضت المفوضية الأوروبية عدة غرامات على عملاق التكنولوجيا، كان آخر هذه الغرامات فى مارس الماضى، حين فرض الاتحاد الأوروبى غرامة بقيمة 1.7 مليار دولار، بدعوى الممارسات غير القانونية فى إعلانات البحث. وكانت هذه هى ثالث غرامة ضخمة يفرضها الاتحاد الأوروبى على جوجل فى السنوات الأخيرة، حيث فرض الاتحاد عام 2018 غرامة بقيمة 5 مليارات دولار على نظام أندرويد التابع لعملاق محركات البحث العالمي، بعد عام واحد من تعرض غوغل لغرامة أيضا قدرها 2.7 مليار دولار بسبب انتهاكات التسوق عبر الإنترنت. ويذكر الاتحاد الأوروبى أن جوجل أساءت استخدام سيطرتها فى السوق من خلال فرض عدد من الشروط التقييدية فى العقود المبرمة مع مواقع ويب تابعة لجهات خارجية، ما منع منافسيها من وضع إعلاناتهم البحثية على هذه المواقع. فيما تواجه شركة ميكروسوفت، عملاق البرمجيات تحقيقيا أوروبيا بدأ أبريل الماضى، يتضمن التحقيق بشأن امتثال المؤسسات الأوروبية بقواعد خصوصية البيانات، فى صفقات برامجها مع ميكروسوفت. وفرض الاتحاد الأوروبى أربع غرامات، على شركة ميكروسوفت من قبل، وقدرت تلك الغرامات بنحو 2 مليار دولار، وكان أكبر هذه الغرامات الغرامة التى وقعت عام 2008 والتى بلغت نحو 1.3 مليار دولار. كما تحملت فيسبوك غرامة ب110 ملايين دولار فى عام 2017، لمخالفته الشروط والتعهدات المتعلقة بشراء تطبيق واتس آب فى 2014، بشأن تبادل الرسائل على الهواتف الذكية، وعدم استخدام ومشاركة البيانات الشخصية للمستخدمين بين الشركتين.